بالمرصاد .. حركة أولياء غاضبون هل كانت محايدة و بريئة؟

بالمرصاد .. حركة أولياء غاضبون هل كانت محايدة و بريئة؟

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/02/09

لا أحد يشكّ في ما عاناه أولياء التلاميذ ممّا حصل في المداس الإعداديّة والمعاهد الثانويّة ذلك أنّ الوضع قد انخرم تماما. الأستاذة يقاطعون الامتحانات ويدعون لمواصلة الدروس. التلاميذ يرفضون مواصلة الدراسة ويؤسّسون لترك المدرسة والخروج للتظاهر في الشوارع. طَرَفَا النزاع الوزارة ونقابة التعليم الثانوي  كلّ منهم مُتَمَتْرِس في مكانه لا يتنازل عنه في لقاءات  تسمّى بـ"التفاوض" لكنّها لا تزيد مواقف الطرفين إلّا تصلّبا ثمّ  تَعْقُبها تصريحات متشنّجة تسقط في يد كلّ المعوّلين على هذه اللقاءات لزحزحة الوضع وإيجاد مخرج لهذه المعضلة التي طال أمدها وصارت فعلا تهدّد بخروج المؤسّسة التربويّة عن وظيفتها الأصليّة    وتنبئ بسنة بيضاء.وعندما تدخّلت المركزيّة النقّابيّة مباشرة  لكسر حاجز عدم الثقة بين الوزارة ونقابة التعليم الثانوي ودخل الأمين العام بنفسه في مفاوضات مع الحكومة لإيجاد الحلّ الذي ليس فيه منتصر ومهزوم بل هو حلّ يتنازل فيه الطرفان لما فيه مصلح أبنائنا التلاميذ ويبقي الباب مفتوحا ليتواصل الحوار بعد رجوع الدراسة وتأمين إتمام السنة الدراسيّة في ظروف عاديّة ذلك أنّ قدر الوزارة والنقابة أن يجدا أرضيّة للتفاهم بدون شيطنة بعضهم البعض وبعيدا عن منطق الربح والخسارة.
 في هذا الظرف بالذات كانت تنسيقيّة «أولياء غاضبون» تستعدّ للتظاهر يوم الجمعة بعد الظهر للدفاع عن حقّ أبنائهم في الدراسة وكانت الأخبار المتسرّبة من لقاء الأمين العام والحكومة أنّ المشكل سيوجد له حل في الساعات القليلة القادمة وأنّ الدراسة ستعود طبيعيّة بعد العطلة  وكان على القائمين على حركة أولياء غاضبون أن يتحلوا بالحكمة ويساعدوا على نجاح هذا المسار بتأجيل تحرّكهم  وقد استمعتُ يوم الخميس مساء للأخ بوغلاب يقول بكلّ تلقائيّة وكأنّ الأمر بالنسبة له مفروغ منه" الآن لم يعد لتحرّك الأولياء معنى إذ الكلّ –حكومة واتّحاد- يَعِدون بالحلّ العاجل.لكن يبدو أنّ لتنسيقيّة «أولياء غاضبون» رأيا آخر فهي لا تريد أن تفرّط في هذه الفرصة وواصلتْ بكلّ الوسائل دعوة الأولياء وحتّى التلاميذ للتواجد في المكان والزمان المحدّد لتنفيذ برنامج الغضب الذي سطّروا له.وهذا من الحقوق التي لا ينازعها فيها أحد إذ الحراك المدني منصوص عليه في الدستور وتكفله القوانين .لكن الملاحظ المحايد  يشعر  بأنّ هذه التظاهرة لم تكن بريئة ولا محايدة ولا تبحث عن حلّ لأزمة التعليم فكيف ذلك ؟
 سأبدأ بالتوقيت الذي وقع اختياره فقد شابه عدم البراءة إذ المفروض والمنطق يقتضي اختيار يوم راحة للنزول للشّارع للتظاهر أمّا اختيار يوم الجمعة وهو يوم عمل واختيار التوقيت الساعة الثانية بعد الظهر وهو التوقيت الذي من المفروض أن يرجع فيه الموظّفون لإداراتهم لا النزول للشارع  ثمّ أن تتزامن المظاهرة مع صلاة الجمعة فهذا دافع للريبة على مدى حياد التظاهرة .
أمّا من حيث المستهدف من هذه التظاهرة  فإنّ هذا التحرّك الذي انطلق من أمام المسرح البلدي قد توجّه لمقرّ الإتّحاد العام التونسي للشغل وكنّا نتوقّع أنّ من باب العدالة والإنصاف أن يتوجّه المتظاهرون كذلك إلى وزارة التربيّة لأنّه طالما ردّدْنا أنّ المتسبّب في هذه الأزمة هي نقابة التعليم الثانوي و وزارة التربيّة فلماذا لم تتوجّه المظاهرة إلى وزارة التربيّة والمسافة وبين مقرّ الوزارة و مقرّ الإتّحاد  غير بعيدة ؟هل المخطّطون لهذا التحرّك غاب عنهم أنّ سبب المشكل هما طرفان لا الإتّحاد فقط؟ أم المراد من هذه التظاهرة استهداف رمزيّة الاتّحاد العام التونسي للشغل؟
ثمّ إنّ الذي يدفع إلى الاعتقاد أنّ التحرّك قد حاد عن مساره الحقيقي أي هو ليس بريئا هي الشعارات التي رفعتْ والتي كالت للإتّحاد وللنقابة كلّ النعوت و التهم وجعلتْ منه المتسبّب الوحيد في ما آل إليه الوضع في ميدان التربيّة في حين كانوا يتوجّهون بالنداء لرئيس الجمهوريّة والحكومة ونواب البرلمان ومختلف الهياكل ذات العلاقة إلى التدخّل الفوري لرفع المظلمة المسلّطة على أبنائهم وتحيّدهم عن الصراع القائم بين الوزارة والمدرّسين. معنى هذا أنّهم يُقِرون بمسؤوليّة الجميع بما فيها الوزارة؟  كما صرّح رئيس الجمعيّة التونسيّة للأولياء المشارك في هذه التظاهرة» رضا الزهروني» أنّ المطلب الأساس اليوم بعيدا عن سياسة لي الذراع هو تمكين التلاميذ من إجراء الامتحانات والتعهّد سياسيّا واجتماعيّا وأخلاقيّا بأن لا يتمّ مستقبلا حشرهم في مثل هذه الصراعات؟ فهل سي الزهروني يقصد الصراعات بين الوزارة والنقابة أم هو يرى أنّ هناك من يفتعل الصراعات على حساب المدرسة والتلاميذ ؟  وأرجع «رضا الزهروني» مسؤوليّة الأزمة الحاصلة في قطاع التعليم إلى ما عبّر عنه بسوء تصرّف الدولة بسلطاتها والمجتمع المدني؟ وهل يقصد إنّ هذه التظاهرة التي تقوم بها تنسيقيّة أولياء غاضبون  هي حصر الأولياء المنتمين لجمعيته في الصراعات؟   .فلماذا إذا التهجّم ورفع الشعارات ضدّ الإتّحاد فقط وكأنّه المتّهم الوحيد في هذه القضيّة؟فهل هناك «إنّ» في هذا الموضوع؟ 
أمّا من حيث المشاركين فمن المؤسف أن نرى تلاميذ في عمر الزهور يُجَيَّشُون ضدّ أساتذتهم ويُلقّنُون شعارات هي أقرب للسياسة منها للمطالبة بالحقوق ويَتوعّدون الإتّحاد وينادون بإسقاطه  وبشعارات   مثل" ديقاج" و"يسقط الإتّحاد" والمطالبة بتطهير الإتّحاد ؟ فهل أنّ الإتّحاد وكر للخونة حتى نطهّره؟ وهذا الشعار بالذات هو الذي رفع يو4ديسمبر 2012 ذلك اليوم الذي عاش فيه الإتّحاد تلك المحنة التي أريد من ورائها احتلاله من طرف حزب سياسي يحكم البلاد  وبتواطؤ واضح مع التكفيريّين ولجان حماية الثورة التي طالما روّع المنتمون إليها المجتمع التونسي  زمن حكم الترويكا والذين نالهم شرف الاستقبال والتكريم من المؤقّت الذي سكن قصر  قرطاج  كما رُفِع شعار يا أستاذ يا جبان التلميذ لا يهان والمطالبة بالاقتطاع والإحالة على مجلس التأديب واعتبار المطالب النقّابيّة وسيلة للضغط لتحقيق منافع ماليّة  فهل المشاركون في هذه التظاهر هم من الأولياء الذين تضرّروا من وضع أبنائهم  وأتوا للمساعدة على إيجاد حلّ أم اندسّ بينهم من لهم حسابات أخرى مع الإتّحاد؟ . أم-وهو الأخطر ونتمنّى أن لا يكون-أنّ القائمين على تظاهرة «أولياء غاضبون» لهم حسابات قديمة مع الإتّحاد وجدوا الفرصة مواتية لتصفيتها وأقصد خاصة حزبا سياسيا ولجان تخريب الثورة الذين تكتّلوا في يوم من الأيام ضدّ الاتّحاد وعزموا على الإطاحة به إذ هو الحجرة العثرة الكأداء أمام مخطّطهم وظنّوا انّ الفرصة مواتية اليوم لتحقيق مطمحهم؟
والغريب والذي يدفع للتساؤل هو أن تنطلق هذه التظاهرة مع الانطلاقة الفعليّة لوضع حدّ لهذه المعضلة التي أصابت ميدان التربيّة بلقاء بين الوزارة والمركزيّة النقّابيّة  فهل أريد لهذه المحاولة -بهذا التجييش- أن تفشل حتى يتواصل هذا الخلاف لقضاء مآرب سياسويّة خاصة وأنّ الجبهة الشعبيّة والكثير من منظّمات المجتمع المدني عبّرتْ عن تضامنها  مع الأستاذ في مطالبه فأريد بأن تكون هذه المظاهرة ردّا سياسيا على هذا الموقف لذلك لم تُؤجّل المسيرة رغم بوادر الصلح ولم تُؤطَّر من الشعارات المتردّية حتّى لا تساهم في حلحلة الوضع بل أريد لها أن تعمل على تعميق الخلافات و تقوم بدور صبّ الزيت على النار  لمزيد من التأزّم ؟  
إنّ دفع التلاميذ للخروج للشارع للتنديد بأساتذتهم في تظاهرات في كلّ أنحاء الجمهوريّة  وتظاهرة «الغضب» التي استهدفتْ الأساتذة دون سواهم والشعارات المرفوعة في هذه التظاهرة سوف لن تسمح بحلّ أزمة التعليم حتّى لو وقع الاتّفاق بين الإتّحاد والحكومة حول المطالب لأنّ الأزمة تعمّقتْ وتداخل فيها الجانب المادي بالجانب النفسي وهذا سيبقى كامنا في أفئدة الأساتذة والتلاميذ وسوف لن تستقيم معه العمليّة التربويّة مستقبلا فالسنة الدراسيّة سوف لن تكون بيضاء نعم لكن لا يمكن لعاقل أن يتصوّرها سنة كسب العلم والمعرفة إذ الانكسار الذي سيكون عليه رجال التربيّة كمتّهمين والانْتِشَاء الذي سيكون عليه التلاميذ والأولياء كمنتصرين سيكون أكبر عائق للتواصل بين المربّي والتلميذ هذا التواصل الذي بدونه لا تربية ولا علم ولا تعلّم.معنى ذلك أنّ هذه السنة التي لا نريدها سنة بيضاء سوف تكون سنة عجفاء وبين السنة البيضاء والسنة العجفاء خيط دقيق لا يمكن رؤيته إلّا بعد فوات الأوان.وقديما قيل: 
لا تنهى عن خلق وتأتي مثله...عار عليك إذا فعلت عظيم 
وتفسير هذا البيت بلغتنا الدارجة البليغة «شِيطَانْ وُيَنَهَى عَلَى المُنْكِرْ»

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

انطلق الربيع العربي من تونس لتنتشر موجة إسقاط الانظمة القائمة وغالبا بنفس التسلسل : حادثة كبيرة م
20:00 - 2019/04/21
يؤكّد علماء الإسلام من فقهاء ومفسّرين أنّ السنّة الشاملة لأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله
20:00 - 2019/04/21
الجميع يتساءل عن الحل لإرتفاع الأسعار وتدهور الخدمات وإنخفاض قيمة الدينار  والإنهيار الاقتصادي
21:22 - 2019/04/18
«تونس ترابها سخون بأوليائها الصالحين»
20:15 - 2019/04/16
وهل أعظم من هذا الإجرام : يحرّفون الكلام عن مواضعه مدّعين المعرفة بعلوم الأوّلين و الآخرين ومتبجّ
20:15 - 2019/04/16
هل جربنا الشغف بالمستقبل وهل أن الغد في مدوناتنا الأدبية والفنية حاضر حضور القوة والأمل والبهجة أ
20:15 - 2019/04/16
إن المتابع للشأن العام ولما يحدث خصوصا في المشهد السياسي ببلادنا له أن يتساءل في ظل ما يراه من اح
20:00 - 2019/04/15
بقلم الدكتور علاء الدين سحنون الكاتب العام لنقابة اطباء القطاع الخاص فرع سوسة
20:00 - 2019/04/15