بكل موضوعيّة..شجاعة طرح الأسئلة (2-2)

بكل موضوعيّة..شجاعة طرح الأسئلة (2-2)

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/11/06

    
على هامش بعض ملاحظات تتصل بما حف بالانتخابات الرئاسية من نقاشات ومعارك، حاولنا توصيف علاقتنا بالديمقراطية وما يشوبها من انفصام. ذلك أنه كما أبرزنا فإنه نظريا الكل يمتدح الحرية والديمقراطية والحداثة والعقلانية. وهو مديح لا يعير أي اهتمام لشروط الانخراط في لعبة الحرية بوصفها لعبة في منتهى الجدية ولا غنى عنها للإبداع والتقدم وللتحقق الذاتي والمجتمعي والإنساني.
فالمأزق هو في الحقيقة في شروط الحرية بدليل أنّه في أبسط تماس مع شرط من شروطها يحدث التصادم ويكشر الكثيرون منا عن رفضهم لهذا الشرط مرة بسبب الخصوصية المبالغ في توظيف خطابها ومرة لأن الاستعداد الثقافي يكاد يكون منعدما.
طبعا المعركة مع شروط لعبة الحرية والديمقراطية والمواطنة وغيرها من القضايا البراقة التي نتداولها صباحا ومساء في حواراتنا وفي وسائل الإعلام ...هذه المعركة هي التي يحلو لي وصفها بالمخاض.
وكي لا ننخرط في جلد الذات من المهم الإشارة إلى أن المخاض ظاهرة طبيعية وصحية وتعرفه كل عمليات التغيير الثقافي الكبرى في تاريخ المجتمعات. فالانتقال من مضمون قيمي ثقافي معين إلى غيره عملية صعبة وتحتاج إلى الوقت والجهد والنضال والتضحيات وخاصة الشجاعة والجرأة. إلا أن ما نلاحظه أن المخاض في عملية التغيير الثقافي في مجتمعاتنا مؤلما أكثر مما يجب ومفتوح على عدة سيناريوهات سيئة أي أنّه يطل على كارثة أكثر مما يسير في اتجاه الولادة والأمل والفرح.
إنّ الانخراط في لعبة الديمقراطية مثلا يقوم على مجموعة من الشروط لا مجال للتفاوض في شأنها. ونفس الشيء بالنسبة إلى مسألة المواطنة التي أصبحت حديث مجتمعاتنا اليوم والكل يطالب بها والنخب تتبجح بما حققته في سبيل تجسيد قيم المواطنة والحال أننا لم نهضم بعد مفهوم المواطنة ولم نبدأ المعركة مع قيمها التي تمثل شروط لعبة الانخراط في المواطنة. 
لا شك طبعا في أن كل عملية تغيير قيمي ثقافي هي ليست سحرية ولا تتم بين ليلة وضحاها وأنّها تحتاج إلى الوقت كي تتغلغل في الممارسات والتمثلات الاجتماعية ولكن هناك فرق بين أن تبدأ معركة التغيير وأن ترفض بشكل مباشر وغير مباشر شروط لعبة تلك المعركة. فكل شيء هو مسار: الحرية والعقلانية والمواطنة والتحديث...طرق تُقطع خطوة خطوة مع ما يتخلل ذلك من عراقيل وتعثرات ومطبات وإخفاقات تعيدنا آحيانا إلى نقطة الصفر.
فالمواطنة كطموح رئيس تتسابق حوله مجتمعاتنا هي منظومة قيم وشروط ويكفي أن نستوعب بشكل معمق أن المواطنة تعني من بين أهم ما تعنيه المساواة وعدم التمييز بين المواطنين في الحقوق والواجبات على أساس الجنس أو الدين أو العرق حتى ندرك كم نحن مخطئون عندما نتحدث عن المواطنة في المجتمعات العربية. وفي أحسن الحالات سنجد أن البعض من مجتمعاتنا قطع بعض الخطوات في مسار المواطنة من خلال محاولة توفير شرط أو بعض من شروطها.
يبدو لي أن طرح الأسئلة بكل شجاعة هو ما ينقصنا: هل هناك تمايز بين المواطنين في بلداننا على أساس الجنس أو الدين أو العرق؟
إذا أجبنا بصدق فسيعرف كل مجتمع من مجتمعاتنا العربيّة الإسلاميّة كم تفصله عن المواطنة من عملية جراحيّة ثقافيّة. 
من المهم أن تتراكم الخيبات وتعي الذات التونسية ثغراتها وما يفصلها عن طموحاتها. لا يكفي أن نطمح بل الأهم أن نكون في انسجام مع طموحاتنا وندري استحقاقات أي طموح. بمعنى آخر من حق طموحنا الديمقراطي أن يتحقق ويكبر بأقل التناقضات ومظاهر التشظي التي تعكر صفو أي مسار وآحيانا تحوله إلى تجربة مؤلمة.

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

في بلدتي الطيّبة، زمن الشباب، دأبت على مجالسة الكبار، بدل الأقران، لأستفيد وأستمتع بما تناقلوا رو
20:20 - 2019/11/21
قالوا وتمسكوا بالقول: نريد تونس أخرى وشعبا آخر نعم تونس أخرى وشعب آخر
20:20 - 2019/11/21
ينصّ دستور 27 جانفي 2014  في فصله 148 على أنّه يتمّ إرساء المحكمة الدّستورية في أجل أقصاه سنة من
20:15 - 2019/11/21
رحل الرئيس (ايفو موراليس) عن الحكم في بوليفيا وكان اول رئيس لها من السكان الاصليين في انقلاب مغلف
20:15 - 2019/11/20
كل الأزمات التي تعيشها بلادنا وغيرنا من اشقاء"الربيع العربي" أزمةُ حُكمٍ.هي إذن أزمةٌ سياسيةٌ..
20:30 - 2019/11/18
بقلم الناشط الحقوقي سهيل بيوض (رئيس جمعية فورزا تونس)
20:30 - 2019/11/18
إعداد وتقديم: فتحي بن سعدة متفقد مركزي ورئيس مصلحة بالإدارة الجهوية للملكية العقارية ببن عروس
20:30 - 2019/11/18