البرلمان القادم... فرصة الأمل الأخير

البرلمان القادم... فرصة الأمل الأخير

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/09/30

أسابيع قليلة تفصل تونس عن الاستحقاق الانتخابي التشريعي الذي يتلو الانتخابات الرّئاسيّة السّابقة لأوانها.
موعد انتخابي تاريخي حاسم بكل المقاييس والضرورات التي تستوجبها دقة المرحلة وخطورتها على كافة الأصعدة خاصّة الاقتصادية والاجتماعيّة منها ناهيك الأزمة السياسيّة المستفحلة منذ سنوات.
من الواضح إذن أنّ الانتخابات التشريعيّة القادمة تكتسي أهمّية قصوى لا جدال فيها من أجل احتواء خيبة الأمل الكبرى التي عمّت الشعب التونسي على إثر تجربتين مريرتين عاشتهما تونس خلال السنوات التسع الأخيرة وأعني هنا تجربة "المجلس الوطني التأسيسي سنة 2011" "والفترة النيابيّة الأولى سنة 2014 " ومردّ خيبة الأمل الشعبيّة هو الإخفاق الكبير الذي آلت إليه التجربتان والمهازل التي عاش الرّأي العام ألوانا وفصولا منها خلال الجلسات التي شهدها المجلس الوطني التأسيسي ومجلس نواب الشعب، والتي شهدت مشاحنات وملاسنات وعنف لفظي كاد  يتحوّل إلى عنف مادي إضافة إلى الغيابات المتتالية لنوّاب عاهدوا الله والشعب والتاريخ على التحلّي بالواجب إبّان انتخابهم، لكنّهم سرعان ما خذلوا الشعب الذي انتخبهم وانهمكوا في معاركهم الشخصية وتجاذباتهم ومصالحهم الضيّقة وسياحتهم الحزبية والبرلمانيّة... الكثيرون تنقلوا من كتلة إلى أخرى بما يخدم مصالحهم ويدعم مواقفهم.
مهازل جملة وتفصيلا سيدونها تاريخ باردو وتونس وفضائح أصبحت مصدر استنكار التونسيين ومحلّ تندّرهم وسخريتهم.
أضف إلى ذلك الخطابات الشعبوية المتشنجة التي توهم المستمعين بأن النوّاب في خدمة الشعب لكن الأقنعة دائما زائفة وزائلة، تلك هي اللعبة المكشوفة.
إزاء خيبة الأمل المذكورة تبدو مسؤولية مجلس النواب الذي سينتخبه الشعب بعد أسابيع مسؤولية غاية في الدقّة والجسامة من أجل تخليص الشعب من هذه الخيبة والمرارة من خلال إعادة الاعتبار لرحاب مجلس نواب الشعب والتحلي بالرّصانة والهدوء والحكمة والعقلانيّة في النقاش والمداولات والتحلي بروح الواجب وحضور كلّ الجلسات والابتعاد عن الخطابات الانشائيّة والشعبويّة والكفّ عن التشنج وعدم ممارسة لعبة السياحة الحزبيّة.
أقول ذلك عاليا لأنّ الشعب التونسي ملّ وضجر من التجربتين المريرتين اللتين عاشهما البرلمان منذ سنة 2011.
وفي هذا السّياق أرى أنّ مجلس نواب الشعب القادم سيكون الفرصة الأخيرة لمحو هذه الخيبة لترشيد مسار الانتقال الديمقراطي في تونس وتخليصه من الشوائب التي علقت به بفعل النعرات الحزبية والجاذبات التي أنهكت المشهد السياسي في بلادنا وكانت بشهادة الجميع السبب الأول لكل المصائب الاقتصادية والاجتماعيّة والمصدر الرّئيسي لكلّ مظاهر الفشل والإخفاق.
نحن الآن أمام فرصة تاريخية نادرة وليس "العصفور النادر" كي نعيد ترتيب الأوضاع في تونس عبر النجاح في إنتخاب رئيس للجمهورية يتحلى بخصال الوطنية الفائقة ويكون خير خلف لخير سلف، وعبر انتخاب برلمان عتيد يخدم البلاد والعباد بالتوازي مع إعادة الاعتبار لهيبة الدولة وتصحيح المسار السياسي برمّته.
بحساب الجغرافيا تونس بلاد صغيرة وشعبها محدود العدد قياسا ببلدان أخرى فلا يعقل إذن أن تكون أزماتها أكبر من مساحتها ومن وضعها الديمغرافي...
ساعة الحقيقة اقتربت وعقاربها تدور سريعا في اتجاه نريده صحيحا هذه المرّة فالأوضاع في تونس لم تعد تحتمل المزيد من العثرات والهزات والأزمات، فقد شهدنا في ربوعنا منذ سنة 2011 وقائع غير مسبوقة: الإرهاب والعنف السياسي والاغتيالات والانهيار المالي والاقتصادي والمجهول الاجتماعي والتصحّر الفكري ووقائع أخرى نرجو أن لا يزيد استفحالها لأن الشعب والتاريخ بالمرصاد.
ومسؤولية الناخب التونسي في هذا السياق هامة وجسيمة لأنّه مدعو إلى حسن اختيار نوابه وعدم الانسياق وراء الوعود والأوهام خاصة تلك التي يحاولون تمريرها تحت مظلة القائمات المستقلة التابعة للأحزاب الخفيّة.
مسؤولية الناخب مصيريّة وموكولة إليه بالأساس حتى لا تخدعه الأحزاب مجددا لبرامج طوباوية خاوية لا أرض ولا سماء لها مثلما حدث في الانتخابات السّابقة.
وعلى الأحزاب أن تعي جيّدا أنّ الناخب التونسي سنة 2019 ليس هو الناخب سنتي 2011 و2014 بعد أن زالت الغشاوة عن عينيه وانكشفت أمامه "عورات الأحزاب" واضحة جليّة.
عليهم أن يدركوا أن المفاجآت الانتخابية عند الإعلان عن النتائج واردة جدّا. إنّها مسؤولية وواجب وأمانة تلك هي تونس التي نحبّها جميعا.
برلماني وقنصل عام سابق 
(رئيس جمعية البرلمانيين التونسين بالنيابة) 
 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

عندما اندلعت الاحداث في سوريا في مارس 2011 ، كان الرئيس التركي رجب الطيب اردوغان على يقين ان انصا
20:20 - 2019/10/22
لطالما توهّمنا أنّ الآثار الرومانيّة المنتشرة في بلادنا بناء جهّال وكفّار وأنّ فخرنا إنّما يكون ب
20:20 - 2019/10/22
إنّ ملف السلاح النووي قد تحول إلى موضوع للضغط الدولي الذي يقوى ويفتر حسب مصالح الدول الضاغطة، ممّ
20:15 - 2019/10/22
بعد وفاة الرئيس تداخلت العديد من المواعيد واضطربت، والموجة الانتخابية التي كانت بعيدة اقتربت وأغر
20:33 - 2019/10/21
يمر الاقتصاد التونسي بالعديد من المشاكل في السنوات الأخيرة، وأصبح الكل خائفا من تزايد الوضع الاقت
20:30 - 2019/10/21
تعيش تونس هذه الأيام على وقع الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي أنتجت صعود قوى سياسية جديدة وانح
20:30 - 2019/10/21
النجاح الذي نأمله هو  النجاح في إدارة البلاد وإخراجها من المستنقع!..فمن المعلوم السيد قيس سعيد يف
20:30 - 2019/10/21
بقلم ناصر كامل (أمين عام الاتحاد من أجل المتوسط)
20:30 - 2019/10/21