محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور.. موقف الدين من العلم والاخلاق ( 1 )
النوري الصل
...«الانتحار الجماعي»!
«لا توجد دولة تتحمل إنتاج جيل كامل دون تعليم جيد، فهذا الجيل سيدمّر الدولة داخليّاً لتتفتّت وتفقد وجودها».
المزيد >>
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور.. موقف الدين من العلم والاخلاق ( 1 )
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 13 أفريل 2018

جعلنا عنوان هذا المحاضرة هكذا : « الدين « ولم نقل الاديان بصفة عامة ولم نخصص دين الاسلام بصورة واضحة في التخصيص وذلك لاننا لا نعتبر الدين الا واحدا غير مجتزئ ولا نعتبر اختلاف الاديان الا نتيجة عوارض طرأت على الجوهر الموحد الذي هو النور الالهي المشع ما كان ينبغي له ان يتعدد بمختلف . ولقد جاء الاسلام بهذه الدعوة وينادي بالناس الى توحيد منهجهم الديني الاعتقادي . فكلمة القران العظيم جاءت بقوله تعالى : « قولوا امنا بالله وما انزل الينا وما انزل الى ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط وما اوتي موسى وعيسى وما اوتي النبيئون من ربهم لا نفرق بين احد منهم ونحن له مسلمون « .

وكذلك جاءت كلمة القران تنبه على ان الاديان لم تختلف الا بما مازج بعضها من امور ليست اتية من جوهر الدين فان الحق الديني الاصيل الصميم لا يختلف ولا يمكن ان يختلف وذلك هو الدين القيم المبرأ عن الضلال وعن الباطل .
واذا كان الاختلاف قد وقع بين الناس فانما اختلف الناس بما ادخلوا على الحق من صيغ الباطل التي لابسته والا فانهم لو تمسكوا بالحق وطرحوا زيوف الباطل لما نشأ بينهم الاختلاف لان الحق لا يختلف فيه ولان الباطل لا يتفق عليه ذلك هو الدين القيم .
وقد جاء القران من جهة ثالثة يدعو الى تمحيص هاتين الماهيتين المختلطتين المتداخلتين : ماهية الحق الموحد الذي لا يختلف . وماهية الباطل الذي اختلف فيه الناس وتفرقوا فيه شيعا وقددا فضرب المثل بالسيل الذي يحتمل زبدا رابيا ، ودعا المدركين المتبصرين من اولي الالباب الى ان يؤمنوا بان الزبد يذهب جفاء وان ما ينفع الناس هو الذي يمكث في الارض . وبذلك نادت الدعوة الاسلامية بتجديد المدلول الديني ودعت اهل الاديان قاطبة الى ان يضعوا اديانهم في صعيد التسوية والاتحاد وان يجعلوا المدارك الانسانية الفطرية ، والعقل الانساني السليم المجرد المرجح الذي يرجعون اليه ، وان يجردوا عقائدهم من الاهواء والاباطيل التي مازجتها فكانت حائلة بينهم وبين ادراك الحق باعتبار اختلاطه بما مازجه وما ران عليه من الاباطيل.
وكذلك جاءت دعوة الاسلام تضع العقائد والتقاليد ومقاييس الخير والشر وضعا جديدا يجعلها كلها خاضعة لحكم جديد هو حكم الفطرة الانسانية السليمة والعقل الانساني الصحيح المجرد والادراك الانساني المنزه عن الهوى المعصوم عن الباطل .
فاذا بالعقائد تشتمل على اوثان منصوبة معبودة بغير حق وشركاء اشركهم الناس مع الله في العبادة وفي واجب التقديس والاتباع وتشتمل على التطير وعلى السحر وعلى الكهانة فدعاهم الى ان يجردوا العقائد من جميع هذه المداخلات ووجد التقاليد مبنية على تقديس الماضي وعلى التعلق بما درج عليه الاباء وعلى المحافظة على العوائد بدون تفرقة بين صحيحها وفاسدها رشيدها وباطلها فدعاهم الى ان يسلطوا ميزان المدارك الانسانية الفطرية على تقاليدهم.
ووجد مقاييس الخير والشر والفضيلة والرذيلة مبنية على معان وهمية من الحمية والعصبية والقوة والنخوة والفتوة واخذ الثأر وامثالها فدعاهم ايضا الى ان يسلطوا مقياسا جديدا يزنون به هذه المقاييس البالية حتى يتبين لهم ان فيما ظنوه خيرا ما ليس بخير وان فيما ظنوه شرا ليس بشر وانما هو الخير .
وعلى ذلك جاءت الدعوة الاسلامية تحمل حملة واحدة في دفعة واحدة على جميع ما كان عليه الناس يومئذ من عقائد وتقاليد ومقاييس للخير والشر ولم تجئ هذه الدعوة لتخرج الناس عن عقائده بالكره والعنف ولا لتزيل تقاليدهم ولا لتزيل معنى الخير والشر ولكنها جاءت تدعوهم الى ان يتأملوا وينظروا هل فيما اعتبروه عقيدة ما يصح ان يكون عقيدة حقا وهل فيما اعتبروه تقليدا ما هو جدير بأن يؤخذ به وان يحافظ عليه وهل فيما اعتبروه خيرا ما هو خير في نظر الحق وهل فيما اعتبروه شرا ما هو شر في نظر الحق ؟.
وبذلك كانت حملة الاسلام حملة موحدة في دفعة واحدة على جميع ما كان يؤخذ به البشر من عقائد وتقاليد ومقاييس للخير والشر . ولاجل دعم هذه الحملة وسوق الناس الى هذا الموقف الصعب الذي نادى به الاسلام اليه وهو موقف النظر المجدد في جميع ما كان عندهم من العقائد والتقاليد ومقاييس الخير والشر فانه اتجه الى ابتداء البحث في الامور كلها من اساسها فوجه الناس الى نظر جديد في الوجود المطلق من حيث هو وجود المطلق . ووضع الطبيعة وما وراء الطبيعة والانسان الذي يعيش بين الطبيعة وبين ما وراء الطبيعة ، وضع هذه العناصر الاساسية الثلاثة موضع النظر والبحث الاساسي الجديد حتى يتبين الحق من الباطل وحتى يتبين ما ينفع الناس من الزبد الذي ينبغي ان يذهب جفاء .
ولاجل التوصل الى ادراك هذه العناصر التي هي الطبيعة وما وراء الطبيعة والانسان فان الاسلام طلب قبل كل شيء من جميع المنصتين الى دعوته والمصيغين اليها طلب منهم المعرفة ، طلب منهم ان يعرفوا الطبيعة وما وراء الطبيعة وان يعرفوا انفسهم وموقفهم من الطبيعة وما وراءها .
يتبع

ملف الأسبوع .. لا إسلام لمن لا خلق له
20 أفريل 2018 السّاعة 21:00
الأخلاق في الإسلام هي المبادئ والقواعد المنظمة للسلوك الإنساني وهي مجموعة القيم الجالبة للخير والطاردةً...
المزيد >>
دور الاخلاق في صلاح الفرد والمجتمع
20 أفريل 2018 السّاعة 21:00
كثيرا ما سيمع الناس في الفضاءات العمومية او
المزيد >>
انعدام الأخلاق يؤدي الى الإفلاس الروحي..
20 أفريل 2018 السّاعة 21:00
يمكن أن نصف هذا العصر بعصر الازدهار الإقتصادي وتكدس
المزيد >>
خطبة الجمعة.. احفظوا الله يحفظكم
20 أفريل 2018 السّاعة 21:00
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قَالَ: (كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور.. موقف الدين من العلم والاخلاق ( 1 )
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 13 أفريل 2018

جعلنا عنوان هذا المحاضرة هكذا : « الدين « ولم نقل الاديان بصفة عامة ولم نخصص دين الاسلام بصورة واضحة في التخصيص وذلك لاننا لا نعتبر الدين الا واحدا غير مجتزئ ولا نعتبر اختلاف الاديان الا نتيجة عوارض طرأت على الجوهر الموحد الذي هو النور الالهي المشع ما كان ينبغي له ان يتعدد بمختلف . ولقد جاء الاسلام بهذه الدعوة وينادي بالناس الى توحيد منهجهم الديني الاعتقادي . فكلمة القران العظيم جاءت بقوله تعالى : « قولوا امنا بالله وما انزل الينا وما انزل الى ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط وما اوتي موسى وعيسى وما اوتي النبيئون من ربهم لا نفرق بين احد منهم ونحن له مسلمون « .

وكذلك جاءت كلمة القران تنبه على ان الاديان لم تختلف الا بما مازج بعضها من امور ليست اتية من جوهر الدين فان الحق الديني الاصيل الصميم لا يختلف ولا يمكن ان يختلف وذلك هو الدين القيم المبرأ عن الضلال وعن الباطل .
واذا كان الاختلاف قد وقع بين الناس فانما اختلف الناس بما ادخلوا على الحق من صيغ الباطل التي لابسته والا فانهم لو تمسكوا بالحق وطرحوا زيوف الباطل لما نشأ بينهم الاختلاف لان الحق لا يختلف فيه ولان الباطل لا يتفق عليه ذلك هو الدين القيم .
وقد جاء القران من جهة ثالثة يدعو الى تمحيص هاتين الماهيتين المختلطتين المتداخلتين : ماهية الحق الموحد الذي لا يختلف . وماهية الباطل الذي اختلف فيه الناس وتفرقوا فيه شيعا وقددا فضرب المثل بالسيل الذي يحتمل زبدا رابيا ، ودعا المدركين المتبصرين من اولي الالباب الى ان يؤمنوا بان الزبد يذهب جفاء وان ما ينفع الناس هو الذي يمكث في الارض . وبذلك نادت الدعوة الاسلامية بتجديد المدلول الديني ودعت اهل الاديان قاطبة الى ان يضعوا اديانهم في صعيد التسوية والاتحاد وان يجعلوا المدارك الانسانية الفطرية ، والعقل الانساني السليم المجرد المرجح الذي يرجعون اليه ، وان يجردوا عقائدهم من الاهواء والاباطيل التي مازجتها فكانت حائلة بينهم وبين ادراك الحق باعتبار اختلاطه بما مازجه وما ران عليه من الاباطيل.
وكذلك جاءت دعوة الاسلام تضع العقائد والتقاليد ومقاييس الخير والشر وضعا جديدا يجعلها كلها خاضعة لحكم جديد هو حكم الفطرة الانسانية السليمة والعقل الانساني الصحيح المجرد والادراك الانساني المنزه عن الهوى المعصوم عن الباطل .
فاذا بالعقائد تشتمل على اوثان منصوبة معبودة بغير حق وشركاء اشركهم الناس مع الله في العبادة وفي واجب التقديس والاتباع وتشتمل على التطير وعلى السحر وعلى الكهانة فدعاهم الى ان يجردوا العقائد من جميع هذه المداخلات ووجد التقاليد مبنية على تقديس الماضي وعلى التعلق بما درج عليه الاباء وعلى المحافظة على العوائد بدون تفرقة بين صحيحها وفاسدها رشيدها وباطلها فدعاهم الى ان يسلطوا ميزان المدارك الانسانية الفطرية على تقاليدهم.
ووجد مقاييس الخير والشر والفضيلة والرذيلة مبنية على معان وهمية من الحمية والعصبية والقوة والنخوة والفتوة واخذ الثأر وامثالها فدعاهم ايضا الى ان يسلطوا مقياسا جديدا يزنون به هذه المقاييس البالية حتى يتبين لهم ان فيما ظنوه خيرا ما ليس بخير وان فيما ظنوه شرا ليس بشر وانما هو الخير .
وعلى ذلك جاءت الدعوة الاسلامية تحمل حملة واحدة في دفعة واحدة على جميع ما كان عليه الناس يومئذ من عقائد وتقاليد ومقاييس للخير والشر ولم تجئ هذه الدعوة لتخرج الناس عن عقائده بالكره والعنف ولا لتزيل تقاليدهم ولا لتزيل معنى الخير والشر ولكنها جاءت تدعوهم الى ان يتأملوا وينظروا هل فيما اعتبروه عقيدة ما يصح ان يكون عقيدة حقا وهل فيما اعتبروه تقليدا ما هو جدير بأن يؤخذ به وان يحافظ عليه وهل فيما اعتبروه خيرا ما هو خير في نظر الحق وهل فيما اعتبروه شرا ما هو شر في نظر الحق ؟.
وبذلك كانت حملة الاسلام حملة موحدة في دفعة واحدة على جميع ما كان يؤخذ به البشر من عقائد وتقاليد ومقاييس للخير والشر . ولاجل دعم هذه الحملة وسوق الناس الى هذا الموقف الصعب الذي نادى به الاسلام اليه وهو موقف النظر المجدد في جميع ما كان عندهم من العقائد والتقاليد ومقاييس الخير والشر فانه اتجه الى ابتداء البحث في الامور كلها من اساسها فوجه الناس الى نظر جديد في الوجود المطلق من حيث هو وجود المطلق . ووضع الطبيعة وما وراء الطبيعة والانسان الذي يعيش بين الطبيعة وبين ما وراء الطبيعة ، وضع هذه العناصر الاساسية الثلاثة موضع النظر والبحث الاساسي الجديد حتى يتبين الحق من الباطل وحتى يتبين ما ينفع الناس من الزبد الذي ينبغي ان يذهب جفاء .
ولاجل التوصل الى ادراك هذه العناصر التي هي الطبيعة وما وراء الطبيعة والانسان فان الاسلام طلب قبل كل شيء من جميع المنصتين الى دعوته والمصيغين اليها طلب منهم المعرفة ، طلب منهم ان يعرفوا الطبيعة وما وراء الطبيعة وان يعرفوا انفسهم وموقفهم من الطبيعة وما وراءها .
يتبع

ملف الأسبوع .. لا إسلام لمن لا خلق له
20 أفريل 2018 السّاعة 21:00
الأخلاق في الإسلام هي المبادئ والقواعد المنظمة للسلوك الإنساني وهي مجموعة القيم الجالبة للخير والطاردةً...
المزيد >>
دور الاخلاق في صلاح الفرد والمجتمع
20 أفريل 2018 السّاعة 21:00
كثيرا ما سيمع الناس في الفضاءات العمومية او
المزيد >>
انعدام الأخلاق يؤدي الى الإفلاس الروحي..
20 أفريل 2018 السّاعة 21:00
يمكن أن نصف هذا العصر بعصر الازدهار الإقتصادي وتكدس
المزيد >>
خطبة الجمعة.. احفظوا الله يحفظكم
20 أفريل 2018 السّاعة 21:00
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قَالَ: (كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
النوري الصل
...«الانتحار الجماعي»!
«لا توجد دولة تتحمل إنتاج جيل كامل دون تعليم جيد، فهذا الجيل سيدمّر الدولة داخليّاً لتتفتّت وتفقد وجودها».
المزيد >>