المواطن التونسي بعد 2011: بين ابتذال الإعلام التلفزي الخاص و فشل القناة الوطنية

المواطن التونسي بعد 2011: بين ابتذال الإعلام التلفزي الخاص و فشل القناة الوطنية

تاريخ النشر : 19:42 - 2019/03/08

لا يختلف اثنان أن العصر الراهن هو عصر قوة الإعلام و الصورة. و لا يستطيع أي مواطن الاستغناء عن الخدمات  التي يقدمها . و يعتبر الإعلام أسرع و أقوي وسيلة لنقل المعلومة والترفيه و التسلية. كما أنه أنجع واسطة للتعريف بكل أنواع الفنون من سينما و أدب و شعر و غيرها . و هو الواسطة الأسهل لدراسة مراحل  تاريخ  أي مجتمع من خلال الأرشيف التلفزيوني . و إذا نظرنا إلى الإعلام التونسي فإننا نجد بونا شاسعا بينه و بين الإعلام العربي و الأجنبي. فأغلب البرامج التلفزية الخاصة  يطغى عليه طابع الابتذال و التفاهة. هذه البرامج التي تجلب نسبة مشاهدة واسعة تساهم في تردي الذوق العام . ليس من أولوياتها  إعطاء قيمة للفكر بل يقع السخرية من الشعر و الأدب و إبرازهما ولو بطريقة غير مباشرة في شكل تهكمي ، كلما سنحت الفرصة . و تميز الثرثرة و السطحية  محور هذه البرامج. و لا يخرج المتفرج بأي إفادة فكرية منها. كما أنها تعمد للإثارة لجلب المشاهد و هو ما يثير دائما استنكار الرأي العام إما من وجهة نظر أخلاقية أو جمالية و فكرية. و حتى إن شاهد التونسي هذه النوعية من البرامج فانه يبقى مغتربا فيها لأنها لا تمثل انتظارا ته و لا اهتماماته. و يرجع السبب الأهم لرداءة مستوى أشهر البرامج التلفزية الخاصة إلى أن هذه القنوات ليس همها المحافظة على الذوق العام الجمالي و إنما الربح المادي هو الهدف الوحيد من وراء الابتذال .و ما المواد الإعلامية إلا سلعا تجارية  معروضة للبيع  يجب أن تلقى حريفا بأي طريقة مما يجلب أكثر إشهار و أكثر أموال .
أمام انتشار تفاهة و ابتذال البرامج التلفزية الخاصة يتواصل فشل التلفزة الوطنية في إنقاذ المشهد الإعلامي. لا يهتم القائمون على البرامج في التلفزة  بالمشاهد التونسي. فهم يستهترون بحقه في إعلام يوافق اهتماماته.  فالحصول على الترفيه و التسلية و الثقافة الإعلامية حق مدني يجب على التلفزة الوطنية توفيره للمواطن فهو ليس هبة أو معروفا تقدمه للمواطن التونسي الذي يدفع لها مالا . و في الوقت الذي تشتهر فيه البرامج التافهة تفشل برامج التلفزة الوطنية في شد المتفرج.
الملفت للنظر أن لا يعرف الأطفال ، فئة التلاميذ، من التلفزة الوطنية إلا برامج الكرة في حين نجدهم يتابعون برامج في قنوات خاصة و يستعملون لغتهم و عباراتهم التي دائما تحمل معاني بذيئة و هو ما يهدد الذوق العام للأطفال . 
وعوضا عن تقديم برامج تجذب المشاهدين للتلفزة الوطنية، بعدد اكبر،   يحتمي  أصحاب البرامج التلفزية ،لتبرير الفشل، و راء مقولة أن برامجهم جدية و لا تحتوي على الإثارة . و يغيب عنهم أن  الجدية لا تعني فقط  غياب الإثارة و إنما تعني أيضا الجودة و الحرفية و الاجتهاد و التجديد المتواصل. فبرامج الأرشيف  التي بثت على التلفزة الوطنية تفوق حرفية و جودة البرامج التي تبث الآن رغم استعمال التقنيات التكنولوجية الحديثة. التقديم التلفزي يتطلب إبداع و روح فنية لان المنشط يمتلك الحرية في تنويع التقديم و تغيير الأفكار إن لم تنجح. و الجلي أن المقدمون في التلفزة الوطنية لا يمتلكون الروح الإبداعية. فحتى إن كانت الفكرة جيدة فان تنفيذها و تقديمها تبقى عادية و مكررة.المنشط يجب أن تتوفر فيه شرط الثقافة و الاطلاع الواسع على  الاهتمام المشترك بين اغلب المجتمع التونسي.
فشل برامج التلفزة الوطنية يوحي أن المدراء العاميين لا يتفرجون فيها أو تنقصهم القدرة على التمييز بين البرنامج الجيد أو الضعيف. وهذا  قد يفسر إيقاف برنامج ناجح جدا مثل "عائلتي بالدنيا" الذي كان يبث في 2015 و لم يستطع أي برنامج بعده تحقيق نجاحه. وفي المقابل تتواصل برامج تلفزية عادية أو فاشلة بطبعها. مثلا، برنامج "جمهورية الثقافة "بقي كما هو و لم يتطور و هو ما يجعل المهتم بالفكر و الفنون ينفر من مشاهدته و يخسر بذلك عدد من المشاهدين. كذلك برنامج "المجلة الصحية" رغم انه يهتم بالصحة يعيش حالة إنعاش إن لم نقل انه ميت منذ زمن. عدم التجديد  في طريقة تقديم  المادة     يعطي الانطباع أن المشرفين عليه ليس لديهم أدنى فكرة عن البرامج الصحية الناجحة في القنوات الأخرى . التكرار و الرتابة في تقديمه يجعل من التلفزة تخسر العديد من المشاهدين و كذلك يحرم العديد من المشاهدين المعلومة و الثقافة  الصحية المجانية. أما سهرة السبت فإنها تمثل تجني على حق المواطن التونسي في برنامج ترفيهي و ذي جودة في واقع يومي مرهق  نتيجة ضغط المشاكل الاجتماعية و النفسية التي نعيشها في تونس . فهو برنامج يبعث عن الملل و الضجر لأنه عبارة عن تجمع أشخاص يتجاذبون أطراف الحديث بطريقة متصنعة و إن اظهروا بعض الهزل ليصبح المتفرج كأنه طرفا دخيلا في الحوار وليس المتقبل الأساسي للمحتوى  المقدم. لا ينتبه المشرفون على التلفزة الوطنية إلى فئة سكان الريف . هؤلاء الناس ، إلى حد الآن، لا يمتلكون وسيلة ترفيه أخرى غير التلفزة. هذه البرامج المملة تعبر عن عدم اكتراث لهؤلاء الفئة من المجتمع الذين هم مواطنون درجة أولى و على التلفزة أن تقدر و توفر لهم حقهم المدني. 
ما يستنتج أن المدراء العاميين الذين تناوبوا على ادارة التلفزة الوطنية بعد 2011 يجهلون تركيبة و تطلعات المجتمع التونسي و هو ما سبب ضعف  مستوى برامج التلفزة الوطنية. إن استثنينا بعض البرامج التي بثت سنة 2015، و بها شهدت التلفزة بعض التقدم و الانتشار، فان مستوى أكثر البرامج بقي بين  المتوسط والضعيف  . و هذا جعلها تعجز عن منافسة ضجيج البرامج الرديئة في القنوات الخاصة.
بتهاوي الإعلام العمومي تضيع الذاكرة الوطنية و نفقد مادة جيدة للأرشيف التلفزي التونسي قد تفتخر به  الأجيال القادمة .
 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

معذرة إن تضمنت بطاقتي كلمات ما تعودت على ذكرها فأنا مجبر على الدخول من بابين باب «مخاطبة الناس بم
20:15 - 2019/07/17
أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ عشر سنوات أن يكون يوم 18 من هذا الشهر الجاري الذي يصادف الغ
20:15 - 2019/07/17
أشرف الجبري (خبير محاسب)
20:30 - 2019/07/15
تطرح اليوم مسألة القائمات المستقلة في الانتخابات الرئاسية والتشريعية الكثير من التساؤلات.
20:30 - 2019/07/15
يقول الكاتب الكويتي خليل علي حيدر في مقاله «جدل في البطّيخ والشّمّام» بمجلة «العربي» العدد 13 أفر
20:30 - 2019/07/15
إن الفكرة الجوهرية لهذه المقالة هي الدعوة إلى تدريب العقل التونسي على مبدإ جديد يسود اليوم العلاق
20:00 - 2019/07/11
آه لو كنا «توانسة صافين» لأعلنتها عالية علنا
20:00 - 2019/07/11