إما الحرية وإما الخروج من التاريخ
فاطمة بن عبد الله الكرّاي
إلى من يهمّهم الأمر: ارفعوا... أيديكم عن تونس !
بات واضحا اليوم، أن تونس مستهدفة من هنا وهناك، من الداخل قبل الخارج، في مؤسسة الدولة فيها...
المزيد >>
إما الحرية وإما الخروج من التاريخ
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 04 فيفري 2018

إلى أخي ورفيق دربي يوسف الصديق:»واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما››
من مفارقات الفكر السياسي الحديث أن بناة الديمقراطية لم يكونوا بحال من الاحوال "ديمقراطيين " .فمنذ الحوار الغريب الذي أورده هيرودوت (480 ق م -425 ق م) في تاريخه (الكتاب الثالث الفصول80-83) بين القادة السبعة الذين ثاروا على دكتاتورية الحكم الديني ونصبوا –على طريقتهم - داريوس Dariusالاول ( 550 ق م -486 ق م) ملكا على بلاد فارس ’لم يشهد الفكر السياسي عامة تغييرا ذا بال في إشكال تصنيف نظم الحكم الى ضروب ثلاثة:فإما أن يكون نظام الحكم «ارستقراطيا « وإما أن يكون» ملكيا» وإما أن يكون « ديمقراطيا «.ذلك هو التصنيف الذي امتد منذ هيرودوت ثم أفلاطون وأرسطو حتى روسو ومونتسكيو ...وما من أحد من هؤلاء ’قدامى ومحدثين ’ انتصر للديمقراطية ’خوفا من ‹›حكم الشعب›› أو قل ‹الرعاع ‹› أو ‹›العامة›› و››الدهماء›› التي بقيت –خاصة عند بناة الديمقراطية الفرنسية والأمريكية –غير مؤهلة للحكم أصلا .
غير أن ثمة مصادرة ثانية تنضاف الى مصادرة شكل الحكم تتصل بأصله وبمشروعيته ,وهي الأهم.وهاهنا قام شبه إجماع امتد من قدماء المصريين وقدماء العراقيين والفينيقيين ’ قضى على الدوام –و إن بصيغ مختلفة ومتراوحة الوضوح- بأن مصدر السلطة هو ‹›اله ‹› أو ‹›إلهة›› وليكن الاله››آمون›› أو ‹›بطاه ‹› عند قدماء المصريين ’ولتكن الالهة ‹›بيروت ‹› عند الفينيقيين أو ‹›اثينا››- وهو الاسم الآخر لبيروت الفينيقية ذاتها - عند اليونانيين ‹› أو››الرّب›› أو ‹›الله ‹› في الملة الإبراهيمية’ .››فالحاكية الإلهية›› هي الأصل سواء عند جميع الوثنيين و عند فقهاء أهل الكتاب الذين لم يفهموا الكتاب بصرف النظر عما يجيش في الصدور من ذاتيات ومن ضروب الوجدانيات القلبية .
وتتفرع عن هاتين المصادرتين مصادرة ثالثة تخص مكانة ‹›صاحب السلطة ووظيفته :فهو من حيث المكانة «ظل الله في الأرض ‹› ’كما قال فيلون اليهودي أو الاسكندري ‹›مخترع ‹› «علم الكلام›› في الملة الإبراهيمية أو هو ‹›خليفته››كما قالت المسيحية انطلاقا من تأويل كاتوليكي لما ورد في انجيل متى (الاصحاح 16 الاية 18) .وقد سرى هذا الاعتقاد في الثقافة العربية الاسلامية خاصة بتأثير›› فرعوني - اسرائيلي –مسيحي ‹› غير واع بذاته حتى قال مفكرو الإسلام ‹›بالخلافة ‹› على الطريقة الفرعونية وهم لا يشعرون وذهبوا مثل عتاة الفراعنة الى القول بإجراء ‹›الشريعة ‹›سواء ‹›بالقرب والملاينة ‹›أو›› بالقهر والغلبة ‹›بحكم ‹›عموم الدعوة›› القاضية ‹›بحمل الكافة على دين الإسلام طوعا أو كرها» على نحو ما نجد ذلك بالخصوص عند سيد قطب في كتاب ‹›معالم في الطريق ‹› (الفصل 7)أو عند المودودي في «تدوين الدستور الإسلامي «(الفصول 18-22) وفي كتاب ‹›الخلافة والملك›› أو في أدبيات مختلف فصائل الإسلام السياسي اليوم على ما بينها من اختلافات في الأدوار والمواقع تفرضها تقنيات الوصول إلى الحكم وحدها .
وسواء تعلق الأمر بالفقه السياسي الفرعوني أو اليهودي أو المسيحي أو الإسلامي فإن الفرق بينه وبين الأساس الذي قامت عليه –في تقديرنا –الملة الإبراهيمية في صيغها الثلاث لا يخفى على ذي بصيرة :لقد أقام اله إبراهيم الوجود كله على الحرية.ومن غريب الأمر أن ذلك التأسيس الأصلي لا أثر له يذكر عند فقهاء الملة الإبراهيمية’ وخاصة عند المسلمين منهم ’فكانوا جميعا أقرب ما يكون من فقهاء الوثنية. فالاله الابراهيمي خلق كل شيء باختيار منه لا بفيض عنه ’ولا لعلة خارجة عن إرادته . ثم إنه هدى الإنسان ‹›النجدين ‹›على معنى أنه جعل مبدأ وجوده ‹›الاختيار››(البقرة وطه).ولنا أن نستجيز القول إن ذلك هو بعض من معنى ما في التوراة والإنجيل والبخاري وابن عربي وديكارت وكانط الخ... من قول يفيد بأن الله خلق الانسان على صورته›› .ولعله بعض من معنى حديث غمره ضجيج التراث الفقهي المتكلس : حدث أنس بن مالك عن الرسول العربي قال :» إن الملائكة قالوا : ربنا خلقتنا وخلقت بني آدم فجعلتهم يأكلون الطعام ويشربون الشراب ويلبسون الثياب ويتزوجون النساء ويركبون الدواب وينامون ويستريحون ولم تجعل لنا من ذلك شيئا فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة .فقال الله عز وجل لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان « .ولنا أن نسرّح الفكر في ما يمكن أن يكون معنى ذلك التكريم الإلهي تدقيقا .فقد روي عن عبد الله ابن عمر أن الرسول العربي قال :» ما شيء أكرم على الله يوم القيامة من ابن آدم .قيل يا رسول الله ولا الملائكة قال ولا الملائكة. الملائكة مجبورون بمنزلة الشمس والقمر"(انظر ابن كثيروغيره).وبصرف النظر عن مدى صحة نصّ الحديث ’فهو يعني أن قانون الطبيعة هو الحتمية مثلما هو الشأن بالنسبة للملائكة وللشياطين معا .فالشياطين قدرها طريق الشر الأبدي والعجر عن الخيرعجزا لاتدارك له .والملائكة قدرها الخير وهي لا تملك أن تعصي الله ما أمرها ’ وهي تفعل ما تؤمر مثلما أن الأفلاك لا تملك أن تخرج عن مداراتها. والإنسان وحده قدره أن يختار بين الحسنى والسوأى .
وهكذا كان لنا أن نخلص الى أن من أعمق معاني التكريم الالهي معنى الحرية التي هو بها وبها وحدها يكون الانسان ‹›على صورة الاله››كما بين ذلك ديكارت خاصة في ثالث تأملاته الميتافيزيقية. ويبدو أن هذه النتيجة المزدوجة ’ تفضيل الانسان على الملائكة’ وتأكيد حريته المطلقة ’هي التي لم يقبلها المرحوم الطاهر بن عاشور السني المالكي الأشعري كما نلمس ذلك في موقفه من المعتزلة عامة والزمخشري خاصة حيث اتهمه ظلما في هذا الموضع ‹›بالتحكك على أهل السنة والتعسف لإرغام القرآن على تأييد مذهبه ‹› .وقد بدا لشيخنا- غفر الله له- أن الزمخشري ‹›تجاوز حد الأدب ‹› (...)فاستوجب الغضاضة والملام ‹› (التحرير والتنوير ج 15 ص106 طبعة 1984) ’ كما استوجب الطاهر الحداد العقاب الآثم !
واذا ما تواضعنا على ما أسلفنا ’ كان لنا أن نخلص -ولو مؤقتا- الى بعض النتائج نقتصر هنا على أهمها:
-1/ ان وجوه الشبه –وهي كثيرة ولا تنكر الا عناديا- بين بين التقاليد الثقافية السياسية واللاهوتية قبل- الاسلامية ’الفرعوني منها والبابلي والفينيقي واليوناني والروماني وحتى المسيحية في بعد من أبعادها’ لايمكن أن نغفل عنها وكأنها غير فاعلة في قرارة ‹›اللاشعور الجمعي ‹›وحتى في عمق تنظيرنا الواعي .فتاريخ الانسانية واحد ’ولن نفهم أنفسنا ما لم نتوسط لها بالغيرية
-2/ التجاوز الحق لرواسب الوثنية الباقية في صلب ‹›اللاشعور الجمعي›› ’انما يكون بتأكيد التعالي الإلهي تأكيدا مطلقا حتى لايغيب عن الأذهان ولا عن الوجدان أن ‹›ليس كمثله شيء ‹› وبالتالي فلا تعلق له بوجه من الوجوه –انطولوجيا- بما أنتجت الإنسانية من ‹›آلهة›› ’ولا تعلق له –تبعا لذلك- بما أضاف اليه الفقهاء واللاهوتيون من وظائف كانت موكولة الى الآلهة الوثنيين وذلك –في تقديرنا –بعض معنى «التنزيه الالهي ‹›
-3/الاعتراف بحرية الإنسان حرية مطلقة بحيث يكون كل اعتداء على حرية الإنسان بمحاولة نفيها أو الحد منها خروجا عن الإرادة الربانية ذاتها.فليس فوق الحرية فوق ولا تحت الحرية تحت .
-4 /ويلزم عن ذلك ضرورة أن لا معنى للقول بالتناقض بين الإيمان ‹›بالخلق›› الإلهي والحرية الإنسانية ’ وهو موضوع الخصام الدامي بين المعتزلة والجهمية .فلنضع اذا –من منطلق أساس الملة الابراهيمية- أن الإنسان ‹›مكره على أن يكون حرا›› كما كان يقول سارتر .إنه حر بتقدير رباني .وما كان لأحد أن ينكر التقدير الرباني ’غير أن قدر الله فينا أنه خلقنا أحرارا بإطلاق .وليس في وسع الإنسان أن ينكر حريته الا جهلا بها ’أو جبنا على الاضطلاع بمسؤوليتها .
-5/ ولنا أن نذهب استنادا إلى القول بالتوافق بين فكرتي ‹›الخلق الالهي ‹› والحرية الانسانية ‹› أن تلك الحرية هي ‹›الأمانة العظمى›› التي عرضت ‹›على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان ‹›.ومعنى ذلك أن ‹الحرية هي مفتاح تأويل النصوص المؤسسة عامة و فهم ما استغلق على الكثير من الظواهر الدينية.
-6/ وهكذا تكون الحرية قانون الوجود البشري ’فردا وجماعة ’ ودولة وأمة على معنى أن القانون ليس إلا الوجه الآخر للحرية .ويعني ذلك عمليا أن القانون لايكون هو الحرية عينها الا متى وضعته الحرية ذاتها ’ سواء مباشرة أو بتوسط هيئات انتخبت –هي الأخرى - بحرية كما هو الشأن مبدئيا في النظم الديمقراطية .
-7/ لذلك كانت الديمقراطية ألصق النظم السياسية بروح الملة الابراهمية ’ وكان العصر الحديث أزهى عصورها ’وأفضل مراحل ارتقاء البشرية نحو الأفضل ’رغم ما تلقاه من عنت وما تصطدم به من عوائق.لذلك كنا على يقين أن يومنا هذا –على مصاعبه-أفضل من أمسنا ’ كما كان لنا أن نأمل في أن غدنا أفضل من يومنا.
-8/ فإذا سلمنا بأن الحرية هي أساس الوجود ’››كوسمولوجيا ‹›و››أنطروبولوجيا» كان لنا أن نخلص الى أنه من شروط تمام الحرية في الوجود البشري المساواة بإطلاق بين البشر جميعا ’ذكرا وأنثى ’اذ لا معنى أصلا للحرية في مجتمع يقوم على «الضيم» أو «المحاباة ‹› كما لا معنى للعدل في مجتمع يقوم على الرق وعلى إكراه المرأة –مهما كانت الدواعي – على أن تبقى في قعر بيتها وتلزم مغزلها ’ تقديرا واهما أن الزواج «ضرب من الرق ‹›كما يقول الغزالي عفا الله عنه.
وبذلك يكون إشكال المساواة في الميراث ’ أو زواج المسلمة بغير المسلم أو إضافة لقب الأم الى لقب الابن مسائل فرعية حلها في الاعتراف بالحرية بما هي جوهر الوجود البشري فردا وجماعة وبما تتضمنه موضوعيا من القيم في مقدمتها المساواة .
-9/ وهكذا ننفذ من ناحية أولى الى ما يمكن أن تكون روح ‹›الملة الإبراهيمية ‹›عامة وروح الإسلام خاصة أي الحرية ونتمايز تمايزا لا سقطة بعده عن ايديولوجيا الخلافة الفرعونية –اليهودية –المسيحية –الاسلاموية –الأوروبية لا بإلغائها ’بل بإغنائها تقديرا لكل جهد بذله الإنسان حيثما كان وفي أي عهد كان .وبذلك يصبح الاعتداء على جميع أشكال التراث الإنساني جريمة في حق الإنسان .فليس ثمة ما يجبّ في الفكر السياسي الفرعوني الذي انبنى –كما بينا أعلاه- على›› العدل›› و››النظام ‹›و››السلم›› .وتلك قيم ‹›لايجبّها ‹›الفكر السياسي الحديث ولكنه يتمّمها بأن يؤسس جميع القيم على الحرية والمساواة فاذا مسائل الرق والجواري والغلمان تنتمي إلى عهود طواها التاريخ.ولنا عندها أن نذهب إلى معنى مستحدث للأثر النبوي الذي يمكن اعتباره تعريفا بحقيقة الرسالة المحمدية :››إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق « .وتمام مكارم الأخلاق بتأصيلها في الحرية الإنسانية.
10/ اذا تواضعنا على ما سبق ’بانت لنا المهمات الابستيمولوجية التي تنتظر الفكر الاسلامي : كيف له أن يعيد ترتيب جميع القيم باعتبار الحرية ‹›الأرومة ‹›كما يقول الرياضيون التي منها المنطلق واليها المرجع في طرح الإشكاليات النظرية كما في تحسس حلول ممكنة لها :كيف يمكن إعادة بناء معاير التمييز بين ‹›البيّنات ‹› و››المتشابهات؟ -كيف يمكن الاطمئنان إلى توالي نزول الآيات القرآنية المتعارف عليه ؟ وهل لنا أن نتواضع على أن القرآن ثابت لنعيد النظر في مسألة ‹›الناسخ والمنسوخ››؟ما ذا لو كانت الآية 144 من سورة الأنعام مثلا آخر ما نزل في موضوع الأكل والشرب ؟ هل من معنى للقول بما ‹›نسخت تلاوته وبقي حكمه›› لاسيما حين يتعلق الأمر بأمر خطير مثل ‹›الرجم› أو››الردة»؟ وغير ذلك كثير مما يستدعي حقا ما كان يسميه علي البلهوان رحمه الله- وهو في عز معركة التحرير الوطني- «ثورة الفكر››...››ثورة الفكر›› أو ‹›ثورة ثقافية ‹›تقودها الحرية مبدأ وغاية ومراسا ’ذلك ما يتوقف عليه اليوم إمكان استئناف البادرة التاريخية أو الخروج من التاريخ...

حمادي بن جاءبالله
وخزة
21 فيفري 2018 السّاعة 21:00
في تونس مازلنا نرى العجائب... تتبعها الغرائب... 11 ألف عون في شركات البستنة يتقاضون أجورا وهم نائمون ولا...
المزيد >>
أولا وأخيرا:الفسفـــــاط والسفسطــــــــة
21 فيفري 2018 السّاعة 21:00
أكيد اننا سنقترض من الخارج كالعادة لخلاص أجور ومنح وامتيازات وابتزازات الاطارات والأعوان العاملين في...
المزيد >>
بكل موضوعيّة:جدية الرّهان على الثقافة العالمة
21 فيفري 2018 السّاعة 21:00
نعتقد أن التفكير في واقع الممارسات الثّقافية في مجتمعاتنا من المسائل المهمة باعتبار أنّها تمكننا من تحصين...
المزيد >>
مقدمات للمطر:محو الأمية وتعليم الكبار:خصــوصيــات النمــوذج التـونسـي فــــي المنطقــــة العـربيــــة
21 فيفري 2018 السّاعة 21:00
لقد حظيت مسألة التعليم بمكانة هامة في تاريخ تونس عبر الحضارات التي تعاقبت عليها من قرطاج إلى الرومان إلى...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
إما الحرية وإما الخروج من التاريخ
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 04 فيفري 2018

إلى أخي ورفيق دربي يوسف الصديق:»واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما››
من مفارقات الفكر السياسي الحديث أن بناة الديمقراطية لم يكونوا بحال من الاحوال "ديمقراطيين " .فمنذ الحوار الغريب الذي أورده هيرودوت (480 ق م -425 ق م) في تاريخه (الكتاب الثالث الفصول80-83) بين القادة السبعة الذين ثاروا على دكتاتورية الحكم الديني ونصبوا –على طريقتهم - داريوس Dariusالاول ( 550 ق م -486 ق م) ملكا على بلاد فارس ’لم يشهد الفكر السياسي عامة تغييرا ذا بال في إشكال تصنيف نظم الحكم الى ضروب ثلاثة:فإما أن يكون نظام الحكم «ارستقراطيا « وإما أن يكون» ملكيا» وإما أن يكون « ديمقراطيا «.ذلك هو التصنيف الذي امتد منذ هيرودوت ثم أفلاطون وأرسطو حتى روسو ومونتسكيو ...وما من أحد من هؤلاء ’قدامى ومحدثين ’ انتصر للديمقراطية ’خوفا من ‹›حكم الشعب›› أو قل ‹الرعاع ‹› أو ‹›العامة›› و››الدهماء›› التي بقيت –خاصة عند بناة الديمقراطية الفرنسية والأمريكية –غير مؤهلة للحكم أصلا .
غير أن ثمة مصادرة ثانية تنضاف الى مصادرة شكل الحكم تتصل بأصله وبمشروعيته ,وهي الأهم.وهاهنا قام شبه إجماع امتد من قدماء المصريين وقدماء العراقيين والفينيقيين ’ قضى على الدوام –و إن بصيغ مختلفة ومتراوحة الوضوح- بأن مصدر السلطة هو ‹›اله ‹› أو ‹›إلهة›› وليكن الاله››آمون›› أو ‹›بطاه ‹› عند قدماء المصريين ’ولتكن الالهة ‹›بيروت ‹› عند الفينيقيين أو ‹›اثينا››- وهو الاسم الآخر لبيروت الفينيقية ذاتها - عند اليونانيين ‹› أو››الرّب›› أو ‹›الله ‹› في الملة الإبراهيمية’ .››فالحاكية الإلهية›› هي الأصل سواء عند جميع الوثنيين و عند فقهاء أهل الكتاب الذين لم يفهموا الكتاب بصرف النظر عما يجيش في الصدور من ذاتيات ومن ضروب الوجدانيات القلبية .
وتتفرع عن هاتين المصادرتين مصادرة ثالثة تخص مكانة ‹›صاحب السلطة ووظيفته :فهو من حيث المكانة «ظل الله في الأرض ‹› ’كما قال فيلون اليهودي أو الاسكندري ‹›مخترع ‹› «علم الكلام›› في الملة الإبراهيمية أو هو ‹›خليفته››كما قالت المسيحية انطلاقا من تأويل كاتوليكي لما ورد في انجيل متى (الاصحاح 16 الاية 18) .وقد سرى هذا الاعتقاد في الثقافة العربية الاسلامية خاصة بتأثير›› فرعوني - اسرائيلي –مسيحي ‹› غير واع بذاته حتى قال مفكرو الإسلام ‹›بالخلافة ‹› على الطريقة الفرعونية وهم لا يشعرون وذهبوا مثل عتاة الفراعنة الى القول بإجراء ‹›الشريعة ‹›سواء ‹›بالقرب والملاينة ‹›أو›› بالقهر والغلبة ‹›بحكم ‹›عموم الدعوة›› القاضية ‹›بحمل الكافة على دين الإسلام طوعا أو كرها» على نحو ما نجد ذلك بالخصوص عند سيد قطب في كتاب ‹›معالم في الطريق ‹› (الفصل 7)أو عند المودودي في «تدوين الدستور الإسلامي «(الفصول 18-22) وفي كتاب ‹›الخلافة والملك›› أو في أدبيات مختلف فصائل الإسلام السياسي اليوم على ما بينها من اختلافات في الأدوار والمواقع تفرضها تقنيات الوصول إلى الحكم وحدها .
وسواء تعلق الأمر بالفقه السياسي الفرعوني أو اليهودي أو المسيحي أو الإسلامي فإن الفرق بينه وبين الأساس الذي قامت عليه –في تقديرنا –الملة الإبراهيمية في صيغها الثلاث لا يخفى على ذي بصيرة :لقد أقام اله إبراهيم الوجود كله على الحرية.ومن غريب الأمر أن ذلك التأسيس الأصلي لا أثر له يذكر عند فقهاء الملة الإبراهيمية’ وخاصة عند المسلمين منهم ’فكانوا جميعا أقرب ما يكون من فقهاء الوثنية. فالاله الابراهيمي خلق كل شيء باختيار منه لا بفيض عنه ’ولا لعلة خارجة عن إرادته . ثم إنه هدى الإنسان ‹›النجدين ‹›على معنى أنه جعل مبدأ وجوده ‹›الاختيار››(البقرة وطه).ولنا أن نستجيز القول إن ذلك هو بعض من معنى ما في التوراة والإنجيل والبخاري وابن عربي وديكارت وكانط الخ... من قول يفيد بأن الله خلق الانسان على صورته›› .ولعله بعض من معنى حديث غمره ضجيج التراث الفقهي المتكلس : حدث أنس بن مالك عن الرسول العربي قال :» إن الملائكة قالوا : ربنا خلقتنا وخلقت بني آدم فجعلتهم يأكلون الطعام ويشربون الشراب ويلبسون الثياب ويتزوجون النساء ويركبون الدواب وينامون ويستريحون ولم تجعل لنا من ذلك شيئا فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة .فقال الله عز وجل لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان « .ولنا أن نسرّح الفكر في ما يمكن أن يكون معنى ذلك التكريم الإلهي تدقيقا .فقد روي عن عبد الله ابن عمر أن الرسول العربي قال :» ما شيء أكرم على الله يوم القيامة من ابن آدم .قيل يا رسول الله ولا الملائكة قال ولا الملائكة. الملائكة مجبورون بمنزلة الشمس والقمر"(انظر ابن كثيروغيره).وبصرف النظر عن مدى صحة نصّ الحديث ’فهو يعني أن قانون الطبيعة هو الحتمية مثلما هو الشأن بالنسبة للملائكة وللشياطين معا .فالشياطين قدرها طريق الشر الأبدي والعجر عن الخيرعجزا لاتدارك له .والملائكة قدرها الخير وهي لا تملك أن تعصي الله ما أمرها ’ وهي تفعل ما تؤمر مثلما أن الأفلاك لا تملك أن تخرج عن مداراتها. والإنسان وحده قدره أن يختار بين الحسنى والسوأى .
وهكذا كان لنا أن نخلص الى أن من أعمق معاني التكريم الالهي معنى الحرية التي هو بها وبها وحدها يكون الانسان ‹›على صورة الاله››كما بين ذلك ديكارت خاصة في ثالث تأملاته الميتافيزيقية. ويبدو أن هذه النتيجة المزدوجة ’ تفضيل الانسان على الملائكة’ وتأكيد حريته المطلقة ’هي التي لم يقبلها المرحوم الطاهر بن عاشور السني المالكي الأشعري كما نلمس ذلك في موقفه من المعتزلة عامة والزمخشري خاصة حيث اتهمه ظلما في هذا الموضع ‹›بالتحكك على أهل السنة والتعسف لإرغام القرآن على تأييد مذهبه ‹› .وقد بدا لشيخنا- غفر الله له- أن الزمخشري ‹›تجاوز حد الأدب ‹› (...)فاستوجب الغضاضة والملام ‹› (التحرير والتنوير ج 15 ص106 طبعة 1984) ’ كما استوجب الطاهر الحداد العقاب الآثم !
واذا ما تواضعنا على ما أسلفنا ’ كان لنا أن نخلص -ولو مؤقتا- الى بعض النتائج نقتصر هنا على أهمها:
-1/ ان وجوه الشبه –وهي كثيرة ولا تنكر الا عناديا- بين بين التقاليد الثقافية السياسية واللاهوتية قبل- الاسلامية ’الفرعوني منها والبابلي والفينيقي واليوناني والروماني وحتى المسيحية في بعد من أبعادها’ لايمكن أن نغفل عنها وكأنها غير فاعلة في قرارة ‹›اللاشعور الجمعي ‹›وحتى في عمق تنظيرنا الواعي .فتاريخ الانسانية واحد ’ولن نفهم أنفسنا ما لم نتوسط لها بالغيرية
-2/ التجاوز الحق لرواسب الوثنية الباقية في صلب ‹›اللاشعور الجمعي›› ’انما يكون بتأكيد التعالي الإلهي تأكيدا مطلقا حتى لايغيب عن الأذهان ولا عن الوجدان أن ‹›ليس كمثله شيء ‹› وبالتالي فلا تعلق له بوجه من الوجوه –انطولوجيا- بما أنتجت الإنسانية من ‹›آلهة›› ’ولا تعلق له –تبعا لذلك- بما أضاف اليه الفقهاء واللاهوتيون من وظائف كانت موكولة الى الآلهة الوثنيين وذلك –في تقديرنا –بعض معنى «التنزيه الالهي ‹›
-3/الاعتراف بحرية الإنسان حرية مطلقة بحيث يكون كل اعتداء على حرية الإنسان بمحاولة نفيها أو الحد منها خروجا عن الإرادة الربانية ذاتها.فليس فوق الحرية فوق ولا تحت الحرية تحت .
-4 /ويلزم عن ذلك ضرورة أن لا معنى للقول بالتناقض بين الإيمان ‹›بالخلق›› الإلهي والحرية الإنسانية ’ وهو موضوع الخصام الدامي بين المعتزلة والجهمية .فلنضع اذا –من منطلق أساس الملة الابراهيمية- أن الإنسان ‹›مكره على أن يكون حرا›› كما كان يقول سارتر .إنه حر بتقدير رباني .وما كان لأحد أن ينكر التقدير الرباني ’غير أن قدر الله فينا أنه خلقنا أحرارا بإطلاق .وليس في وسع الإنسان أن ينكر حريته الا جهلا بها ’أو جبنا على الاضطلاع بمسؤوليتها .
-5/ ولنا أن نذهب استنادا إلى القول بالتوافق بين فكرتي ‹›الخلق الالهي ‹› والحرية الانسانية ‹› أن تلك الحرية هي ‹›الأمانة العظمى›› التي عرضت ‹›على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان ‹›.ومعنى ذلك أن ‹الحرية هي مفتاح تأويل النصوص المؤسسة عامة و فهم ما استغلق على الكثير من الظواهر الدينية.
-6/ وهكذا تكون الحرية قانون الوجود البشري ’فردا وجماعة ’ ودولة وأمة على معنى أن القانون ليس إلا الوجه الآخر للحرية .ويعني ذلك عمليا أن القانون لايكون هو الحرية عينها الا متى وضعته الحرية ذاتها ’ سواء مباشرة أو بتوسط هيئات انتخبت –هي الأخرى - بحرية كما هو الشأن مبدئيا في النظم الديمقراطية .
-7/ لذلك كانت الديمقراطية ألصق النظم السياسية بروح الملة الابراهمية ’ وكان العصر الحديث أزهى عصورها ’وأفضل مراحل ارتقاء البشرية نحو الأفضل ’رغم ما تلقاه من عنت وما تصطدم به من عوائق.لذلك كنا على يقين أن يومنا هذا –على مصاعبه-أفضل من أمسنا ’ كما كان لنا أن نأمل في أن غدنا أفضل من يومنا.
-8/ فإذا سلمنا بأن الحرية هي أساس الوجود ’››كوسمولوجيا ‹›و››أنطروبولوجيا» كان لنا أن نخلص الى أنه من شروط تمام الحرية في الوجود البشري المساواة بإطلاق بين البشر جميعا ’ذكرا وأنثى ’اذ لا معنى أصلا للحرية في مجتمع يقوم على «الضيم» أو «المحاباة ‹› كما لا معنى للعدل في مجتمع يقوم على الرق وعلى إكراه المرأة –مهما كانت الدواعي – على أن تبقى في قعر بيتها وتلزم مغزلها ’ تقديرا واهما أن الزواج «ضرب من الرق ‹›كما يقول الغزالي عفا الله عنه.
وبذلك يكون إشكال المساواة في الميراث ’ أو زواج المسلمة بغير المسلم أو إضافة لقب الأم الى لقب الابن مسائل فرعية حلها في الاعتراف بالحرية بما هي جوهر الوجود البشري فردا وجماعة وبما تتضمنه موضوعيا من القيم في مقدمتها المساواة .
-9/ وهكذا ننفذ من ناحية أولى الى ما يمكن أن تكون روح ‹›الملة الإبراهيمية ‹›عامة وروح الإسلام خاصة أي الحرية ونتمايز تمايزا لا سقطة بعده عن ايديولوجيا الخلافة الفرعونية –اليهودية –المسيحية –الاسلاموية –الأوروبية لا بإلغائها ’بل بإغنائها تقديرا لكل جهد بذله الإنسان حيثما كان وفي أي عهد كان .وبذلك يصبح الاعتداء على جميع أشكال التراث الإنساني جريمة في حق الإنسان .فليس ثمة ما يجبّ في الفكر السياسي الفرعوني الذي انبنى –كما بينا أعلاه- على›› العدل›› و››النظام ‹›و››السلم›› .وتلك قيم ‹›لايجبّها ‹›الفكر السياسي الحديث ولكنه يتمّمها بأن يؤسس جميع القيم على الحرية والمساواة فاذا مسائل الرق والجواري والغلمان تنتمي إلى عهود طواها التاريخ.ولنا عندها أن نذهب إلى معنى مستحدث للأثر النبوي الذي يمكن اعتباره تعريفا بحقيقة الرسالة المحمدية :››إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق « .وتمام مكارم الأخلاق بتأصيلها في الحرية الإنسانية.
10/ اذا تواضعنا على ما سبق ’بانت لنا المهمات الابستيمولوجية التي تنتظر الفكر الاسلامي : كيف له أن يعيد ترتيب جميع القيم باعتبار الحرية ‹›الأرومة ‹›كما يقول الرياضيون التي منها المنطلق واليها المرجع في طرح الإشكاليات النظرية كما في تحسس حلول ممكنة لها :كيف يمكن إعادة بناء معاير التمييز بين ‹›البيّنات ‹› و››المتشابهات؟ -كيف يمكن الاطمئنان إلى توالي نزول الآيات القرآنية المتعارف عليه ؟ وهل لنا أن نتواضع على أن القرآن ثابت لنعيد النظر في مسألة ‹›الناسخ والمنسوخ››؟ما ذا لو كانت الآية 144 من سورة الأنعام مثلا آخر ما نزل في موضوع الأكل والشرب ؟ هل من معنى للقول بما ‹›نسخت تلاوته وبقي حكمه›› لاسيما حين يتعلق الأمر بأمر خطير مثل ‹›الرجم› أو››الردة»؟ وغير ذلك كثير مما يستدعي حقا ما كان يسميه علي البلهوان رحمه الله- وهو في عز معركة التحرير الوطني- «ثورة الفكر››...››ثورة الفكر›› أو ‹›ثورة ثقافية ‹›تقودها الحرية مبدأ وغاية ومراسا ’ذلك ما يتوقف عليه اليوم إمكان استئناف البادرة التاريخية أو الخروج من التاريخ...

حمادي بن جاءبالله
وخزة
21 فيفري 2018 السّاعة 21:00
في تونس مازلنا نرى العجائب... تتبعها الغرائب... 11 ألف عون في شركات البستنة يتقاضون أجورا وهم نائمون ولا...
المزيد >>
أولا وأخيرا:الفسفـــــاط والسفسطــــــــة
21 فيفري 2018 السّاعة 21:00
أكيد اننا سنقترض من الخارج كالعادة لخلاص أجور ومنح وامتيازات وابتزازات الاطارات والأعوان العاملين في...
المزيد >>
بكل موضوعيّة:جدية الرّهان على الثقافة العالمة
21 فيفري 2018 السّاعة 21:00
نعتقد أن التفكير في واقع الممارسات الثّقافية في مجتمعاتنا من المسائل المهمة باعتبار أنّها تمكننا من تحصين...
المزيد >>
مقدمات للمطر:محو الأمية وتعليم الكبار:خصــوصيــات النمــوذج التـونسـي فــــي المنطقــــة العـربيــــة
21 فيفري 2018 السّاعة 21:00
لقد حظيت مسألة التعليم بمكانة هامة في تاريخ تونس عبر الحضارات التي تعاقبت عليها من قرطاج إلى الرومان إلى...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
فاطمة بن عبد الله الكرّاي
إلى من يهمّهم الأمر: ارفعوا... أيديكم عن تونس !
بات واضحا اليوم، أن تونس مستهدفة من هنا وهناك، من الداخل قبل الخارج، في مؤسسة الدولة فيها...
المزيد >>