إشراقات..بين القرآن والعلم والتاريخ

إشراقات..بين القرآن والعلم والتاريخ

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/04/23

كنت محظوظا في أوائل السبعينات بخبرة أساتذة دار المعلّمين العليا المنشقّة عن كلّية الآداب بتونس لاختلافها عنها في كلّ شيء. وكان الأستاذ عبد المجيد الشرفي مساهما في تكويني الفكري والمنهجي مع ثلّة من أنجب الطلبة طيلة السنوات الأربع اللاّزمة للإجازة في اللغة والآداب العربيّة بما فيها مادّة الحضارة. وأذكر من مسائلها موضوع اتّجاهات تفسير القرآن قديما وحديثا. يومئذ لم نقرأ شيئا لأستاذنا الجليل لأنّه لم ينشر شيئا ، حتّى رسالته لنيل الدكتوراه لم يكملها ولا علم لنا بها ولا حتّى بالجدل الإسلامي المسيحي. وإنّما ، فيما بعد قرأنا له مقاله الشهير عن الإسلام والعنف الذي كان محاضرة في أحد الملتقيات. ثمّ قرأنا له كتبه اللاّحقة والمثيرة للجدل. 
وخلاصة ما انتهى بنا إليه أنّ القرآن كتاب هداية ، يهدي إلى التوحيد ، ويعد المؤمنين بثواب الجنّة ويتوعّد المشركين بعذاب النار . وبمرور السنين فهمت القصد من تلك الخلاصة مهتديا بظروف الإسلام السياسي، وهو أنّ تراثنا الديني كلّه في حاجة إلى غربلة كان أستاذنا يعبّر عنها بصريح العبارة كلّما أكّد على ضرورة القطيعة المعرفيّة أسوة بأوروبا في فصل السياسة عن الكنيسة بعد أن وقع ما وقع من وقائع التاريخ المظلم في العصور الوسطى باسم سلطة محاكم التفتيش حتّى تشكّل المجتمع المدني بصفة نهائيّة وانتصارا للعلمانيّة.


وفي الوطن العربي – إنّ صحّ التعبير – مازال المخاض طويلا والجواب عسيرا على أسئلة التراث والدين والدولة، بل إنّ الوضع ازداد خطورة بما يشبه انتكاسة الربيع العربي إلى حدّ تفشّي الخوف من الإسلام وتشظّي الوحدة الوطنيّة على مستويات حزبيّة وطائفيّة وحتّى عرقيّة. 
في هذا الإطار العام أقرأ القرآن متوقّفا عند ما هو أكثر وأبعد من الهداية والتوحيد والوعد والوعيد. أتوقّف عند الآيات الكونيّة في ضوء مكتشفات العلوم الحديثة، كما أتوقّف عند القصص التاريخي محاولا الربط بين أخبار القرآن وعلم الآثار، فأجد نفسي أحيانا متأرجحا بين الحقيقة والخيال أو بين أحسن القصص وأساطير الأوّلين. وفي هذا المستوى أجدني معطّل التفكير ومعرقل التقدّم بعائق الزمن بدرجة أولى وعائق الأسماء بدرجة ثانية.  وعلى سبيل المثال تعذّرت عليّ رغم اجتهادي معرفة فرعون موسى أهو رمسيس الثاني أم ابنه ميرنبتاح وكذلك معرفة فرعون يوسف إن كان أمنحوتب الرابع المتسمّى بأخناتون يوم اعتنق التوحيد.
زاهي حواس ، أشهر علماء المصريّات ، يؤكّد أنّه ، وإلى حدّ الآن ، لا يوجد أيّ دليل أثري على النبيّين. وقس عليهما هويّة ذي القرنين وحقيقة يأجوج ومأجوج . وقصّة الإسراء والمعراج لم تكشف – هي وغيرها من الآيات – عن أسرار الكون لأنّ عالم الغيب لا يريد أن يطلع على غيبه أحدا ولو كان نبيّا . فهل أنّ السماوات السبع هي طبقات الغلاف الجوّي أو هي كواكب المجموعة الشمسيّة التي عددها في تزايد أم أنّ المقصود هو الكثرة بدل السبعة ؟ وماذا عن المجرّات والمادّة الظلماء والثقوب السوداء ما لم يقنعنا التفسير العلمي التابع حيث يجب أن يكون كلام الخالق هو المتبوع. 
وأخلص من كلّ هذه المطبّات إلى الإقرار بعجزي عن فهم القرآن بقدر عجز العلوم عن فهم الفراعنة و إلى الاكتفاء بقراءته بقلبي لا بعقلي لأنّ ما أوتيت من العلم لايزال قليلا. 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

معذرة إن تضمنت بطاقتي كلمات ما تعودت على ذكرها فأنا مجبر على الدخول من بابين باب «مخاطبة الناس بم
20:15 - 2019/07/17
أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ عشر سنوات أن يكون يوم 18 من هذا الشهر الجاري الذي يصادف الغ
20:15 - 2019/07/17
يقول الكاتب الكويتي خليل علي حيدر في مقاله «جدل في البطّيخ والشّمّام» بمجلة «العربي» العدد 13 أفر
20:30 - 2019/07/15
أشرف الجبري (خبير محاسب)
20:30 - 2019/07/15
تطرح اليوم مسألة القائمات المستقلة في الانتخابات الرئاسية والتشريعية الكثير من التساؤلات.
20:30 - 2019/07/15
إن الفكرة الجوهرية لهذه المقالة هي الدعوة إلى تدريب العقل التونسي على مبدإ جديد يسود اليوم العلاق
20:00 - 2019/07/11
آه لو كنا «توانسة صافين» لأعلنتها عالية علنا
20:00 - 2019/07/11