بالمرصاد ..عندما يستشهد رئيس وزراء بريطانيا بأفكار ابن خلدون

بالمرصاد ..عندما يستشهد رئيس وزراء بريطانيا بأفكار ابن خلدون

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/12/01

ينتصب تمثال عالم الاجتماع «عبد الرحمان ابن خلدون» في مكان استراتيجي في قلب العاصمة وقد عوّض به الزعيم الحبيب بورقيبة تمثال السيئ الذكر « الكردِنَال لا فِيجْري»الذي انتصب في مدخل المدينة العربي الذي أقامه الاستعمار بمناسبة مئاويّة ولادته (1925)حاملا الإنجيل في يسراه والصليب في يمناه وهو رمز للتنصير والحروب الصليبيّة.وأن يعوّض عالمٌ مثل(ابن خلدون) رجلَ دين استعماري يريد غزو البلاد وتنصيرها فيه  دلالات كبرى على الخيارات الوطنيّة  التي تبنّاها قادة هذا البلد الصغير منذ تمتّعه باستقلاله من أقوى دولة استعماريّة ويا ليْتَ بن سدرين وأمثلها يعرفون هذا.
 وابن خلدون وإن هو ولد في تونس فإنّه لم يلاق من أهلها وحكّامها إلّا المظالم و الجحود فقد عاش مغتربا من بلد إلى آخر حتّى لحقتْه المنيّة وهو في مصر بعد أن فقد كلّ أفراد عائلته بينما كان يترقّب  بشوق كبير وصولها واللقاء بها وهو على رصيف الميناء إذ أبتْ عاصفة هوجاء إلّا أن تتلاعب بالسفينة وتغرفها أمام عينيه بما حملتْ من أهل وبنين ومتاع فزاد هذا الحادث من مأساة الرجل الذي عرف كلّ أنواع الجحود من أهله شأنه في ذلك شأن كثير من العظماء الذين عرفتهم هذه الأرض وتنكّر لهم أهلها أمثال الطاهر الحدّاد.
     ويَعْتَبِرُ الأستاذ «ابراهيم شبوح» إصداره لكتاب ابن خلدون -بتحقيق علمي غير مسبوق وفي طبعة أنيقة تليق بمكانة ابن خلدون- هو ردّ الاعتبار لهذا الرجل الذي لاحقته المظالم والمصائب طول حياته. 
     ويُعْتبر عند الرحمان ابن خلدون نتاجا زينونيّا إذ تخرّج من جامع الزيتونة وأساس شهرته تأليفه كتابه المشهور الـ:»كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر»هذا الكتاب هو موسوعة تاريخيّة طبع بعنوان تاريخ ابن خلدون ويتصدّر كتاب العبر كتاب المقدّمة التي تحتوي على آراء وأفكار جعلتْ الباحثين يعتبرون ابن خلدون مؤسّس علم الاجتماع وقد تناول في هذه المقدّمة أغلب ميادين المعرفة من تاريخ وجغرافيا واجتماع وسياسة واقتصاد وعلوم شرعيّة. 
    ولعلّ رئيس وزراء بريطانيا الحالي قد تعرّف على أراء وأفكار ابن خلدون من خلال المؤتمر الذي أقيم سنة 1978 بمناسبة مرور 600سنة على تأليف المقدّمة وكذلك من خلال الترجمات العديدة التي عرفها هذا الكتاب ذلك أنّ السيّد «يوريس جونسون» قد ذكر في حوار له معه جريدة «الغارديان» الشهيرة أنّه معجب بابن خلدون خاصة في مجال تصوّره الاقتصادي وتخفيف الضرائب موضّحا أنّ ابن خلدون له تأثير كبير في تطوّر الاقتصاد والسوق الحرّة وأنّه يتّخذه قُدْوْة في مجالات التي تقوم على نفس المبدأ الذي  هو» تنقيص الضرائب للزيادة في عائدات الضرائب».
   فهل حكّامنا اليوم وواضعو قانون الماليّة وأعضاء مجلس النوّاب الذين سيناقشون هذا القانون ويسصادقون عليه يعرفون آراء ابن خلدون في أهمّ مورد من موارد  الميزانيّة وهي الضرائب والتي  كان سوء تقديرها وتضمينها في ميزانيات الدولة من أهمّ أسباب الفشل الاقتصادي للحكومات  السابقة؟ إنّ الحكام عندما تغيب عنهم الحلول  لحلّ الأزمات الاقتصاديّة يعمدون إلى الزيادة في الضرائب التي تثقل كاهل الأفراد والمؤسّسات وتؤدّي إلى نتائج عكسيّة تزيد في تدهور الاقتصاد والتخبّط بدون مخرج من هذه الأزمات كما هو وضعنا الآن.  فهل كان وضعنا الاقتصادي سيكون على ما هو عليه اليوم لو اقتدى حكّامنا عند وضع الميزانيات -مثل رئيس الوزراء البريطاني- ببن خلدون وعملوا بقاعدة الذهبيّة وهي «التنقيص في الضرائب للزيادة في عائدات الضرائب»؟ الجواب طبعا لا لأنّ حكامنا يترفّعون عن أفكار ابن خلدون.وحتّى لا أظلم أحدا فإنّ السيّد طارق الشريف رئيس منظمة «كوناكت» طالما دعا لتطبيق هذا المبدأ-التنقيص في الضرائب للزيادة في مردودها- وكانت آخر مرّة بعد خروجه من عند رئيس الحكومة المكلّف لكن من سيستمع إليه؟ 
         دَعْنَا من الماضي ولِنَعُدْ لواقعنا فما رأي السيّد رئيس الحكومة المكلّف؟ وهل سيحاول أن يعيد النظر في موضوع الضرائب في ميزانيّة 2020 أم سيُبقي دار لقمان على حالها لعدّة أسباب يصعب عليه تجاوزها؟ فيتعلّل بضيق الوقت ويواصل كسابقيه «تعلّم الحجامة في روس اليتامى» ويعمل بقاعدة «دزّ تخطف» و«لا يردّ فاس على هراوة  » وزيد الماء زد الدقيق» ويواصل التشاور مع الجزيري  ومخلوف ويقول لابن خلدون خلّي أفكارك عندك ويقول لرئيس وزراء بريطانيا دبّر على غيري.؟  ويُبْقي دارا لقمان على حالها مع العلم أنّ هذا المثل لا ينطبق على» دارنا»   لأّنّ بقاء دارنا على حالها غير ممكن بل  سيؤدّي بها للانهيار لأنّ  أخطارا عديدة تتهدّدها والمطلوب من «المكلّف» الوقوف عند ما قاله خبراء الماليّة وخاصة ما قاله أمس الكاتب العام للإتّحاد العام التونسي للشغل بلهجة واضحة  لأنّ خطورة الزيادة في الضرائب لا يعلمها  إلّا الله والراسخون في العلم  المهمّشون من السياسييّن الذين لا يستمعون لنصائحهم. فهل سيقتدي حكّامنا برئيس وزراء بريطانيا ويعملوا بما قدّمه لهم بدون تكليفهم عناء الرجوع إلى كتاب ابن خلدون-هندي مقشّر-أم سيواصلون  في تعنّتهم عملا بقاعدة «ضربة في غير جنبي كأنّها في حيط»أو ما بعدي هو الطوفان.  

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

أولا وبادئ ذي بدء، لا يمكن إلاّ أن نترحّم على شبابنا وشاباتنا الذين قضوا نحبهم في كارثة الحادث ال
20:20 - 2019/12/05
أمرٌ طالما انتظرته منذ 2014 فلم يأت مع الحبيب الصيد ثمّ لم يأت مع يوسف الشاهد وها أنّه يأت اليوم
20:15 - 2019/12/05
على مرآى من عين دراهم وعين السنوسي حيث جدت الكارثة التي أبكت كل العيون التونسية.
20:15 - 2019/12/05
كنت كلّما زرت بلدتي الطيّبة سألت عن مؤدّبي منذ ستّين سنة، ومؤدّب ولديّ منذ عشرين، فأجبت بردّ مطمئ
20:00 - 2019/12/05
تناولنا في الأسبوع الماضي في خضم محاولة طرح الجندرة في الحقل الديبلوماسي ما يمكن أن تضيفه المرأة
20:15 - 2019/12/03
بقلم: سهيل بيوض (ناشط حقوقي)
20:30 - 2019/12/02
كلّما وصل إلى سمعي صوت بائع متجوّل ينادي مشهرا سلعة تذكّرت من زمن الطفولة باعة جوّالين بمختلف الس
20:00 - 2019/12/01
بخاصتنا وعامتنا جميعنا نتحدث عن «تحتات الوضع» وهي عديدة ونجمع على أن الوضع:
20:00 - 2019/12/01