أليس منكم رجل رشيد؟

أليس منكم رجل رشيد؟

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2018/06/11

قبل خطاب يوسف الشاهد  ليوم 29 ماي الماضي كانت الأزمة السياسيّة التي تعيشها البلاد شبيهة بملهاة يراها بعض الملاحظين عادية في ظل التقلبات التي عرفتها تونس منذ قيام الثورة، ويراها آخرون خطيرة باعتبارها تؤشر إلى تحوّلات غير مسبوقة قد تعصف ببعض مكاسب 14 جانفي وبعملية الانتقال الديمقراطي برمتها.
ويبدو أن تخوف الشقّ الثاني كان الأقرب للحقيقة، وأن ملهاة مشروع قرطاج II الذي تسلّى بفصوله التونسيون لأشهر عديدة قد أفضى، بعد انتهائه في طريق مسدود بسبب رفض النّهضة إقالة رئيس الحكومة، وبعد قرار تعليقه من طرف رئيس الجمهورية، أفضى إلى مشهد جديد هو أقرب هذه المرّة إلى كوميديا مأساوية.
قد يسارع البعض منها تحميل مسؤولية وضعنا السياسي الخطير إلى نظامنا الانتخابي وإلى خيار التمثيلية النسبية الذي أدى في النهاية إلى تقسيم الحكم بين أكبر عدد ممكن من الأحزاب وجعل القيام بالسلطة وطرح مشاريع ضمن رؤية بعيدة المدى، فضلا عن إنجازها، أمرا صعبا لم يلبث مع تراكم الأزمات أن أصبح مستحيلا.
ويكفي أن نستعرض عدد الحكومات التي تلت قيام الثورة والتي بلغ عددها تسع حكومات (9)  وكذلك عدد الوزراء الذي وصل 489 وزيرا لنتبيّن أن نظامنا الانتخابي ينتج التقلّب وعدم الاستقرار وأنه يفرض التفاهم الحزبي المصلحي الضيّق على حساب المشروعات الوطنيّة الكبرى القادرة على إصلاح شأن البلاد.
لكن النظام الانتخابي لا يكفي وحده لتبرير الأزمة التي سقطت فيها بلادنا، فالنّخبة السياسية تتحمّل قسطا وافرا من المسؤولية بما أظهرته وتظهره كل يوم من عجز عن التغلّب عن أنانيتها وحساباتها الصغيرة، والارتقاء إلى مستوى مهمتها التاريخية لإنجاح عملية الانتقال الديمقراطي التي تبقى دقيقة وهشّة وقابلة للتراجع والانتكاسة في كل لحظة.
واليوم وقد وصل الوضع إلى ما وصل إليه وبلادنا في عين الاعصار، ما العمل؟ إلى متى ستبقى تونس رهينة. خصامات سياسوية أفقدت التونسيين كل ثقة في المستقبل؟ وكم يجب أن يموت من شبابنا في بحر الهجرة السريّة ليعود الوعي؟ وكم من إضراب في مناجم الفسفاط، ثروتنا الطبيعية اليتيمة، حتى ندرك أننا بصدد انتحار جماعي؟
ما الذي سيتغيّر في تونس إذا تحقق ما يتصارع عليه بعض السياسيين وانتصر شخص على آخر أو شق على آخر وإذا المنتصر سيجد نفسه غدا أمام ذات التعطيلات والمعوقات وكل الظروف المؤدية إلى تفاقم العجز؟
لن يتبدّل شيء في تونس أيّا كانت الحكومات المحوّرة جزئيا أو كليّا التي ستحلّ، وستتواصل الأسعار في ارتفاع والدينار في انخفاض ما لم ينتصر العقل وتتوقف المخادعات والمناورات وما لم يصح العزم وتصدق النيّة للقيام عاجلا بالاصلاحات الضرورية من إيقاف لعجز الصناديق الاجتماعية، وتطهير للمؤسسات العمومية وتقليص نفقات أجور الوظيفة العمومية.
كلنا نعلم أن لا مناص من هذه الاصلاحات وأن القيام بها مؤلم لكنه ضروري. فلماذا هذه المماطلات. اتّقوا اللّه في تونس. أليس منكم رجل رشيد؟
 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

صرخة فزع مدوّية أطلقها الشعب التونسي في وجه العاصفة التي هبت رياحها الآثمة على المنظومة التربويّة
20:00 - 2018/12/13
 «من لا يستطيع أن يكسب الحرب،  لا يستطيع أن يكسب السلام»
20:00 - 2018/12/13
ككل عام منذ 2011 لم يسلم مشروع قانون المالية لسنة 2019 من الجدل ومن الاحتجاجات والإضرابات والاعتص
20:00 - 2018/12/13
بعد أن أفلت «موضة» التقرب للمؤسسات المالية الدولية، اليد الطولى لليبرالية اقتصادية متوحشة ولا إنس
20:00 - 2018/12/12
بات جزء كبير من الحراك السياسي في البلاد خاضعا للأهواء وللكثير من المزايدات المرفوقة بخطاب تحريضي
20:00 - 2018/12/12
خرجت من جُبّة «اليوم العالميّ لحقوق الإنسان» أيّام رديفة كـ»اليوم العالميّ للحقّ في معرفة الحقيقة
20:00 - 2018/12/12
في مطلع الستينات من القرن الماضي كنت وأترابي صغارا لا نعرف للدنيا همّا ولا غمّا رغم أن حالنا شكلا
20:15 - 2018/12/11
تناولنا في الأسبوع السابق كيف أن الأطفال اليوم وكذلك الشباب هم إلى القيم الفردانية الحداثية أقرب
20:00 - 2018/12/11