رجع الصّدى:على خلفيةزيارة الرئيس الفرنسي إلى تونس من يخاف اللّغة الفرنسية؟
فاطمة بن عبد الله الكرّاي
إلى من يهمّهم الأمر: ارفعوا... أيديكم عن تونس !
بات واضحا اليوم، أن تونس مستهدفة من هنا وهناك، من الداخل قبل الخارج، في مؤسسة الدولة فيها...
المزيد >>
رجع الصّدى:على خلفيةزيارة الرئيس الفرنسي إلى تونس من يخاف اللّغة الفرنسية؟
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 06 فيفري 2018

من الصعب أن تموتَ عقدُ من خضع للاستعمار وعانى قهره وويلاته، فالاستعمار من أبشع ما صنعت الحضارة الإنسانية منذ أن هبط الإنسان على هذه الأرض. لأن الاستعمار ليس التسلّط على الشعوب واستغلال خيراتها وحسب، وإنما هو كذلك محاولة إعادة تشكيل المنظومة الثقافية لهذه الشعوب ووضعها موضع التبعية لغة وفكرا وروحا.

هناك شعوب في آسيا وأوروبا الشرقية نجحت بفضل جهود كبيرة بُذلت في التعليم والتثقيف أن تتجاوز آثار الاستعمار وتنضمّ إلى صفّ البلدان المصنّعة وتنافس مستعمريها السابقين دون مركبات.
وهناك شعوب أخرى لاتزال تعاني من مركبات الاستعمار السابق ولا تقوى على تجاوزها، بل انها تستعمل أحيانا هذه المركبات لتبرير عجزها عن التقدّم، وتغيير ما بنفسها. الضجة التي أثارتها عند جزء هام من نخبتنا دعوة الرئيس ماكرون خلال زيارته منذ أيام لبلادنا إلى دعم تعلّم اللغة الفرنسية تؤكد أننا لا نزال من صنف الشعوب التي لم تتخلص من عقدها القديمة، وأنّنا لم نكسّر بعدُ دائرة الخوف التي وضعنا فيها أنفسنا بدعوى الدفاع عن هويتنا.
ويتعيّن عليّ أن أسارع إلى القول انه لا أجمل عندي ولا أغلى من اللغة العربية، لغتي. لكني أجازف بإضافة أن اللغة الفرنسية تبقى من أجمل لغات هذا العالم وأنها تمثل، كما مثّلت لمن سبقنا من أجيال المثقفين المناضلين، كنزا ثمينا وسلاحا فعّالا متى أحسنا استغلاله وفهمنا استعماله.
وحتى نقدّر كم نحن محظوظون بتعلمنا اللغة الفرنسية التي تعتبر اليوم احدى أهم لغات العالم ومحملا من محامل العلوم الصعبة والإنسانية على حد السواء، وجب قبل ذلك أن نتخلص من هذه الأخطاء الشائعة.
أولا، تعلّم اللغة الفرنسية لا يتم على حساب تطور اللغة العربية وانتشارها. بل العكس هو الصحيح، إذ يكفي أن نلتفت قليلا إلى الوراء لنرى أن نهضة لغتنا حديثا تمّت تحت تأثير وضغط الفرنسية، وأن العربية افادت كثيرا من تطور هذه اللغة بحثا ومنهجا.
ثانيا إجادة اللغة الفرنسية وإتقانها لا يعطّل بناء مهارة اللغة الأصل، العربية، ويكفي أن نذكّر أن مؤسسي الجامعة التونسية، وبالنتيجة بناة الثقافة الوطنية العصرية، هم جلهم، إن لم يكونوا كلهم، ثنائيو اللغة أمثال أحمد عبد السلام ومحمد الطالبي ومنجي الشملي وصالح القرمادي ومحمد اليعلاوي والشاذلي القليبي وغيرهم كثر..
ثالثا أن اللغة الفرنسية متأخرة علميا وتقنيا على اللغة الانقليزية لذا يفضل التوجّه مباشرة إلى لغة شكسبير. هذاخطأ آخر ومغالطة خطيرة استعملتها بعض الاتجاهات السياسية بهدف حرمان الناشئة من نوافذ الانفتاح على الحضارات الأخرى وليسهل التحكم في عقولهاوتسييرها بيسر.
ولقد جرّبت احدى الدول المجاورة مسألة تعويض تعلم اللغة الفرنسية بالانقليزية فخسرت هذه وتلك وأنتجت جيلا ثلاثي الأمية لا يتقن الانقليزية ولا الفرنسية ولا العربية، لغته.
الحقيقة أن تعلّم اللغة الفرنسية، وأقصد طبعا التعلّم الجيّد الجاد، يمثّل فرصة كبيرة أمامنا لإتقان لغتنا العربية على أسس عصرية ونافذة، ولفتح عقول ناشئتنا على حضارات متطوّرة فرنكفونية المرجع كانت أم أخرى انجلو ـ سكسونية أو سلافيّة أو غيرها تكون الفرنسية بابا لدخولها.
وإن اللغة الفرنسية التي هي جزء من تراثنا المغاربي والإفريقي تعتبر اليوم مفتاحا لفتح أبواب القارة السمراء من جديد وبناء جسور تعاون حقيقي ومثمر بين شرقها وجنوبها في هذه اللحظة التي تتهيأ فيها إفريقيا لتصبح المنطقة الأكثر سكانا في العالم والأكثر تحفّزا للنموّ.
وتبقى اللغة الفرنسية «غنيمة حرب» (Butin de guerre) على حد تعبير الكاتب الجزائري الكبير كاتب ياسين يمكننا استعمالها لدخول الدوائر ونقل أحاسيسنا وأفكارنا والإقبال تأثّرا وتأثيرا في المسير والمصير الإنسانيين.
وإن الفرنسية كذلك قيمة إضافية عالية لتأكيد الخصوصية الثقافية لكيان المغرب العربي الكبير ومزيد الإسهام في تسهيل وحدته وتوحيده ولعله من الفائدة التذكير أن كل أرشيف ووثائق حركات معارك الاستقلال ضد الاستعمار الفرنسي مكتوبة باللغة الفرنسية.
اللغة الفرنسية تمثل، من جانب آخر، أساس التناقض والتقارب بين حضارتي ضفتي المتوسط ومعرفتها من هذا المنطلق ضرورة تاريخية وجغرافية تجعل منها لغة محلية سيما في ظل التحولات الكبرى التي يفرضها واقع العولمة وتصاعد ظواهر التطرّف والانكماش.
من يخاف اللغة الفرنسية غير الذي لم يتخلّص من عقدة المُستَعْمَر القديم أو الذي يريد لأبناء هذا البلد المجبول على التفتح أن يعيشوا منغلقين منطوين على أنفسهم ومتخلّفين؟

بقلم: عبد الجليل المسعودي
وخزة
21 فيفري 2018 السّاعة 21:00
في تونس مازلنا نرى العجائب... تتبعها الغرائب... 11 ألف عون في شركات البستنة يتقاضون أجورا وهم نائمون ولا...
المزيد >>
أولا وأخيرا:الفسفـــــاط والسفسطــــــــة
21 فيفري 2018 السّاعة 21:00
أكيد اننا سنقترض من الخارج كالعادة لخلاص أجور ومنح وامتيازات وابتزازات الاطارات والأعوان العاملين في...
المزيد >>
بكل موضوعيّة:جدية الرّهان على الثقافة العالمة
21 فيفري 2018 السّاعة 21:00
نعتقد أن التفكير في واقع الممارسات الثّقافية في مجتمعاتنا من المسائل المهمة باعتبار أنّها تمكننا من تحصين...
المزيد >>
مقدمات للمطر:محو الأمية وتعليم الكبار:خصــوصيــات النمــوذج التـونسـي فــــي المنطقــــة العـربيــــة
21 فيفري 2018 السّاعة 21:00
لقد حظيت مسألة التعليم بمكانة هامة في تاريخ تونس عبر الحضارات التي تعاقبت عليها من قرطاج إلى الرومان إلى...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
رجع الصّدى:على خلفيةزيارة الرئيس الفرنسي إلى تونس من يخاف اللّغة الفرنسية؟
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 06 فيفري 2018

من الصعب أن تموتَ عقدُ من خضع للاستعمار وعانى قهره وويلاته، فالاستعمار من أبشع ما صنعت الحضارة الإنسانية منذ أن هبط الإنسان على هذه الأرض. لأن الاستعمار ليس التسلّط على الشعوب واستغلال خيراتها وحسب، وإنما هو كذلك محاولة إعادة تشكيل المنظومة الثقافية لهذه الشعوب ووضعها موضع التبعية لغة وفكرا وروحا.

هناك شعوب في آسيا وأوروبا الشرقية نجحت بفضل جهود كبيرة بُذلت في التعليم والتثقيف أن تتجاوز آثار الاستعمار وتنضمّ إلى صفّ البلدان المصنّعة وتنافس مستعمريها السابقين دون مركبات.
وهناك شعوب أخرى لاتزال تعاني من مركبات الاستعمار السابق ولا تقوى على تجاوزها، بل انها تستعمل أحيانا هذه المركبات لتبرير عجزها عن التقدّم، وتغيير ما بنفسها. الضجة التي أثارتها عند جزء هام من نخبتنا دعوة الرئيس ماكرون خلال زيارته منذ أيام لبلادنا إلى دعم تعلّم اللغة الفرنسية تؤكد أننا لا نزال من صنف الشعوب التي لم تتخلص من عقدها القديمة، وأنّنا لم نكسّر بعدُ دائرة الخوف التي وضعنا فيها أنفسنا بدعوى الدفاع عن هويتنا.
ويتعيّن عليّ أن أسارع إلى القول انه لا أجمل عندي ولا أغلى من اللغة العربية، لغتي. لكني أجازف بإضافة أن اللغة الفرنسية تبقى من أجمل لغات هذا العالم وأنها تمثل، كما مثّلت لمن سبقنا من أجيال المثقفين المناضلين، كنزا ثمينا وسلاحا فعّالا متى أحسنا استغلاله وفهمنا استعماله.
وحتى نقدّر كم نحن محظوظون بتعلمنا اللغة الفرنسية التي تعتبر اليوم احدى أهم لغات العالم ومحملا من محامل العلوم الصعبة والإنسانية على حد السواء، وجب قبل ذلك أن نتخلص من هذه الأخطاء الشائعة.
أولا، تعلّم اللغة الفرنسية لا يتم على حساب تطور اللغة العربية وانتشارها. بل العكس هو الصحيح، إذ يكفي أن نلتفت قليلا إلى الوراء لنرى أن نهضة لغتنا حديثا تمّت تحت تأثير وضغط الفرنسية، وأن العربية افادت كثيرا من تطور هذه اللغة بحثا ومنهجا.
ثانيا إجادة اللغة الفرنسية وإتقانها لا يعطّل بناء مهارة اللغة الأصل، العربية، ويكفي أن نذكّر أن مؤسسي الجامعة التونسية، وبالنتيجة بناة الثقافة الوطنية العصرية، هم جلهم، إن لم يكونوا كلهم، ثنائيو اللغة أمثال أحمد عبد السلام ومحمد الطالبي ومنجي الشملي وصالح القرمادي ومحمد اليعلاوي والشاذلي القليبي وغيرهم كثر..
ثالثا أن اللغة الفرنسية متأخرة علميا وتقنيا على اللغة الانقليزية لذا يفضل التوجّه مباشرة إلى لغة شكسبير. هذاخطأ آخر ومغالطة خطيرة استعملتها بعض الاتجاهات السياسية بهدف حرمان الناشئة من نوافذ الانفتاح على الحضارات الأخرى وليسهل التحكم في عقولهاوتسييرها بيسر.
ولقد جرّبت احدى الدول المجاورة مسألة تعويض تعلم اللغة الفرنسية بالانقليزية فخسرت هذه وتلك وأنتجت جيلا ثلاثي الأمية لا يتقن الانقليزية ولا الفرنسية ولا العربية، لغته.
الحقيقة أن تعلّم اللغة الفرنسية، وأقصد طبعا التعلّم الجيّد الجاد، يمثّل فرصة كبيرة أمامنا لإتقان لغتنا العربية على أسس عصرية ونافذة، ولفتح عقول ناشئتنا على حضارات متطوّرة فرنكفونية المرجع كانت أم أخرى انجلو ـ سكسونية أو سلافيّة أو غيرها تكون الفرنسية بابا لدخولها.
وإن اللغة الفرنسية التي هي جزء من تراثنا المغاربي والإفريقي تعتبر اليوم مفتاحا لفتح أبواب القارة السمراء من جديد وبناء جسور تعاون حقيقي ومثمر بين شرقها وجنوبها في هذه اللحظة التي تتهيأ فيها إفريقيا لتصبح المنطقة الأكثر سكانا في العالم والأكثر تحفّزا للنموّ.
وتبقى اللغة الفرنسية «غنيمة حرب» (Butin de guerre) على حد تعبير الكاتب الجزائري الكبير كاتب ياسين يمكننا استعمالها لدخول الدوائر ونقل أحاسيسنا وأفكارنا والإقبال تأثّرا وتأثيرا في المسير والمصير الإنسانيين.
وإن الفرنسية كذلك قيمة إضافية عالية لتأكيد الخصوصية الثقافية لكيان المغرب العربي الكبير ومزيد الإسهام في تسهيل وحدته وتوحيده ولعله من الفائدة التذكير أن كل أرشيف ووثائق حركات معارك الاستقلال ضد الاستعمار الفرنسي مكتوبة باللغة الفرنسية.
اللغة الفرنسية تمثل، من جانب آخر، أساس التناقض والتقارب بين حضارتي ضفتي المتوسط ومعرفتها من هذا المنطلق ضرورة تاريخية وجغرافية تجعل منها لغة محلية سيما في ظل التحولات الكبرى التي يفرضها واقع العولمة وتصاعد ظواهر التطرّف والانكماش.
من يخاف اللغة الفرنسية غير الذي لم يتخلّص من عقدة المُستَعْمَر القديم أو الذي يريد لأبناء هذا البلد المجبول على التفتح أن يعيشوا منغلقين منطوين على أنفسهم ومتخلّفين؟

بقلم: عبد الجليل المسعودي
وخزة
21 فيفري 2018 السّاعة 21:00
في تونس مازلنا نرى العجائب... تتبعها الغرائب... 11 ألف عون في شركات البستنة يتقاضون أجورا وهم نائمون ولا...
المزيد >>
أولا وأخيرا:الفسفـــــاط والسفسطــــــــة
21 فيفري 2018 السّاعة 21:00
أكيد اننا سنقترض من الخارج كالعادة لخلاص أجور ومنح وامتيازات وابتزازات الاطارات والأعوان العاملين في...
المزيد >>
بكل موضوعيّة:جدية الرّهان على الثقافة العالمة
21 فيفري 2018 السّاعة 21:00
نعتقد أن التفكير في واقع الممارسات الثّقافية في مجتمعاتنا من المسائل المهمة باعتبار أنّها تمكننا من تحصين...
المزيد >>
مقدمات للمطر:محو الأمية وتعليم الكبار:خصــوصيــات النمــوذج التـونسـي فــــي المنطقــــة العـربيــــة
21 فيفري 2018 السّاعة 21:00
لقد حظيت مسألة التعليم بمكانة هامة في تاريخ تونس عبر الحضارات التي تعاقبت عليها من قرطاج إلى الرومان إلى...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
فاطمة بن عبد الله الكرّاي
إلى من يهمّهم الأمر: ارفعوا... أيديكم عن تونس !
بات واضحا اليوم، أن تونس مستهدفة من هنا وهناك، من الداخل قبل الخارج، في مؤسسة الدولة فيها...
المزيد >>