بورقيبة المجاهد الأكبر (2 / 2)
النوري الصل
...«الانتحار الجماعي»!
«لا توجد دولة تتحمل إنتاج جيل كامل دون تعليم جيد، فهذا الجيل سيدمّر الدولة داخليّاً لتتفتّت وتفقد وجودها».
المزيد >>
بورقيبة المجاهد الأكبر (2 / 2)
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 26 مارس 2018

عمر عبد الباري
وفيما يلي أنموذج من تحرير بورقيبة باللغة العربية وتبيان لفكره في خدمة الوطن والتضحية من أجله ونكران للذات.
فقد بعث رسالة إلى الدكتور الماطري بتاريخ 1951 سان فرانسيسكو (San Francisco) بالولايات المتحدة الأمريكية التي سافر إليها بدعوة من النقابات الأمريكية جاء فيها:
وإن قضيت نحبي في المعركة القادمة فستكون أنت جاهزا مع كثيرين غيرك لتشهد أني أحببت هذا الشعب التونسي وضحيت في سبيله بكل شيء وخدمته بشجاعة ونزاهة، إني لا أرى ما يخبّئه لي المستقبل، ومهما كان الأمر فسيبقى لي الشعور بأني قمت بواجبي ولا أنتظر جزاء أو أجرا. وقل لنفسك إن الحياة لا تستحق أن يحياها الإنسان إلا بشرط أن يسخرها لقضية وهي تحرير وطنه وأرجو أن تكون الحياة التي عشتها مثالا وعبرة لكل الذين سيأتون من بعدي، وبهذا الشرط ستسترجع تونس طال الزمان أو قصر حريتها وكرامتها وشرفها».
هذا تحرير بورقيبة بالعربية وفيه بيان واضح بما كان يعتمل في نفسه من حبّ لتونس وتسخير حياته لخدمتها صابرا على تحمّل الأذى والمكروه، غير راغب من وراء ذلك في منصب ولا جاه ولا سلطان، بل هو لا يعرف ما يخبّئه له المستقبل أفي كل هذا ولو مقدار ذرة من الدكتاتورية؟
وبعدُ فإن نضال بورقيبة لم يكن قولا وخطابة واتصالا بالمواطنين فقط بل كان عقيدة راسخة وسلوكا مبينا ما أدى إلى قضاء جزء غير يسير من حياته في السجون والمنافي في البحار والجبال والصحارى داخل الوطن وخارجه.
وهذه عينات: ألقي القبض يوم 3 سبتمبر 1934 على بورقيبة ومجموعة من رفاقه في الحزب الجديد وتم إبعادهم إلى الجنوب التونسي.
وفي بداية الحرب العالمية الثانية نقل بورقيبة وجماعته إلى حصن سان نيكولا حيث قضوا أكثر من عامين تحت الأرض وسط الأوساخ وهم ينامون فوق التبن.
ورغم هذه المآسي كان بورقيبة وقتها من أكثر رفاقه إيمانا بانتصار الحلفاء على المحور ولذلك كان ينادي بالوقوف إلى جانب الحلفاء حتى تكون تونس بعد انتهاء الحرب مع المنتصرين.
هذه المواقف تدلّ على حنكة سياسية واستشراف المستقبل وتفسير الأحداث بنظرة المتفحص الخبير.
وهو ما تم فعلا وانتصر الحلفاء وارتدّ جماعة المحور على أعقابهم كما توقع بورقيبة وهو ما جلب إلى بلادنا احترام مواقفها وتأييد سياستها المتبصّرة أدّت في نهاية الأمر إلى اعتراف فرنسا ببورقيبة والتفاف الشعب حوله فقبلت به مفاوضا كفءا واعترفت بعد حين باستقلال تونس ولو جزئيا ثم تاما.
ولم يكتف بورقيبة بالدعوة إلى تأييد الحلفاء رغم أن ألمانيا سيطرت على كثير من مناطق البلاد ما أدى ببعض الزعماء إلى اعتبارها منتصرة لا محال.
بعد رجوعه إلى تونس إثر قضاء خمس سنوات بالمنفى بعد أحداث 9 أفريل 1938 إلى عام 1943 وقد أطلقت سلطات المحور سراحه علّه يدعو إلى مناصرته وهو ما لم يفعله بورقيبة، عاد إلى الاتصال المباشر بالمواطنين وإثارة القضية الوطنية التونسية استعدادا للمواجهة إذا لزم الأمر.
وفي عام 1945 بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها بدأ بورقيبة جولته في العالم للتعريف بالقضية التونسية وجلب الأنصار وتحسيس الرأي العام العالمي بعدالة قضيتنا (منظمة الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية).
أفبعد هذا يشكّ بعضهم في نضالات بورقيبة وفي قيادته للمسيرة الموفقة مع مجموعة من المناضلين ومؤازرة الشعب الذي صدّق بإخلاصه فانخرط في سياسته عن اقتناع سبحان الله الذي أيد بنصره وتوفيقه رجلا نذر حياته لخدمة بلاده وارتقى بها إلى مراتب العزّة والكرامة وتعسا للناكرين والجاحدين.
هذه لمحة عن حياة الزعيم القائد الفذّ الحبيب بورقيبة نضالا طويلا وفكرا نيرا واعيا ومحبّة للشعب متأصلة في الكيان وخدمة زكية لتونس بوّأته جميعها كلها مكانة فضلى في القلوب وربطت بينه وبين شعبه برباط المحبة والإخلاص فكان أن سماه الشعب المجاهد الأكبر.
وعندما ألمّ المرض ببورقيبة وتوغلت فيه الشيخوخة بحيث لم يعد قادرا على تسيير شؤون البلاد خلفه ابن علي ووضعه تحت الإقامة الجبرية وما كان له أن يفعل ببورقيبة هذا الفعل وهو الذي كان وراء توليه السلطة العليا في البلاد.
ومن المؤسف والغريب كذلك ألا يتكلم أحد وخاصة من الدستويين ليقول بأن معاملة بورقيبة بعد وفاته لا يمكن أن تكون بذلك الشكل المهين.
مات بورقيبة ولم تنظّم له جنازة كما كان يرغب فيها وهو مازال على قيد الحياة جنازة تنطلق من دار الحزب بتونس وتمر عبر الطريق الوطنية بكل القرى أين يقع الاستقبال والترحم إلى أن يحل الموكب بالمنستير مسقط رأس الزعيم حيث يوارى التراب هذاما كان يتمناه بورقيبة ولكنه لم يقع!
وتلك الأيام نداولها بين الناس.والحمد لله أن الإرث البورقيبي لا ولن يندثر وسيبقى راسخا ما دامت الحياة.

خاربة من بابها الى محرابها الى نوّابها (2/2)
16 أفريل 2018 السّاعة 21:00
قضية هيئة الحقيقة والكرامة فضحت النوايا وعرّت الخفايا وكشفت المستور وبيّنت حقيقة الأمور، كما فضحت التوافق...
المزيد >>
سوريا للسنة السابعة على التوالي:ما الذي تغير؟ (2/2)
16 أفريل 2018 السّاعة 21:00
وهكذا سقطت كل مؤامرات التحالف ومشغليهم من المجاميع الإرهابية، الذين مازالوا يلقون كل الدعم والحماية رغم...
المزيد >>
نصيحة الى «زعماء» وروابط «حماية الفوضى»:هل هذه الديمقراطية التي تدّعون وعنها تدافعون ؟
16 أفريل 2018 السّاعة 21:00
تعوّد المجتمع التونسي منذ عقود على سماع شعارات وخطب رنّانة من طرف تيارات تصف نفسها بـ«التقدمية» او...
المزيد >>
أمامه البحر وخلفه "القوس الشمالي": كيان العدو في أي عدوان على سوريا
12 أفريل 2018 السّاعة 20:33
الشروق اون لاين – محمد الطاهر: كتب الاستاذ بالجامعة التونسية والمنسق العلمي لشبكة باب المغاربة للدراسات...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
بورقيبة المجاهد الأكبر (2 / 2)
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 26 مارس 2018

عمر عبد الباري
وفيما يلي أنموذج من تحرير بورقيبة باللغة العربية وتبيان لفكره في خدمة الوطن والتضحية من أجله ونكران للذات.
فقد بعث رسالة إلى الدكتور الماطري بتاريخ 1951 سان فرانسيسكو (San Francisco) بالولايات المتحدة الأمريكية التي سافر إليها بدعوة من النقابات الأمريكية جاء فيها:
وإن قضيت نحبي في المعركة القادمة فستكون أنت جاهزا مع كثيرين غيرك لتشهد أني أحببت هذا الشعب التونسي وضحيت في سبيله بكل شيء وخدمته بشجاعة ونزاهة، إني لا أرى ما يخبّئه لي المستقبل، ومهما كان الأمر فسيبقى لي الشعور بأني قمت بواجبي ولا أنتظر جزاء أو أجرا. وقل لنفسك إن الحياة لا تستحق أن يحياها الإنسان إلا بشرط أن يسخرها لقضية وهي تحرير وطنه وأرجو أن تكون الحياة التي عشتها مثالا وعبرة لكل الذين سيأتون من بعدي، وبهذا الشرط ستسترجع تونس طال الزمان أو قصر حريتها وكرامتها وشرفها».
هذا تحرير بورقيبة بالعربية وفيه بيان واضح بما كان يعتمل في نفسه من حبّ لتونس وتسخير حياته لخدمتها صابرا على تحمّل الأذى والمكروه، غير راغب من وراء ذلك في منصب ولا جاه ولا سلطان، بل هو لا يعرف ما يخبّئه له المستقبل أفي كل هذا ولو مقدار ذرة من الدكتاتورية؟
وبعدُ فإن نضال بورقيبة لم يكن قولا وخطابة واتصالا بالمواطنين فقط بل كان عقيدة راسخة وسلوكا مبينا ما أدى إلى قضاء جزء غير يسير من حياته في السجون والمنافي في البحار والجبال والصحارى داخل الوطن وخارجه.
وهذه عينات: ألقي القبض يوم 3 سبتمبر 1934 على بورقيبة ومجموعة من رفاقه في الحزب الجديد وتم إبعادهم إلى الجنوب التونسي.
وفي بداية الحرب العالمية الثانية نقل بورقيبة وجماعته إلى حصن سان نيكولا حيث قضوا أكثر من عامين تحت الأرض وسط الأوساخ وهم ينامون فوق التبن.
ورغم هذه المآسي كان بورقيبة وقتها من أكثر رفاقه إيمانا بانتصار الحلفاء على المحور ولذلك كان ينادي بالوقوف إلى جانب الحلفاء حتى تكون تونس بعد انتهاء الحرب مع المنتصرين.
هذه المواقف تدلّ على حنكة سياسية واستشراف المستقبل وتفسير الأحداث بنظرة المتفحص الخبير.
وهو ما تم فعلا وانتصر الحلفاء وارتدّ جماعة المحور على أعقابهم كما توقع بورقيبة وهو ما جلب إلى بلادنا احترام مواقفها وتأييد سياستها المتبصّرة أدّت في نهاية الأمر إلى اعتراف فرنسا ببورقيبة والتفاف الشعب حوله فقبلت به مفاوضا كفءا واعترفت بعد حين باستقلال تونس ولو جزئيا ثم تاما.
ولم يكتف بورقيبة بالدعوة إلى تأييد الحلفاء رغم أن ألمانيا سيطرت على كثير من مناطق البلاد ما أدى ببعض الزعماء إلى اعتبارها منتصرة لا محال.
بعد رجوعه إلى تونس إثر قضاء خمس سنوات بالمنفى بعد أحداث 9 أفريل 1938 إلى عام 1943 وقد أطلقت سلطات المحور سراحه علّه يدعو إلى مناصرته وهو ما لم يفعله بورقيبة، عاد إلى الاتصال المباشر بالمواطنين وإثارة القضية الوطنية التونسية استعدادا للمواجهة إذا لزم الأمر.
وفي عام 1945 بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها بدأ بورقيبة جولته في العالم للتعريف بالقضية التونسية وجلب الأنصار وتحسيس الرأي العام العالمي بعدالة قضيتنا (منظمة الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية).
أفبعد هذا يشكّ بعضهم في نضالات بورقيبة وفي قيادته للمسيرة الموفقة مع مجموعة من المناضلين ومؤازرة الشعب الذي صدّق بإخلاصه فانخرط في سياسته عن اقتناع سبحان الله الذي أيد بنصره وتوفيقه رجلا نذر حياته لخدمة بلاده وارتقى بها إلى مراتب العزّة والكرامة وتعسا للناكرين والجاحدين.
هذه لمحة عن حياة الزعيم القائد الفذّ الحبيب بورقيبة نضالا طويلا وفكرا نيرا واعيا ومحبّة للشعب متأصلة في الكيان وخدمة زكية لتونس بوّأته جميعها كلها مكانة فضلى في القلوب وربطت بينه وبين شعبه برباط المحبة والإخلاص فكان أن سماه الشعب المجاهد الأكبر.
وعندما ألمّ المرض ببورقيبة وتوغلت فيه الشيخوخة بحيث لم يعد قادرا على تسيير شؤون البلاد خلفه ابن علي ووضعه تحت الإقامة الجبرية وما كان له أن يفعل ببورقيبة هذا الفعل وهو الذي كان وراء توليه السلطة العليا في البلاد.
ومن المؤسف والغريب كذلك ألا يتكلم أحد وخاصة من الدستويين ليقول بأن معاملة بورقيبة بعد وفاته لا يمكن أن تكون بذلك الشكل المهين.
مات بورقيبة ولم تنظّم له جنازة كما كان يرغب فيها وهو مازال على قيد الحياة جنازة تنطلق من دار الحزب بتونس وتمر عبر الطريق الوطنية بكل القرى أين يقع الاستقبال والترحم إلى أن يحل الموكب بالمنستير مسقط رأس الزعيم حيث يوارى التراب هذاما كان يتمناه بورقيبة ولكنه لم يقع!
وتلك الأيام نداولها بين الناس.والحمد لله أن الإرث البورقيبي لا ولن يندثر وسيبقى راسخا ما دامت الحياة.

خاربة من بابها الى محرابها الى نوّابها (2/2)
16 أفريل 2018 السّاعة 21:00
قضية هيئة الحقيقة والكرامة فضحت النوايا وعرّت الخفايا وكشفت المستور وبيّنت حقيقة الأمور، كما فضحت التوافق...
المزيد >>
سوريا للسنة السابعة على التوالي:ما الذي تغير؟ (2/2)
16 أفريل 2018 السّاعة 21:00
وهكذا سقطت كل مؤامرات التحالف ومشغليهم من المجاميع الإرهابية، الذين مازالوا يلقون كل الدعم والحماية رغم...
المزيد >>
نصيحة الى «زعماء» وروابط «حماية الفوضى»:هل هذه الديمقراطية التي تدّعون وعنها تدافعون ؟
16 أفريل 2018 السّاعة 21:00
تعوّد المجتمع التونسي منذ عقود على سماع شعارات وخطب رنّانة من طرف تيارات تصف نفسها بـ«التقدمية» او...
المزيد >>
أمامه البحر وخلفه "القوس الشمالي": كيان العدو في أي عدوان على سوريا
12 أفريل 2018 السّاعة 20:33
الشروق اون لاين – محمد الطاهر: كتب الاستاذ بالجامعة التونسية والمنسق العلمي لشبكة باب المغاربة للدراسات...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
النوري الصل
...«الانتحار الجماعي»!
«لا توجد دولة تتحمل إنتاج جيل كامل دون تعليم جيد، فهذا الجيل سيدمّر الدولة داخليّاً لتتفتّت وتفقد وجودها».
المزيد >>