«التائهون» في الإعلام الثقافي

«التائهون» في الإعلام الثقافي

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2018/09/10

بقلم علجية حسيني (أستاذة تعليم ثانوي)

" تونس كانت تشهد تصحرا ثقافيا" في الإعلام  جملة يقع دائما  تداولها, بعد الثورة, في وسائل الاعلام التونسية. وهذه العبارة يستعملها و يحب تأكيدها فقط كل من كان ينفر من الإبداع و لا يكسب ذائقة فنية أو فنان فاشل أو كاره للإبداع و ضده  , خوفا منه . لا ننكر أن الكثير من الإعلاميين كانوا في  خدمة النظام السياسي آنذاك و كسبوا امتيازات وراء مهمة تجميل أخطاء النظام الحاكم . لكن هذا إجحاف و ظلم في حق آخرين حملوا و رسخوا رسالة ثقافية في المؤسسات الإعلامية التابعين لها. و ليس من العدل  نكران قيمة انتاجاتهم في عهد القمع و مساواتهم مع من كانوا يمدحون  نظام بن علي في كل برامجهم  .
التاريخ موضوعي و حيادي على حد عبارة محمود درويش.  الحقائق التاريخية تقاوم محاولة طمسها . قد تختفي أحيانا للبعض لكن تظل تعاند رغبة أو هدف من يبحث عن تحريفها. إذ تمثل تسعينات القرن الماضي و بداية الألفية الجديدة حقبة مضيئة في تاريخ الأعلام الثقافي في تونس. كان الشعراء و الكتاب و السينمائيون والمسرحيون و الرسامون ومقدمو البرامج الثقافية  أسماء لامعة و معروفة في تونس .  كانوا أكثر شهرة من وزراء بن علي.  و طبعا من المؤكد يرجع الفضل للصحف و الإذاعات و التلفزة أحيانا .  كان للكثير من الإعلاميين قضية يناضلون من أجلها و هي قضية الدفاع عن الذوق الرفيع.  و  حصل هذا بتأسيس ثقافة راقية ترفع من قيمة الشعر و الأدب  والمسرح و السينما و الرسم و الغناء و الموسيقى .  سواء كانت انتاجات تونسية أو عالمية.
صحيح أن بن علي كان قامعا للحريات السياسية, لكن لم يكن لديه مشكل مع إنتاج برامج ثقافية إعلامية لا تهتم بالسياسة و لا تمجده. و الدليل أن الإذاعات رغم أنها كانت ممولة من الدولة , كانت تخصص مساحات كبيرة للثقافة.  و يمكن تفسير السبب إن بن علي و وزراء الثقافة و الاعلام و قتها كانوا يرون تطوير الثقافة جزءا مهما من بناء الدولة. فكانوا يشجعون على الإنتاج الثقافي و تمريره عبر الإعلام .  مما زود هذا الأخير بمحتويات إبداعية مهمة و راقية .  و طبعا لا يعني أنهم كانوا مثاليين و لم يخطأوا في حق الصحافيين و الإعلام بشكل عام.  و إنما كانت النقطة الايجابية و خدموا بها الثقافة و الإعلام في تونس.
مثل الأعلام الثقافي ملاذا لتوفير هامش من الحرية الفكرية السامية.  و كان لهؤلاء الإعلاميين المثقفين مشاريع و برامج ثقافية يؤسسونها و يدافعون عنها.  لاشيء أكثر إنسانية من  اكتساب الحرية للوصول للفن و إيصاله لكل الناس و المحتاجين إليه خاصة.  و يمكن اعتبار الإعلامي الثقافي مناضلا و صاحب مشروع ضد القمع الفني أو التهميش الثقافي المحتمل. و هنا أخص بالذكر إذاعة المنستير خاصة و تليها الإذاعات الأخرى. فقد كانت الإذاعات مثل نافذة تطل بالمتلقي  على العالم .  كانت أنجع واسطة لحماية الثقافة و المبدعين و المهتمين بها في زمن ما قبل الانترنت. الإذاعة كانت متاحة للجميع في  تونس ووحدت المواطنين بشكل متساو و دون تمييز.  لا فرق بين من يسكن المدينة و من يسكن الريف.  ويبقى القول بأن  سكان  الريف و غيرهم من المواطنين مهمشون ثقافيا ادعاء كله إجحاف و نكران جميل في حق هؤلاء "المناضلين" الذين اختاروا و تخصصوا في  الاعلام الثقافي و أوصلوه إلى جميع فئات المجتمع. همشوا لفقدانهم الذائقة الفنية الرفيعة. فمسألة الذوق تختلف من شخص لآخر و هو الذي يحدد اختياراتنا و تمييزنا بين المواد الإعلامية المتاحة وقتها. 
لو نقيم مقارنة بين إنتاج الاعلام الثقافي أيام بن علي و بعد الثورة, فإننا بلا شك نقف و بشكل لافت للتراجع و التقوقع لهذا النوع الإعلامي في تونس لولا مقاومة بعض المهتمين بالثقافة في تونس. لا ننكر ان هناك تواصلا لإنتاج البرامج الثقافية المحترمة منها  الإذاعية و التلفزية.  لكنها لم تنجح بالشكل الذي تستحقه مثلما كان قبل الثورة. . ما يلاحظ الان أن هذه البرامج  لاتجذب الكثير من المتابعين لو استثنينا  المختصين في الثقافة.  و هنا مسؤولية الدولة لتشجيع إنجاح  برامج ثقافية في المؤسسات  الإعلامية العمومية.  و لن يكون ذلك إلا بتخصيص ميزانية  مالية  محترمة تستجيب لما يتطلبه برنامج إعلامي ثقافي متطور .  فالإنتاج الثقافي أصبح مثله مثل أي إنتاج آخر يطرح في السوق. و لذلك يحتاج إلي تطوير و تسويق محكم لينافس البرامج الأخرى الرديئة.  لكن ما نلاحظه أن الإذاعات عاجزة عن  تسويق البرامج الثقافية لجلب مختلف فئات المجتمع. فالثقافة حق مدني و يجب على الدولة الاهتمام به.  فالمهتمون بالثقافة سابقا و الآن يجدون أنفسهم مبعدين عن مركز دائرة التمثيل الإعلامي الجيد و الناجع.  هم تائهون بين برامج إعلامية تافهة و ضعف اهتمام دولة ما بعد الثورة لإنتاج برامج إعلامية تمثلهم.
الجلي إن غربة و تيه المحب للإعلام القيم ستتواصل .  فهو مهمش من  كل الحكومات و كل الأحزاب السياسية .  المقلق في تونس أن الأحزاب السياسية بكل الاتجاهات لا تملك رؤية و لا تفكر في الثقافة . الأحزاب تستهين بأهمية الثقافة , ويمكن تفسير ذلك أنهم لا يهتمون بالأدب و لا الشعر ولا أي نوع من أنواع الفنون الأخرى .  و حتى إن أظهروا اهتمامهم فانه مجرد ادعاء . كل ممثلي الأحزاب السياسية لغتهم ركيكة ومتكررة و رتيبة . مما يعطي انطباعا    يدل على نفورهم المتراكم من الفن. خطابهم يمكن وصفه بالفقاقيع الهوائية و التي تحمل جملا مملة و مسكونة بالفراغ الفكري.  اللغة انعكاس للأفكار التي نحملها و الأفكار الرفيعة من المحال توفرها دون امتلاك  للمعرفة الأدبية و اطلاع على شتى الفنون. و اللغة المستعملة للسياسيين لا يرجى منها خير للثقافة.  فكيف للسطحية و التفاهة أن تؤسس لثقافة عميقة مواكبة للعصر.  و من السخرية أنهم يعتبرون الديمقراطية الجيدة تنبني على  حرية التفكير و التعبير . و إن قيمنا الحرية  استنادا لأفكارهم  تصبح حرية التعبير مجرد ثرثرة عقيمة  .  حرية التعبير تعني كل من يدافع عن أفكار عظيمة ليؤسس وطن عظيم  و ليست مجرد أفكار من الهراء و التفاهة. ما يبدو من رؤاهم الضبابية للمستقبل الثقافي يبين وضعهم حدودا بين الثقافة و بين الديمقراطية و التي تعني فقط لديهم المكاسب السياسية. و كأن الثقافة ليست حقا مدنيا مثل الحقوق المدنية الأخرى, به تبني المجتمعات المتحضرة و الراقية. الثقافة بمنظورهم ليست ضرورة و إنما امتياز يمكن تحقيقه في أي وقت.  و لا يعون أنها تكون بذلك ديمقراطية مشوهة و مبتورة. لن تزدهر للثقافة في زمن غياب المشاريع الثقافية الكبيرة و إن وجدت فان انجازها يتباطأ ليختفي في المجهول.  كل الوزراء الذين مروا على وزارة الثقافة عولوا على نجاح مشاريع ثقافية ,من قبل  أيام بن علي , من المهرجانات أو غيرها. و هذا ما يتسبب في تراجع الإعلام الثقافي لأنه في حاجة الى إنتاج ثقافي كثيف و جيد. و بتراجعه يبقى أصحاب الذائقة الفنية الرفيعة من المختص و المتلقي تائها و غريبا في تونس الحبيبة التي تستحق الجمال و الرفعة كما كانت دائما .
 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

برغم ما يعتملُ من صعوبات اجتماعيّة واقتصاديّة وعمق الاختلاف حول سبُل الخروج من المأزق السياسي الذ
20:00 - 2018/09/21
استطاعت قناة نسمة في السنوات الأخيرة أن تفتك نسب المشاهدة في أوقات الذروة، أي في السهرة عندما يجت
20:45 - 2018/09/20
تم امس توقيع الزيادة في الاجور في القطاع الخاص لسنتي 2018-2019 بحوالي 7 بالمائة وهو ما سيمكن الاف
20:00 - 2018/09/20
المعلم رسـول بلا رسالــــة!؟
06:51 - 2018/09/20
كان لبورقيبة  لقاءات أسبوعيّة مع جمع من  نخب الشعب التونسي يتداول فيه معهم أهمّ المستجدّات في الس
20:50 - 2018/09/19
بقلم أ. سناء السخيري رئيسة الغرفة الوطنية للناقلين الجويين باتحاد الصناعة والتجارة
20:25 - 2018/09/19
أن يلتقي رئيس الحكومة بالأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل ويجتمع به في هذا التوقيت السياسي
20:01 - 2018/09/19
تشير العديد من التقارير الدولية الصادرة خلال السنوات القليلة المنقضية إلى أن أهم العوامل التي تفس
23:18 - 2018/09/18