بكل موضوعية..التحديث: التعثرات والتراجع (1 ـ 2)

بكل موضوعية..التحديث: التعثرات والتراجع (1 ـ 2)

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/10/08

ما نعيشه في هذه الأيام من حراك سياسي وإعلامي يجعلنا نضع سؤال المشروع التحديثي في ميزان النقد وذلك من خلال تأمل كيفية التفكير والأفكار وأيضا كيفية التعبير عن الأفكار والعلاقة بين الأفكار المختلفة وأصحابها ومدى حدود قبول الاختلاف.
إن هذه النقاط لا تهمنا في حد ذاتها ومنها نحاول التفكير بصوت عال في التحديث في بلادنا والبلدان العربية لأن ما نحن فيه من خطاب وفكر وأفكار يعطينا نظرة واقعية حول ما إذا كانت الحداثة العربية التي تم تفعيلها بعد حصول بلداننا على الاستقلال تباعا تعتمل بخير وفي الطريق الصحيحة خصوصا أن مسار التحديث عرف تعثرات تؤكدها اللخبطة التي نعيشها حاليا وتجعلنا في مفترق الطرق.
طبعا هناك فرق ما بين الحداثة والتحديث: فالحداثة منظومة قيمية تولي للذات مركزية مطلقة وللعقل علوية استثنائية والحرية الأفق الأوحد. فهي من شقين الأول مادي ويتمثل في مظاهر التحديث المادية والثانية معنوية وتشمل الرموز والقيم والمعاني. في حين أن التحديث هي عملية إدخال مظاهر الحداثة في حياة مجتمع ما وجعلها بديلا لهياكله التقليدية. لا تفوتنا الإشارة إلى أن الفصل بين الحداثة والتحديث مسألة اعتباطية حيث إن مظاهر التحديث الماديّة هي حاملة للقيم وللثّقافة التي تحتاج إلى الوقت وإلى المعارك القيمية كي تتغلغل وتتجذر. ودليلنا في هذا أن الثورة الصناعية في انقلترا كانت سابقة ومُمهدة للثورة الفرنسية. إذا كان من الصعب الحديث عن حداثة في الفضاء العربيّ الإسلاميّ فإنّه من الموضوعيّة عدم إنكار عملية بذل جهد من أجل التّحديث في مجتمعاتنا، ما فتئت تقوم به نخب متتاليّة وهو جهد انطلق منذ قرابة النّصف قرن واستند إلى إرث قبله وتلاقح أيضا مع تجارب الآخر في الانفتاح القيمي والتبادليّة الحواريّة الثّقافيّة. 
مشكلتنا في الوقت الراهن أن التحديث في بلداننا  بشكل عام قد عرف تعثرات حقيقية أطاحت بالخطوات التحديثية التي قطعت والتي كانت تحتاج بدورها إلى التراكم والجهد كي تتأكد أكثر بشكل يسمح بمحاورة قيم سليلة الحداثة. بل إن التعثرات الحاصلة قد أنتجت لخبطة قيمية بدلا عن التلاقح القيمي إضافة إلى ما نراه من انفصامية عميقة بين مظاهر تدل على التحديث ومظاهر تدل على الدوغمائية والانغلاق ورفض المعاصرة.
إذن يمكن وصف واقع التحديث بأنه متعثر ويواجه إخفاقات خطيرة ويعرف توترات عدة مانعة لحماية المنجز التحديثي ومانعة للتراكم اللازم.
السؤال: لماذا تعثرات مسارات التحديث في مجتمعاتنا رغم البدايات المشجعة التي عرفتها حقول التعليم والصحة والعقلنة؟ وكيف وجدنا حصاد مشروع الدولة الوطنية التونسية الحديثة بعد عقود من البناء والريادة العربية في التحديث؟
يبدو لنا أنه يمكن التوقف عند سببين اثنين كبيرين أولهما حرب الخليج وما انجر عن ذلك من حرب طويلة قاسية على العراق والخليج والعالم العربي مشرقا ومغربا. والسبب الثاني استثمار حماسة المشاعر الدينية والغليان الهوياتي من طرف الحركات الدينية ومضاعفة التوظيف مع تراكم تداعيات تلك الحرب سواء على نظرة الآخر لنا أو تتابع تدهور الاقتصاديات العربية.
 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

منذ أن تمّ الإعلان عن النتائج النهائية للانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها ثم الانتخابات التشريعي
08:00 - 2019/12/09
لقد وصلنا اليوم في تونس إلى حدّ لا يمكن معه لأيّ وطني صادق في حبّه 
06:10 - 2019/12/09
قياسا على أغنية أمّ كلثوم ... أقول : الأولى في مصر، والثانية في سوريا، والثالثة.  
06:15 - 2019/12/08
كلّما كحل النوم عيني، وحتى بين رمشة عين وأخرى في اليقظة يطاردني نفس الحلم «الكشماري».  
06:15 - 2019/12/08
في بلدي فقط مازال الوهم قائما في استقامة ظل ذيول الكلاب وجرائها وإن كانت شيمتها الاعوجاج الأبدي
06:00 - 2019/12/07
عنوان غريب – ولا ريب – على الجميع، باستثناء أهل بلدتي الطيّبة التي تذكّرني بها، وأنا بعيد عنها، ع
06:00 - 2019/12/07
أولا وبادئ ذي بدء، لا يمكن إلاّ أن نترحّم على شبابنا وشاباتنا الذين قضوا نحبهم في كارثة الحادث ال
20:20 - 2019/12/05
أمرٌ طالما انتظرته منذ 2014 فلم يأت مع الحبيب الصيد ثمّ لم يأت مع يوسف الشاهد وها أنّه يأت اليوم
20:15 - 2019/12/05