محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور .. لا تحاسدوا ولا تباغضوا ( 5 )
النوري الصل
...«الانتحار الجماعي»!
«لا توجد دولة تتحمل إنتاج جيل كامل دون تعليم جيد، فهذا الجيل سيدمّر الدولة داخليّاً لتتفتّت وتفقد وجودها».
المزيد >>
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور .. لا تحاسدوا ولا تباغضوا ( 5 )
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 23 مارس 2018

جاءت الوصايا النبوية الحكيمة لحماية الوحدة الاخوية بين المؤمنين: فان النبي صلى الله عليه وسلم بما فتح له من المعارف الكونية قد ايقن ان فيما يحدث بين الناس ما يدعو الى التنافر بحسب الطبع الحيواني المرفوض في الانسان الذي يبدو عند الشهوة وعند الغضب والذي يدفع به الى ايثار قيامه الانفرادي على القيام الاجتماعي وهو معنى الانانية وان هذا سيتطرق الى الناس من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون فاتجه النبي صلى الله عليه وسلم الى امته بالوصايا الحكيمة يكون من مراقبة من نفسه بصيرة الى اعمالهم فتراقب هل هي جارية على ما يقتضي هذا المعنى من الاخوة الذي جاء به الكتاب والسنة واليست جارية على ذلك . واخذ ينظر الى المعاني التي هي من الاعمال التي قد لا يدرك الناس آثارها في نفوسهم والغايات التي يمكن ان تنتهي اليها من تصديع وحدتهم فنبههم اليها وحذرهم منها بما هو موصوف به صلى الله عليه وسلم من الرحمة بأمته والرأفة عليهم .
ومن ذلك هذا الحديث الذي استهللنا بذكره في حديثنا هذا وهو قوله صلى الله عليه وسلم « لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا « . قفد ابتدأ هذا الحديث بصيغ نهي متعددة متعاقبة هي اربع صيغ جاء اشتقاقها على مثال بناء واحد وهو بناء فعل النهي من صيغة تفاعل يتفاعل التي هي دالة على الامر الذي يقع بالتقابل بين الطرفين واجراها صلى الله عليه وسلم على حكم واحد حتى في الاكتفاء عن احدى التاءين بالاخرى من تاء التفاعل وتاء المضارع فقال صلى الله عليه وسلم « لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا « واتى بهذه الصيغ متعاقبة كذلك متشابهة على نظام واحد في الاشتقاق وعلى اتباع للقريب منها بقريبه حتى يحصل التجانس التام لامور اولها الحرص على العلوق بالاذهان لان ايراد هذه الكلمات على ما هي عليه بما فيها من التجانس وبما انتظمت عليه من الانتظام يكون معينا على علوقها بالاذهان شأن الكلام السلس الرقيق الذي يعلق بالاذهان علوقا اسرع من علوق غيره . وثانيا لان يبرز حسيا المعنى الاعتباري الذي هو متكون بالترابط والتسلسل الذي بين هذه الاخلاق بعضها مع بعض وهي عدم التحاسد وعدم التنافر وعدم التباغض وعدم التدابر .
فكما ان الصيغ جاءت منتظمة متسلسلة فكذلك المعاني هي منتظمة ومتسلسلة بمعنى ان كل نهي من هذه الامور التي نهي عنها هو مرتبط بالامر الاخر الذي نهي عنه لانها تصدر عن دواع واحدة ويتفرع بعضها عن بعض . فنهى صلى الله عليه وسلم عن التحاسد ومعلوم ان التحاسد داء نفسي لانه عبارة عن الم يحصل للنفس الشريرة لرؤية غيرها في نعمة بدون ان يكون ذلك الغير قد اذاها ولا اضر بها وانما يبدو شر النفس واثر النزعة الشيطانية في انها تتألم لرؤية غيرها في خير ولذلك فانها تصبح حريصة على زوال تلك النعمة حتى انها ترتكب لذلك الوسائل الاجرامية ولذلك فان الله تعالى لقننا ان نستعيذ من شر الحاسدين فقال تعالى: ﴿ومن شر حاسد اذا حسد ﴾.
واما التناجش فانما هو تفاعل من النجش بالنون والجيم والشين والنجش انما هو عبارة عن الزيادة في السلعة عند النداء عليها لا على الحقيقة لرغبة فيها او ليشتريها ولكن ليشط على الذي يريد ان يشتريها ليرفع ثمنها بطريقة التحيل وهذا لا يخفى انه امر مبني على التحيل ومبني على الاضرار بالغير بدون منفعة للذي تولى ذلك العمل فهو من السلوك المبني على البغضاء والمبني على الكيد والمبني على الحسد لان الذي يتولى هذا العمل الشنيع انما يكون حافزا لغيره على تحصيله على تلك البضاعة بالثمن الذي يحصل عليها به فيريد ان يحمله على ان لا يحصل عليها ابدا لعجزه او ان لا يحصل عليها الا بثمن باهض مجحف به ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا العمل مظهرا من مظاهر الاخلال بالاخوة مثل التحاسد واتى به بعد التحاسد منسجما معه في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تحاسدوا ولا تناجشوا» اشارة بالتناسب اللفظي الى التناسب المعنوي الذي بين هذين العملين الناقصين الجائرين ثم نهى صلى الله عليه وسلم عن التباغض ، والتباغض هو اسم فاعل من البغض الذي هو من بغض يبغض بمعنى كره الشيء ولم يرق له اصل وجوده وتمنى ان لا يراه ولذلك يعبر عن انصراف الانسان على الانسان وعدم ميل الطبع الى الطبع بالبغضاء ويقال ان فلانا بغيض لفلان بمعنى انه لا يحبه لانه قد تكون لديه طبع يكره ذلك الشخص من حيث وجوده .
اما التدابر فقد بينه مالك رضي الله عنه في الموطأ بانه عبارة عن اعراض عن اخيك المسلم فتدبر عنه بوجهك وهذا فيه من الاذى وفيه من بطلان التعاون لان الناس اذا اقبل بعضهم على بعض ونظر بعضهم الى بعض وساروا في طريق واحدة استطاعوا ان يتعاونوا وان ينتجوا الخير بتعاونهم فاذا تدابروا ولى كل واحد منهم ظهره للاخر ولم يقبل عليه فانهم قد تفرقوا وتباغضوا ولاجل ذلك فان التدابر الذي جاء بعد التباغض هو اثر من اثاره كما ان التناجش الذي جاء بعد التحاسد هو اثر من اثاره ايضا .
يتبع

ملف الأسبوع .. لا إسلام لمن لا خلق له
20 أفريل 2018 السّاعة 21:00
الأخلاق في الإسلام هي المبادئ والقواعد المنظمة للسلوك الإنساني وهي مجموعة القيم الجالبة للخير والطاردةً...
المزيد >>
دور الاخلاق في صلاح الفرد والمجتمع
20 أفريل 2018 السّاعة 21:00
كثيرا ما سيمع الناس في الفضاءات العمومية او
المزيد >>
انعدام الأخلاق يؤدي الى الإفلاس الروحي..
20 أفريل 2018 السّاعة 21:00
يمكن أن نصف هذا العصر بعصر الازدهار الإقتصادي وتكدس
المزيد >>
خطبة الجمعة.. احفظوا الله يحفظكم
20 أفريل 2018 السّاعة 21:00
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قَالَ: (كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور .. لا تحاسدوا ولا تباغضوا ( 5 )
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 23 مارس 2018

جاءت الوصايا النبوية الحكيمة لحماية الوحدة الاخوية بين المؤمنين: فان النبي صلى الله عليه وسلم بما فتح له من المعارف الكونية قد ايقن ان فيما يحدث بين الناس ما يدعو الى التنافر بحسب الطبع الحيواني المرفوض في الانسان الذي يبدو عند الشهوة وعند الغضب والذي يدفع به الى ايثار قيامه الانفرادي على القيام الاجتماعي وهو معنى الانانية وان هذا سيتطرق الى الناس من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون فاتجه النبي صلى الله عليه وسلم الى امته بالوصايا الحكيمة يكون من مراقبة من نفسه بصيرة الى اعمالهم فتراقب هل هي جارية على ما يقتضي هذا المعنى من الاخوة الذي جاء به الكتاب والسنة واليست جارية على ذلك . واخذ ينظر الى المعاني التي هي من الاعمال التي قد لا يدرك الناس آثارها في نفوسهم والغايات التي يمكن ان تنتهي اليها من تصديع وحدتهم فنبههم اليها وحذرهم منها بما هو موصوف به صلى الله عليه وسلم من الرحمة بأمته والرأفة عليهم .
ومن ذلك هذا الحديث الذي استهللنا بذكره في حديثنا هذا وهو قوله صلى الله عليه وسلم « لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا « . قفد ابتدأ هذا الحديث بصيغ نهي متعددة متعاقبة هي اربع صيغ جاء اشتقاقها على مثال بناء واحد وهو بناء فعل النهي من صيغة تفاعل يتفاعل التي هي دالة على الامر الذي يقع بالتقابل بين الطرفين واجراها صلى الله عليه وسلم على حكم واحد حتى في الاكتفاء عن احدى التاءين بالاخرى من تاء التفاعل وتاء المضارع فقال صلى الله عليه وسلم « لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا « واتى بهذه الصيغ متعاقبة كذلك متشابهة على نظام واحد في الاشتقاق وعلى اتباع للقريب منها بقريبه حتى يحصل التجانس التام لامور اولها الحرص على العلوق بالاذهان لان ايراد هذه الكلمات على ما هي عليه بما فيها من التجانس وبما انتظمت عليه من الانتظام يكون معينا على علوقها بالاذهان شأن الكلام السلس الرقيق الذي يعلق بالاذهان علوقا اسرع من علوق غيره . وثانيا لان يبرز حسيا المعنى الاعتباري الذي هو متكون بالترابط والتسلسل الذي بين هذه الاخلاق بعضها مع بعض وهي عدم التحاسد وعدم التنافر وعدم التباغض وعدم التدابر .
فكما ان الصيغ جاءت منتظمة متسلسلة فكذلك المعاني هي منتظمة ومتسلسلة بمعنى ان كل نهي من هذه الامور التي نهي عنها هو مرتبط بالامر الاخر الذي نهي عنه لانها تصدر عن دواع واحدة ويتفرع بعضها عن بعض . فنهى صلى الله عليه وسلم عن التحاسد ومعلوم ان التحاسد داء نفسي لانه عبارة عن الم يحصل للنفس الشريرة لرؤية غيرها في نعمة بدون ان يكون ذلك الغير قد اذاها ولا اضر بها وانما يبدو شر النفس واثر النزعة الشيطانية في انها تتألم لرؤية غيرها في خير ولذلك فانها تصبح حريصة على زوال تلك النعمة حتى انها ترتكب لذلك الوسائل الاجرامية ولذلك فان الله تعالى لقننا ان نستعيذ من شر الحاسدين فقال تعالى: ﴿ومن شر حاسد اذا حسد ﴾.
واما التناجش فانما هو تفاعل من النجش بالنون والجيم والشين والنجش انما هو عبارة عن الزيادة في السلعة عند النداء عليها لا على الحقيقة لرغبة فيها او ليشتريها ولكن ليشط على الذي يريد ان يشتريها ليرفع ثمنها بطريقة التحيل وهذا لا يخفى انه امر مبني على التحيل ومبني على الاضرار بالغير بدون منفعة للذي تولى ذلك العمل فهو من السلوك المبني على البغضاء والمبني على الكيد والمبني على الحسد لان الذي يتولى هذا العمل الشنيع انما يكون حافزا لغيره على تحصيله على تلك البضاعة بالثمن الذي يحصل عليها به فيريد ان يحمله على ان لا يحصل عليها ابدا لعجزه او ان لا يحصل عليها الا بثمن باهض مجحف به ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا العمل مظهرا من مظاهر الاخلال بالاخوة مثل التحاسد واتى به بعد التحاسد منسجما معه في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تحاسدوا ولا تناجشوا» اشارة بالتناسب اللفظي الى التناسب المعنوي الذي بين هذين العملين الناقصين الجائرين ثم نهى صلى الله عليه وسلم عن التباغض ، والتباغض هو اسم فاعل من البغض الذي هو من بغض يبغض بمعنى كره الشيء ولم يرق له اصل وجوده وتمنى ان لا يراه ولذلك يعبر عن انصراف الانسان على الانسان وعدم ميل الطبع الى الطبع بالبغضاء ويقال ان فلانا بغيض لفلان بمعنى انه لا يحبه لانه قد تكون لديه طبع يكره ذلك الشخص من حيث وجوده .
اما التدابر فقد بينه مالك رضي الله عنه في الموطأ بانه عبارة عن اعراض عن اخيك المسلم فتدبر عنه بوجهك وهذا فيه من الاذى وفيه من بطلان التعاون لان الناس اذا اقبل بعضهم على بعض ونظر بعضهم الى بعض وساروا في طريق واحدة استطاعوا ان يتعاونوا وان ينتجوا الخير بتعاونهم فاذا تدابروا ولى كل واحد منهم ظهره للاخر ولم يقبل عليه فانهم قد تفرقوا وتباغضوا ولاجل ذلك فان التدابر الذي جاء بعد التباغض هو اثر من اثاره كما ان التناجش الذي جاء بعد التحاسد هو اثر من اثاره ايضا .
يتبع

ملف الأسبوع .. لا إسلام لمن لا خلق له
20 أفريل 2018 السّاعة 21:00
الأخلاق في الإسلام هي المبادئ والقواعد المنظمة للسلوك الإنساني وهي مجموعة القيم الجالبة للخير والطاردةً...
المزيد >>
دور الاخلاق في صلاح الفرد والمجتمع
20 أفريل 2018 السّاعة 21:00
كثيرا ما سيمع الناس في الفضاءات العمومية او
المزيد >>
انعدام الأخلاق يؤدي الى الإفلاس الروحي..
20 أفريل 2018 السّاعة 21:00
يمكن أن نصف هذا العصر بعصر الازدهار الإقتصادي وتكدس
المزيد >>
خطبة الجمعة.. احفظوا الله يحفظكم
20 أفريل 2018 السّاعة 21:00
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قَالَ: (كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
النوري الصل
...«الانتحار الجماعي»!
«لا توجد دولة تتحمل إنتاج جيل كامل دون تعليم جيد، فهذا الجيل سيدمّر الدولة داخليّاً لتتفتّت وتفقد وجودها».
المزيد >>