محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور.. لا تحاســـــــدوا ولا تباغضوا ( 6 )
النوري الصل
...«الانتحار الجماعي»!
«لا توجد دولة تتحمل إنتاج جيل كامل دون تعليم جيد، فهذا الجيل سيدمّر الدولة داخليّاً لتتفتّت وتفقد وجودها».
المزيد >>
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور.. لا تحاســـــــدوا ولا تباغضوا ( 6 )
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 30 مارس 2018

قال صلى الله عليه وسلم «ولا يبع بعضكم على بيع بعض» ومعنى «على» هذا الزيادة على البيع بمعنى ابرام بيع ثان بعد انعقاد البيع الاول.

وهذا أمر يرجع الى الاخلال بما هو واجب بين المسلمين بعضهم مع بعض من معنى التسامح وطيب النفس وترك المزاحمة وترك المنافسة ولذلك ورد في الحديث الاخر عن ابي هريرة رضي الله عنه ايضا صيغة «ولا تنافسوا» فان معنى لا يبع بعضكم على بيع بعض راجع الى معنى «ولا تنافسوا» ومعنى «بيع البعض على بيع البعض» ان الانسان بعد ان يبيع لاخيه شيئا ياتي اخ اخر من المسلمين فيحاول ان يشتري نفس ذلك الشيء ويحمله على ان يرجع في العقدة التي عقدها لاجل ان يبيع له تلك البيعة من جديد وهذا امر فيه من الغش والغدر والحرص على الانانية والاستئثار ما لا ينبغي ان يكون بين اخوين ولذلك فان النبي صلى الله عليه وسلم كما نهى في هذا الحديث عن ان يبيع بعضنا على بيع بعض نهى في هذا الحديث الاخر ايضا ان يخطب احدنا على خطبة اخيه وذلك في خطبة الزواج بمعنى ان الشخص اذا ركن الى زوجة واتفق معها او مع ذويها على ان يتزوج بها فان ذلك يجعل خطبتها من غيره محرمة ولو ينعقد العقد لان مجرد التراكن والاتفاق والرضى والنية على العقد بالركون والتراضي يجعل الذي اتى مؤذيا للذي تراكن التراكن الاول ومنافسا له كأنه يريد ان يختطف شيئا منه لاجل ان يستاثر به هو دونه ولاجل ذلك نهى عن خطبة احد على خطبة اخيه كما نهى عن بيعه او عن صونه على صونه كما في الحديث الاخر.

وبهذا يتبين لنا ان الحديث قد اشتمل على خمسة امور منهي عنها: امران نفسيان وهما التحاسد والتباغض وامران عمليان وهما التناجش والتدابر. وامر مفرد هو امر عملي يعنون عن داء نفسي وهو بيع بعض على بعض. ووقع تنسيق هذه النواهي باتباع كل امر نفسي بامر عملي فقيل لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ثم اتبع ذلك بالنهي عن بيع بعض على بيع بعض لان الامور الاربعة الاولى انما تتحقق بين طرفين فقط فالتحاسد يقتضي حاسدا ومحسودا والتباغض يقتضي باغضا ومبغضا والتناجش يقتضي مزيدا ومزيدا عليه والتدابر بقتضي معرضا ومعرضا عنه.
اما الامر الخامس وهو بيع البعض على بيع البعض فانه يقتضي اشتراك ثلاثة وبذلك يكون فيه معنى من الاذى الزائد لانه اذى مبني على تدبير وتآمر لانه يأتي الى صاحب السلعة المبيعة فيريد ان يحمله على الرجوع في بيعه وبذلك يتعاون هو صاحب السلعة على الاذى بالغير فيكون هذا التعاون تعاونا ذميما كما قال الله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان﴾. ثم قال صلى الله عليه وسلم «وكونوا عباد الله اخوانا» فقوله صلى الله عليه وسلم «عباد الله» يجوز ان يكون نداء متوسطا بين اسم كان وخبرها وكأنه قال كونوا يا عباد الله على تقدير حرف النداء اخوانا ويكون خبر كان قوله اخوانا ويجوز ان يكونوا عباد الله بمعنى ان يوقنوا بهذا وان يسيروا على مقتضاه ثم اتى بكلمة «اخوانا» بدلا من قوله «عباد الله» الذي هو خبر كان وقد اشير بهذا الى ان الشعور بعبودية الله تعالى تقتضي ان يكون الشاعر بها مؤاخيا للذين يشعرون معه نفس ذلك الشعور المسلم اخ المسلم فهذا الاستئناف اريد به تقرير وجه النهي عن ان يسير المسلم مع المسلم على ما نهى عنه اولا في قوله صلى الله عليه وسلم «لا تحاسدوا ولا تناجشوا» واريد منه بيان الوجه الذي من اجله امر المسلمين ان يكونوا اخوانا اخوة مستمدة من شعورهم بعبوديتهم لله تعالى فقال صلى الله عليه وسلم «المسلم اخ المسلم» ولذلك فرع من هذا الجملة الموالية وهي قوله صلى الله عليه وسلم «لا يظلمه ولا يخذله» فكان قوله «المسلم اخ المسلم» واقعا بين طرفي الكلام موقعا بديعا لانه جاء مجيء التأكيد والتعليل للكلام الاول كأنه قيل لماذا لا نتحاسد ولا نتناجش ولا نتباغض ولا يزيد بعضنا على بعض او لا يبيع بعضنا على بيع بعض فنبه ان ذلك لاننا اخوة ولان اخوتنا من يقيننا بعبوديتنا لله تعالى فاذا ايقنا بذلك لزم ان نمتنع عن هذه الاعمال فكان تعليلا لاحقا للكلام السابق ثم كان واقعا موقع التقديم والتمهيد للكلام اللاحق وهو قوله صلى الله عليه وسلم « لا يظلمه ولا يخذله « فان النبي صلى الله عليه وسلم اخبر خبرا ايلا الى معنى النهي من باب استعمال الخبر في معنى الانشاء فقال ان المسلم لما كان اخا للمسلم فانه ينبغي ان يكون على هذه الكيفية يعني ان يكون مخبرا عنه بانه لا يظلمه والظلم هو ما يناسي العدل. ولذلك فان المسلم لما كان اخا للمسلم يجب عليه بمقتضى كونه اخا له في عبوديته لله تعالى ان يسير معه على نظام العدل واذا اخل بالاخوة فانه يوشك ان يخل بالاسلام لان الاخوة اتية من الاسلام. المسلم اخ المسلم لا يظلمه ولا يخذله فاذا ظلمه فليس باخيه واذا اصبح معاملا على انه ليس باخيه فقد اصبح ذلك ايلا الى انه يريد ان ينسلخ عن الرابطة الاسلامية لانه لو ايقن برابطة الاسلام لاعتبر ان اخوة المسلم تمنعه من الظلم وتمنعه من الخذلان.
يتبع

ملف الأسبوع .. لا إسلام لمن لا خلق له
20 أفريل 2018 السّاعة 21:00
الأخلاق في الإسلام هي المبادئ والقواعد المنظمة للسلوك الإنساني وهي مجموعة القيم الجالبة للخير والطاردةً...
المزيد >>
دور الاخلاق في صلاح الفرد والمجتمع
20 أفريل 2018 السّاعة 21:00
كثيرا ما سيمع الناس في الفضاءات العمومية او
المزيد >>
انعدام الأخلاق يؤدي الى الإفلاس الروحي..
20 أفريل 2018 السّاعة 21:00
يمكن أن نصف هذا العصر بعصر الازدهار الإقتصادي وتكدس
المزيد >>
خطبة الجمعة.. احفظوا الله يحفظكم
20 أفريل 2018 السّاعة 21:00
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قَالَ: (كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور.. لا تحاســـــــدوا ولا تباغضوا ( 6 )
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 30 مارس 2018

قال صلى الله عليه وسلم «ولا يبع بعضكم على بيع بعض» ومعنى «على» هذا الزيادة على البيع بمعنى ابرام بيع ثان بعد انعقاد البيع الاول.

وهذا أمر يرجع الى الاخلال بما هو واجب بين المسلمين بعضهم مع بعض من معنى التسامح وطيب النفس وترك المزاحمة وترك المنافسة ولذلك ورد في الحديث الاخر عن ابي هريرة رضي الله عنه ايضا صيغة «ولا تنافسوا» فان معنى لا يبع بعضكم على بيع بعض راجع الى معنى «ولا تنافسوا» ومعنى «بيع البعض على بيع البعض» ان الانسان بعد ان يبيع لاخيه شيئا ياتي اخ اخر من المسلمين فيحاول ان يشتري نفس ذلك الشيء ويحمله على ان يرجع في العقدة التي عقدها لاجل ان يبيع له تلك البيعة من جديد وهذا امر فيه من الغش والغدر والحرص على الانانية والاستئثار ما لا ينبغي ان يكون بين اخوين ولذلك فان النبي صلى الله عليه وسلم كما نهى في هذا الحديث عن ان يبيع بعضنا على بيع بعض نهى في هذا الحديث الاخر ايضا ان يخطب احدنا على خطبة اخيه وذلك في خطبة الزواج بمعنى ان الشخص اذا ركن الى زوجة واتفق معها او مع ذويها على ان يتزوج بها فان ذلك يجعل خطبتها من غيره محرمة ولو ينعقد العقد لان مجرد التراكن والاتفاق والرضى والنية على العقد بالركون والتراضي يجعل الذي اتى مؤذيا للذي تراكن التراكن الاول ومنافسا له كأنه يريد ان يختطف شيئا منه لاجل ان يستاثر به هو دونه ولاجل ذلك نهى عن خطبة احد على خطبة اخيه كما نهى عن بيعه او عن صونه على صونه كما في الحديث الاخر.

وبهذا يتبين لنا ان الحديث قد اشتمل على خمسة امور منهي عنها: امران نفسيان وهما التحاسد والتباغض وامران عمليان وهما التناجش والتدابر. وامر مفرد هو امر عملي يعنون عن داء نفسي وهو بيع بعض على بعض. ووقع تنسيق هذه النواهي باتباع كل امر نفسي بامر عملي فقيل لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ثم اتبع ذلك بالنهي عن بيع بعض على بيع بعض لان الامور الاربعة الاولى انما تتحقق بين طرفين فقط فالتحاسد يقتضي حاسدا ومحسودا والتباغض يقتضي باغضا ومبغضا والتناجش يقتضي مزيدا ومزيدا عليه والتدابر بقتضي معرضا ومعرضا عنه.
اما الامر الخامس وهو بيع البعض على بيع البعض فانه يقتضي اشتراك ثلاثة وبذلك يكون فيه معنى من الاذى الزائد لانه اذى مبني على تدبير وتآمر لانه يأتي الى صاحب السلعة المبيعة فيريد ان يحمله على الرجوع في بيعه وبذلك يتعاون هو صاحب السلعة على الاذى بالغير فيكون هذا التعاون تعاونا ذميما كما قال الله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان﴾. ثم قال صلى الله عليه وسلم «وكونوا عباد الله اخوانا» فقوله صلى الله عليه وسلم «عباد الله» يجوز ان يكون نداء متوسطا بين اسم كان وخبرها وكأنه قال كونوا يا عباد الله على تقدير حرف النداء اخوانا ويكون خبر كان قوله اخوانا ويجوز ان يكونوا عباد الله بمعنى ان يوقنوا بهذا وان يسيروا على مقتضاه ثم اتى بكلمة «اخوانا» بدلا من قوله «عباد الله» الذي هو خبر كان وقد اشير بهذا الى ان الشعور بعبودية الله تعالى تقتضي ان يكون الشاعر بها مؤاخيا للذين يشعرون معه نفس ذلك الشعور المسلم اخ المسلم فهذا الاستئناف اريد به تقرير وجه النهي عن ان يسير المسلم مع المسلم على ما نهى عنه اولا في قوله صلى الله عليه وسلم «لا تحاسدوا ولا تناجشوا» واريد منه بيان الوجه الذي من اجله امر المسلمين ان يكونوا اخوانا اخوة مستمدة من شعورهم بعبوديتهم لله تعالى فقال صلى الله عليه وسلم «المسلم اخ المسلم» ولذلك فرع من هذا الجملة الموالية وهي قوله صلى الله عليه وسلم «لا يظلمه ولا يخذله» فكان قوله «المسلم اخ المسلم» واقعا بين طرفي الكلام موقعا بديعا لانه جاء مجيء التأكيد والتعليل للكلام الاول كأنه قيل لماذا لا نتحاسد ولا نتناجش ولا نتباغض ولا يزيد بعضنا على بعض او لا يبيع بعضنا على بيع بعض فنبه ان ذلك لاننا اخوة ولان اخوتنا من يقيننا بعبوديتنا لله تعالى فاذا ايقنا بذلك لزم ان نمتنع عن هذه الاعمال فكان تعليلا لاحقا للكلام السابق ثم كان واقعا موقع التقديم والتمهيد للكلام اللاحق وهو قوله صلى الله عليه وسلم « لا يظلمه ولا يخذله « فان النبي صلى الله عليه وسلم اخبر خبرا ايلا الى معنى النهي من باب استعمال الخبر في معنى الانشاء فقال ان المسلم لما كان اخا للمسلم فانه ينبغي ان يكون على هذه الكيفية يعني ان يكون مخبرا عنه بانه لا يظلمه والظلم هو ما يناسي العدل. ولذلك فان المسلم لما كان اخا للمسلم يجب عليه بمقتضى كونه اخا له في عبوديته لله تعالى ان يسير معه على نظام العدل واذا اخل بالاخوة فانه يوشك ان يخل بالاسلام لان الاخوة اتية من الاسلام. المسلم اخ المسلم لا يظلمه ولا يخذله فاذا ظلمه فليس باخيه واذا اصبح معاملا على انه ليس باخيه فقد اصبح ذلك ايلا الى انه يريد ان ينسلخ عن الرابطة الاسلامية لانه لو ايقن برابطة الاسلام لاعتبر ان اخوة المسلم تمنعه من الظلم وتمنعه من الخذلان.
يتبع

ملف الأسبوع .. لا إسلام لمن لا خلق له
20 أفريل 2018 السّاعة 21:00
الأخلاق في الإسلام هي المبادئ والقواعد المنظمة للسلوك الإنساني وهي مجموعة القيم الجالبة للخير والطاردةً...
المزيد >>
دور الاخلاق في صلاح الفرد والمجتمع
20 أفريل 2018 السّاعة 21:00
كثيرا ما سيمع الناس في الفضاءات العمومية او
المزيد >>
انعدام الأخلاق يؤدي الى الإفلاس الروحي..
20 أفريل 2018 السّاعة 21:00
يمكن أن نصف هذا العصر بعصر الازدهار الإقتصادي وتكدس
المزيد >>
خطبة الجمعة.. احفظوا الله يحفظكم
20 أفريل 2018 السّاعة 21:00
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قَالَ: (كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
النوري الصل
...«الانتحار الجماعي»!
«لا توجد دولة تتحمل إنتاج جيل كامل دون تعليم جيد، فهذا الجيل سيدمّر الدولة داخليّاً لتتفتّت وتفقد وجودها».
المزيد >>