بكل موضوعيّة... تراجع فكرة المطبخ الداخلي (2-2)

بكل موضوعيّة... تراجع فكرة المطبخ الداخلي (2-2)

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/07/11

إن الفكرة الجوهرية لهذه المقالة هي الدعوة إلى تدريب العقل التونسي على مبدإ جديد يسود اليوم العلاقات الدولية. ويتمثل في سقوط فكرة الشأن الداخلي بالمعنى الذي كان يعانيه في السابق. ويمكن الجزم بأن ظاهرة الإرهاب ساعدت بشكل كبير في سقوط أسطورة الشأن الداخلي، باعتبار أنه داء يصيب الجغرا-سياسية على نحو يجعل ما يحدث في بلد ما هو يمس ويهدد ويؤثر بشكل من الأشكال في بقية البلدان.
من هذا المنطلق، فإن الخطاب السياسي الذي يدور حول فكرة الشأن الداخلي بشكل قدسي هو خطاب يغالط الناس والواقع ولا يهدف إلى ضرب خصومه فقط حتى لو كان ذلك بشكل بعيد عن المنطق والحجج.
ونلاحظ أن هذا الخطاب بات كثير التواتر في البلدان العربية وتحديدا التي تعرف أزمات وتوترات. ويمكننا أن نضرب أكثر من مثال على ذلك: ففي بلادنا كثيرا ما تمسكت المعارضة بالحق الكامل والصلب وغير المشروط في الخيارات الاقتصادية وتنتقد بشدة تدخل مؤسسة بنك النقد الدولي والحال أن بلادنا مقترضة منه وموقعة على التزامات. فالمنطق يقول إن من يقدم لك القروض لإنقاذ الاقتصاد فإنه لن يعطيك دون أن يضمن استرجاع القرض والفوائد. وبالنسبة إلى المؤسسات المالية فهي تمتلك رؤية وتصورا لذلك فإنها تقوم بالإملاءات لأنها تشك في جدوى التصورات الاقتصادية التي تؤدي بالبلد إلى التداين من الخارج بشكل يفضح فشل التنمية وغياب الاستثمار الناجع.
في هذه الفترة أيضا نلاحظ الحديث عن خصوصية الشأن الداخلي الليبي خاصة بالنسبة إلى الخاسرين من معركة طرابلس وانتقاد المساندة التي يتلقاها الجيش الوطني الليبي. فهل يمكن أن يكون الشأن الليبي اليوم شأنا داخليا وهي بلد ترتع فيه الجماعات المسلحة منذ انهيار نظام القذافي؟
إن الإرهاب وحده كظاهرة توسعية عنقودية سرطانية كافية كي تسقط أسطورة الشأن الداخلي. فالبلد الذي يعاني من الإرهاب هو بحاجة إلى الدعم والمساعدة وطبعا الدعم ليس مجانيا. كما أن لا مصلحة لدول الجوار وغيرها في تمكن الجماعات والمليشيات الإرهابية من ليبيا أكثر خصوصا أنها على امتداد السنوات الماضية تمكنت من التغلغل. وإلى جانب الإرهاب لا ننسى أن ليبيا بلد غني بالنفط والثروات الطبيعية وهناك شركات متعددة الجنسيات للتنقيب وهناك حاجة دولية ومصالح مرتبطة بالطاقة الليبية. فالعلاقات والمصالح متشابكة إلى حد يصبح فيه الشأن الداخلي فعلا مسألة هلامية. 
 لذلك فإن الأقوى في ليبيا اليوم هو من يحقق خطوات نوعية في محاربة الإرهاب والإرهابيين ومن يقوم بتأمين الثروة النفطية: هكذا يكون النصر ومن ينجح يمكنه فرض بنود التوافق السياسي وتشكيل الحل السياسي وفق مصالحه.
إنّ الفكرة الرئيسة التي أردنا توضيحها تتمثل في أن الحديث في العالم الراهن بشكل عام وفي فضاء البلدان المتوترة وخاصة التي تعاني من ظاهرة الإرهاب تحديدا عن شأن داخلي قد بات حديثا خاليا من المصداقية. فالعالم من التشابك في المصالح الحيوية ما يجعل الشأن الداخلي شأنا عالميا.
من هذا المنطلق نسمح لأنفسنا أن ندعو الخطاب السياسي المعارض إلى إعادة التفكير في مبدأ الشأن الداخلي والمطبخ الداخلي والحال أنه ليس فقط العالم مفتوح ومكشوف بحكم وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بل أيضا لأن المصالح أقوى من فكرة الشأن الداخلي وتصبح لا قيمة لها عندما تتهدد المصالح.

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

بقلم: الأستاذ خير الدين الشارني (القاضي السابق والمحامي المتقاعد)  
20:15 - 2019/09/23
بقلم: الهادي كرو  
20:15 - 2019/09/23
أسدل الستار على الشوط الأول من ماراطون الوصول الى المحطة الأولى في اتجاه قصر الرئاسة بقرطاج ..اثن
20:00 - 2019/09/21
لم أجد أصدق وأدقّ من هذا النحت اللغوي تعبيرا عن حالتي مثل عديد التونسيّين قبل أيّام من الانتخابات
20:00 - 2019/09/14
كلام خطير ذلك الذي نطق به المرشح منصف المرزوقي على هامش اختتامه حملته الانتخابية أمس في باجة.
20:00 - 2019/09/14
توشك الحملة الإنتخابية الرئاسية على النهاية، وقرب موعد الاقتراع ليختار المواطنون من سيتولى منصب ر
20:30 - 2019/09/13
يلاحظ المتابع للحوارات مع المترشحين للانتخابات الرئاسية سواء بصفة فردية أو خلال المناظرات الجماعي
20:20 - 2019/09/13
من الصعب أن يُنصت الناس اليوم- ونحن على مشارف انتخابات رئاسيّة- للغة العقل إذ لميولاتهم الإنتخابي
20:20 - 2019/09/13