إشراقات:نسمة كافيّــــة
النوري الصل
...«الانتحار الجماعي»!
«لا توجد دولة تتحمل إنتاج جيل كامل دون تعليم جيد، فهذا الجيل سيدمّر الدولة داخليّاً لتتفتّت وتفقد وجودها».
المزيد >>
إشراقات:نسمة كافيّــــة
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 10 أفريل 2018

قضيت من حياتي المهنيّة ثلاث سنوات في الكاف مرّت كثلاثة أيّام خفيفة خفّة روح من عرفت وخالطت. وأكثر الناس هناك، في تلك الجهة الحدوديّة المهمّشة يجعلون من الهمّ إبداعا مضحكا و لا يبالون بشيء و لا يطمعون لا في الحكومة ولا في مجلس النوّاب، عملا بشعارهم « بوزيد مكسي ، بوزيد عريان». فمن يأسهم تولّدت السخرية فتحوّلت شكواهم إلى فكاهة و غرائبهم إلى نوادر. فهم لا يبكون بل يضحكون، وعلى الأقلّ يبتسمون إلاّ على الميت الذي ربّما كشفوا الكفن عن وجهه فوجدوه مبتسما فرحا بالخلاص من الحياة الضنكى، مسرورا بلقاء ربّه الرحيم النوّاب.
رحم الله أحدهم، قال لي : « إن كنت تعود إلى بلدتك الطيّبة شوقا إلى الصومعة البديعة فلنا هنا بئر معطّلة عميقة بقدر طول صومعتكم، لعلّ في جلبها متعة لك بالنظر إليها كلّ يوم وراحة لي من التنقّل اليومي لمتابعة ترميمها ». فكأنّه قال لي : « لا تتغيّب عنّا لزيارة بلدتك مهما كان السبب لأنّنا نريد أن نراك كلّ يوم وقد صرت منّا «. وكان حدّثني من قبل كيف كان مع الأطفال يطلّ على البئر المهجورة ملقيا بصوته: « بو قليلات « منتظرا عودة الصدى كجواب الجنّي الساكن في القاع منسوبا إلى جمع «قليلة» تصغيرا لـ»قلّة» أي جرّة .
مثل هذا الأسلوب الذكيّ المرح ينسب إلى الإيطاليين، والحقّ أنّه متوسّطيّ شامل للشرق عبر مصر، وعريق في الأدب العربي. يذكّرني بـ «بخلاء» الجاحظ و»مقامات» الهمذاني و»يوميّات نائب في الأرياف» لتوفيق الحكيم وروايات نجيب محفوظ الواقعيّة كما يذكّرني بأقاصيص الدوعاجي وأغاني صالح الخميسي.
ولكن ، أين نحن اليوم من ذلك النقد « الضامر» عدا ما يعاد من الماريشال عمّار والحاج كلوف وحمّة الجريدي إلى الأمين النهدي ونسيبتي العزيزة وشوفلي حلّ ؟ لاشيء من تلك الروح التونسيّة مستثمر اليوم ، لا في الأغنية الفكاهيّة - رحمها الله- ولا في الأدب، ولا حتّى في الكاريكاتور ممّا كانت تزخر به الصحف والمجلاّت منذ ثلاثينيات القرن الماضي إلى حوالي سنة الاستقلال وممّا كانت تطربنا به الإذاعة لساعة ننسى فيها الهموم مؤقّتا . وما أكثر همومنا اليوم أيضا ! بل ما أحوجنا إلى ضحكة أو على الأقلّ ابتسامة، كذلك الميت المبتسم أو كتلك العجوزة التي يحملها الوادي الفائض على كوم تبن مستبشرة بقولها « العام صابة»؟ ألا نستمدّ من تلك الحكيمة أملا في ما هو أحسن فنعزّي أنفسنا ونخفّض درجة التوتّر والعنف وما يليهما من المضارّ والمشاكل التي بلغت أحيانا حدّ الانتحار أو الانفجار ، هنا أو هناك ، في البرّ أو في البحر؟

أحمد الحمروني
وخزة
20 أفريل 2018 السّاعة 21:00
قصدت صندوق التأمين على المرض لتجديد دفتر العلاج ولحسن الحظ لم يكن المكان مزدحما بالحرفاء، اقتطعت تذكرة...
المزيد >>
أولا وأخيرا:
20 أفريل 2018 السّاعة 21:00
أوّاه يا أمّاه ما أقلّ حياؤهم وما أكثر خزي التاريخ لهم ولعنة الأوطان عليهم من تونس الى الشام تلك التي بعثت...
المزيد >>
وخزة
19 أفريل 2018 السّاعة 21:00
«غدا يموت الكبار وينسى الصغار» قالتها غولدا مائير في ماي 1948، لكن ذلك الحلم لم يتحقق رغم النكسات وخذلان...
المزيد >>
بالحبر السياسي :المأزق والرجّة اللازمة
19 أفريل 2018 السّاعة 21:00
باتت كرة الثلج تكبُر من يوم إلى آخر ملقية بالكثير من الغموض والضبابيّة على الحياة الوطنية إلى الدرجة التي...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
إشراقات:نسمة كافيّــــة
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 10 أفريل 2018

قضيت من حياتي المهنيّة ثلاث سنوات في الكاف مرّت كثلاثة أيّام خفيفة خفّة روح من عرفت وخالطت. وأكثر الناس هناك، في تلك الجهة الحدوديّة المهمّشة يجعلون من الهمّ إبداعا مضحكا و لا يبالون بشيء و لا يطمعون لا في الحكومة ولا في مجلس النوّاب، عملا بشعارهم « بوزيد مكسي ، بوزيد عريان». فمن يأسهم تولّدت السخرية فتحوّلت شكواهم إلى فكاهة و غرائبهم إلى نوادر. فهم لا يبكون بل يضحكون، وعلى الأقلّ يبتسمون إلاّ على الميت الذي ربّما كشفوا الكفن عن وجهه فوجدوه مبتسما فرحا بالخلاص من الحياة الضنكى، مسرورا بلقاء ربّه الرحيم النوّاب.
رحم الله أحدهم، قال لي : « إن كنت تعود إلى بلدتك الطيّبة شوقا إلى الصومعة البديعة فلنا هنا بئر معطّلة عميقة بقدر طول صومعتكم، لعلّ في جلبها متعة لك بالنظر إليها كلّ يوم وراحة لي من التنقّل اليومي لمتابعة ترميمها ». فكأنّه قال لي : « لا تتغيّب عنّا لزيارة بلدتك مهما كان السبب لأنّنا نريد أن نراك كلّ يوم وقد صرت منّا «. وكان حدّثني من قبل كيف كان مع الأطفال يطلّ على البئر المهجورة ملقيا بصوته: « بو قليلات « منتظرا عودة الصدى كجواب الجنّي الساكن في القاع منسوبا إلى جمع «قليلة» تصغيرا لـ»قلّة» أي جرّة .
مثل هذا الأسلوب الذكيّ المرح ينسب إلى الإيطاليين، والحقّ أنّه متوسّطيّ شامل للشرق عبر مصر، وعريق في الأدب العربي. يذكّرني بـ «بخلاء» الجاحظ و»مقامات» الهمذاني و»يوميّات نائب في الأرياف» لتوفيق الحكيم وروايات نجيب محفوظ الواقعيّة كما يذكّرني بأقاصيص الدوعاجي وأغاني صالح الخميسي.
ولكن ، أين نحن اليوم من ذلك النقد « الضامر» عدا ما يعاد من الماريشال عمّار والحاج كلوف وحمّة الجريدي إلى الأمين النهدي ونسيبتي العزيزة وشوفلي حلّ ؟ لاشيء من تلك الروح التونسيّة مستثمر اليوم ، لا في الأغنية الفكاهيّة - رحمها الله- ولا في الأدب، ولا حتّى في الكاريكاتور ممّا كانت تزخر به الصحف والمجلاّت منذ ثلاثينيات القرن الماضي إلى حوالي سنة الاستقلال وممّا كانت تطربنا به الإذاعة لساعة ننسى فيها الهموم مؤقّتا . وما أكثر همومنا اليوم أيضا ! بل ما أحوجنا إلى ضحكة أو على الأقلّ ابتسامة، كذلك الميت المبتسم أو كتلك العجوزة التي يحملها الوادي الفائض على كوم تبن مستبشرة بقولها « العام صابة»؟ ألا نستمدّ من تلك الحكيمة أملا في ما هو أحسن فنعزّي أنفسنا ونخفّض درجة التوتّر والعنف وما يليهما من المضارّ والمشاكل التي بلغت أحيانا حدّ الانتحار أو الانفجار ، هنا أو هناك ، في البرّ أو في البحر؟

أحمد الحمروني
وخزة
20 أفريل 2018 السّاعة 21:00
قصدت صندوق التأمين على المرض لتجديد دفتر العلاج ولحسن الحظ لم يكن المكان مزدحما بالحرفاء، اقتطعت تذكرة...
المزيد >>
أولا وأخيرا:
20 أفريل 2018 السّاعة 21:00
أوّاه يا أمّاه ما أقلّ حياؤهم وما أكثر خزي التاريخ لهم ولعنة الأوطان عليهم من تونس الى الشام تلك التي بعثت...
المزيد >>
وخزة
19 أفريل 2018 السّاعة 21:00
«غدا يموت الكبار وينسى الصغار» قالتها غولدا مائير في ماي 1948، لكن ذلك الحلم لم يتحقق رغم النكسات وخذلان...
المزيد >>
بالحبر السياسي :المأزق والرجّة اللازمة
19 أفريل 2018 السّاعة 21:00
باتت كرة الثلج تكبُر من يوم إلى آخر ملقية بالكثير من الغموض والضبابيّة على الحياة الوطنية إلى الدرجة التي...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
النوري الصل
...«الانتحار الجماعي»!
«لا توجد دولة تتحمل إنتاج جيل كامل دون تعليم جيد، فهذا الجيل سيدمّر الدولة داخليّاً لتتفتّت وتفقد وجودها».
المزيد >>