بكل موضوعيّة..نحن والمستقبل (1 - 2)

بكل موضوعيّة..نحن والمستقبل (1 - 2)

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/04/23

تعلقت همتنا في المقال السابق بطرح أسئلة واضحة ومحرجة من فرط طابعها المباشر باعتبار أنها تستفز الذات الثقافية الحضارية وتحاول وضعها قريبا من موطن الداء. تساؤلاتنا كانت: هل نحن مجتمعات ذات علاقة جيدة بالمستقبل؟ هل جربنا الشغف بالمستقبل وهل أن الغد في مدوناتنا الأدبية والفنية حاضر حضور القوة والأمل والبهجة أم أنه يكاد يكون غائب وغير مفكر فيه؟ وإلى أيّ حد يمكن الدفاع عن وجود علاقة جيدة بما يسمى المستقبل أو الآتي أو الغد؟
كما عرجنا في سياق تحليلنا للأسئلة المشار إليها على فكرة كيف أن العالم اليوم منشغل بالغد والمجتمعات المسؤولة تخطط من خلال النخب التي تمثلها في السياسة والأخرى الثقافية الفكرية النابعة منها وتنتقدها لتكون أفضل... تخطط للمستقبل وترسم طريق المستقبل في شكل خطوات وانجازات وآفاق وتحدد لنفسها رزنامة دقيقة مضبوطة طبقا لتقديرات مبنية بدورها بشكل علمي.
نحن اليوم في عالم كشفت فيه المجتمعات المتقدمة عن خطة طريقها وأصبح مكشوفا للجميع وصفة النجاح والتقدم وقائمة الرهانات الجديرة بأن ترفع قبل غيرها. ومن لا يمتلك اليوم خريطة طريق واضحة ومدروسة ومحددة بالتواريخ والأرقام في النماء هو في الحقيقة خارج العالم ويعيش على هامشه. وحتى المؤسسات الدولية على غرار منظمات الأمم المتحدة هي تعمل للمستقبل وتضبط تواريخا للشعوب لتحقيق تقدم في مجالات عدة. وهو جهد نعتقد في وجه من وجوهه، إنما يهدف إلى تحسين ظروف التعامل بين الشعوب من منطلق أنه كلما كان المستقبل نقطة التقاء تأكدت الحاجة للتبادل وانخفضت أسباب التباين والتوتر لأن الملامح ساعتها تتماهى والمستقبل يصير فضاء للمصالح المشتركة أو القريبة من بعضها البعض. فالتباين بين الشعوب لا يخلق أرضية تواصل ولا يؤسس لشروط الحوار الحقيقي.
فهل نعرف نحن اليوم إلى أين سائرون؟ لا أظن لا سياساتنا تظهر ذلك ولا اقتصادياتنا تؤكد انشغالها وتخطيطها للمستقبل. فما نعيشه اليوم من مشكلات اقتصادية وارتفاع أرقام الفقر والبطالة وشبه الخضوع للصدفة والارتجال والقرارت السريعة الآنية يدل على غياب رؤية ومخططات واستراتيجيات. كما نلاحظ أن الاقتصاد مثلا الذي من المفروض أنه يخضع آليا للمستقبل نجده في غالبية بلداننا يحتكم إلى الغد القريب جدا ويربط مشاريعه وآفاقه بالبيئة التي يتحرك فيها والتي تتميز بعدم الاستقرار.
لذلك فإن غياب أسباب الاستقرار في بلداننا المغاربيّة والعربية والإسلاميّة يجعل من العلاقة بالمستقبل ضبابية وغامضة حيث لا مجتمع يستطيع البناء والحلم ورسم الأفق وهو غير مستقر سياسيا ولا اقتصاديا ولا اجتماعيا.
إن تهميش المستقبل كمسألة رئيسة في العقلية العربية يجعل من حديثنا عن التقدم والتنمية حديثا يفتقد إلى المصداقية. فالمجتمعات التي لا ترنو للمستقبل يقل فيها الابداع ويضيق فيها الحلم ويجف فيها الأمل وتتلاشى فيها جاذبية فكرة النجاح.
نحتاج إلى نقاشات مطولة حول المستقبل في الفضاء العربي لأن هذه النقاشات ستمكننا بطريقة غير مباشرة من نقد الحاضر ووضع الإبهام في جوف الثغرات لتأمين الطريق المثلى للمستقبل المعبر عنا وعن قدرتنا على التفكير والتخطيط والهندسة للغد.
لذلك فإن الأحزاب السياسية التي لا تبرمج لمستقبلنا ورجال الاقتصاد الذين لا يحددون ملامح الثروة على المدى القريب والبعيد والنخب التي لا تولي فكرها قبلة المستقبل ... جمعيهم يقومون بإقصاء شعوبهم قبل أن تفعل الشعوب التي يحكمها المستقبل أولا وأخيرا.   

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

خلال شهر رمضان يتّجه الكثير من الأنظار إلى الفئات المحرومة والمهمّشة والفقيرة سواء في العديد من ا
20:00 - 2019/05/18
بدأنا في مقال الأسبوع الماضي في مناقشة ظاهرة تبخيس الدنيا في الخطاب الديني الإعلامي والمسجدي وحاو
20:00 - 2019/05/18
بعض القرّاء يحتقر الكتب الصغيرة الحجم ، وكثير من الجامعيّين يستنكفون منها لتعوّدهم على الأطاريح ا
20:15 - 2019/05/15
يقولون تعددت الأسباب والموت واحد وللأسف لم يعد يكفي الموت أن يكون واحدا .
20:00 - 2019/05/15
السيد الحبيب شواط والي مدنين المحبوب أمام الجميع في جهته ولا خوف على الإطار الديني من الانحراف وا
20:20 - 2019/05/13
هل نقدر معا ان ننهض بوطننا؟ هل بإمكاننا نحن جميعا ان نغير وضعنا المتردي؟
20:20 - 2019/05/13
وضعت فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى عام 1990 تحت الانتداب البريطاني استنادا الي معاهدة سيفر الد
20:20 - 2019/05/13
 مهنة  عدالة الإشهاد هي مهنة عريقة  ضاربة  في التاريخ، حيث عرفت هذه المهنة منذ الفتوحات الإسلامية
20:20 - 2019/05/13