إشراقات..تحيّـــة إلــى المفتـــي

إشراقات..تحيّـــة إلــى المفتـــي

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/08/07

أتذكّر من بلدتي الطيّبة مشاهد وحكايات رأيتها وسمعتها في صباي فكأنّها حدثت بالأمس القريب . منها التقدير الكبير الذي يحظى به الحاج ورفاقه قبل السفر ويوم العودة من خلال عادات مشرّفة ، كالطواف بهم على زوايا الأولياء الصلحاء في موكب بهيج بالمدائح يوم التوديع وكالاحتجاب دون الخروج للناس ثلاثة أيّام منذ الوصول. أحدهم استبدل الزيّ التونسي بقميص وعقال من الطراز السعودي تبرّكا بالبقاع المقدّسة وإشهارا لتمام إسلامه بأداء الفرض أو الركن الخامس . وأحدهم غضب في مقهى السوق على أحد خلاّنه لم يخاطبه باللقب الجديد «سي الحاج» . وآخر حجّ مرارا مرفوقا بزوجته حتّى انكشفت تجارته في الذهب. 


في ذلك الزمن، منذ نصف قرن، كان الحجّ مقدورا عليه وإن ظلّ مشروطا بالاستطاعة. وقبله كان مديدا وشاقّا وخطيرا على المغاربة بأكثر ممّا كان على عرب الجزيرة في عهد الرسول (ص) عندما كانت جغرافيّة الفتح محدودة، لا تتجاوز اليمن ولا تبلغ القدس . كان أجدادنا يقضون لذلك حولا كاملا جامعين بين الفريضة والدراسة ، ومقيمين شهرا هنا وشهرا هناك طوال الطريق ذهابا وإيّابا ، بل إنّ منهم من بقي مجاورا في مكّة أو المدينة أو مقيما بالقدس أو دمشق حيث عرفت للمغاربة أروقة من الجوامع وأحياء من المدائن ، ومنهم من دفن حيث مات . 
ولكنّ كلفة الحجّ اليوم صارت تعجيزا بمبلغ لا يستطاع ، معلّل بفارق العملة وارتفاع معاليم النقل والإقامة ، ورسولنا الكريم لم يكن يتصوّر هذا وإلاّ لحرّم وكالات الأسفار المتخصّصة في هذا الاستثمار الرابح المبرّر بجودة الخدمات. 


فلنحسب أحد عشر ألف حاج في أربعة عشر ألف دينار لنقدّر المبلغ الكبير الذي سيحوّل،  كغيره كلّ عام، إلى مملكة النفط والمعادن الثمينة وظروف بلادنا، كسائر بلدان الربيع العربي، لا تبشّر بخير ، بل وفينا حالات اجتماعيّة تحت الصفر بأحواز المدن وسفوح الجبال تستغيث من شرّ الفاقة وخطر الإرهاب . والدولة وحدها لا تشرق على الجميع إذا صلح الرأي ، وأهل الخير قليلون .
المفتي وحده، وبعون الله، قادر على حلّ المشكل بكلمة طيّبة تنبّه العقول و تستعطف القلوب. فمنذ أيّام بادر محمودا بدعوة لصالح قرى الطفولة (SOS) من زكاة الفطر. يستطيع أن يقول شيئا في أمر الحجّ، وقوله مسموع على الأقلّ لدى الذين يعلمون أنّ ملايينهم ستنفق في صفقات تسلّح وسيقتل بها المسلمون بعضهم بعضا في سوريا والعراق واليمن وليبيا، ما عدا إسرائيل. 
المفتي وحده قادر على حلّ مشكل آخر يشغل التونسيّين بعد استراحة عيد الفطر، هو خروف عيد الأضحى، و بحركة مشهودة منه أسوة بالحسن الثاني عندما ضحّى عملا بالسنّة بكبشين أحدهما باسمه والثاني باسم شعبه سنة أزمة حتّى تلتها سنة رغدة. 


هكذا يكون الفقه المتطوّر المراعي للظروف والجالب للمصلحة بجرأة العلماء المصلحين الذين يبحثون عن المقاصد في جوهر ديننا الحنيف المبني على التيسير. ومقاصد الشريعة هي المبرّرة للشعائر والراقية بها إلى التقوى . وإلاّ فأيّ معنى وأيّ دور للمفتي إن اكتفى بالأهلّة في عصر التكنولوجيا الفضائيّة ؟  
الحساب وحده ، كما في الروزنامة أو اليوميّة يشعرنا بمواسم قرن وأكثر بدقّة لا ريب فيها. أمّا الرؤية إذا سمحت بها الأحوال الجوّية فسنّة محمودة تطيّب حياتنا الروحيّة بنكهة القداسة .. ولا قطع  الله علينا عادة . 
 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

كلام خطير ذلك الذي نطق به المرشح منصف المرزوقي على هامش اختتامه حملته الانتخابية أمس في باجة.
20:00 - 2019/09/14
لم أجد أصدق وأدقّ من هذا النحت اللغوي تعبيرا عن حالتي مثل عديد التونسيّين قبل أيّام من الانتخابات
20:00 - 2019/09/14
توشك الحملة الإنتخابية الرئاسية على النهاية، وقرب موعد الاقتراع ليختار المواطنون من سيتولى منصب ر
20:30 - 2019/09/13
أي نعم واللّه خوفا من اعتماد الفساد والاستئناسبالفضيحة في رؤية هلال الانتخابات المليحة في الخمار
20:20 - 2019/09/13
يلاحظ المتابع للحوارات مع المترشحين للانتخابات الرئاسية سواء بصفة فردية أو خلال المناظرات الجماعي
20:20 - 2019/09/13
من الصعب أن يُنصت الناس اليوم- ونحن على مشارف انتخابات رئاسيّة- للغة العقل إذ لميولاتهم الإنتخابي
20:20 - 2019/09/13
لم أجد أصدق وأدقّ من هذا النحت اللغوي تعبيرا عن حالتي مثل عديد التونسيّين قبل أيّام من الانتخابات
20:20 - 2019/09/13
توشك الحملة الانتخابية الرئاسية على النهاية، وقرب موعد الاقتراع ليختار المواطنون من سيتولى منصب ر
20:20 - 2019/09/12