بمناسبة إحياء ذكرى عيد النصر واتفاقيات الاستقلال الداخلي .. تأثيرات مواقف وأعمال الحركة اليوسفية على اتفاقيات الاستقلال والأوضاع الأمنية (2/2)

بمناسبة إحياء ذكرى عيد النصر واتفاقيات الاستقلال الداخلي .. تأثيرات مواقف وأعمال الحركة اليوسفية على اتفاقيات الاستقلال والأوضاع الأمنية (2/2)

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/07/01

بقلم: عبد الجليل عبد ربه
رغم ضغوطات بعض الجهات الاستعمارية في فرنسا وتونس وخاصة قادة الجيش في الجزائر تعزز التيار الجاد داخل فرنسا الى توجيه السياسة الفرنسية نحو التفاوض والتحاور مع الحركات التحريرية وقد كسبت القضية التونسية تعاطفا متزايدا داخل فرنسا وخارجها وعلى هذا الأساس أعلن (منداس فرانس) في 31 جويلية 1954 بتونس عن استعداد فرنسا منح البلاد استقلالها الداخلي. وبعد مفاوضات عسيرة وشاقة بين الطرفين تم التوقيع النهائي في 3 جوان 1955 على وثيقة الاستقلال.
وقد استقبل الشعب التونسي هذا الحدث ببالغ الفرحة والتأييد وتجلى ذلك عند عودة الزعيم الحبيب بورقيبة في 01 جوان 1955 (عيد النصر) والذي لم تعرف تونس في تاريخها الطويل   احتفالا  نظيرا  له.
غير أن هذه الفرحة الشعبية لم تدم طويلا بعد معارضة بن يوسف واتباعه هذه الاتفاقيات مهددا بفرض رأيه ولو بالقوة ولذلك أسس عصابات تحت مسمى «جيش التحرير» بقيادة المقاوم الطاهر الأسود في البداية وقد وجدت هذه العملية والمواقف مساندة سياسية ومادية من النظام المصري وأجهزة المخابرات والإعلام في هذا البلد الشقيق وركّزت مهاجمتها للنظام التونسي وخاصة على الزعيم بورقيبة وقامت بمدّ العصابات اليوسفية بالسلاح والمال وهو ما لم تقم به أثناء المعركة التحريرية ضد المستعمر.
ورفض صالح بن يوسف الدعوة الموجهة له من المؤتمرين في صفاقس بتاريخ 15 نوفمبر 1955 فتم رفته من الحزب الحر الدستوري الجديد فأسس في المقابل الأمانة العامة وبسبب تشدده في مواقفه ورفضه لكل دعوات المصالحة ارتكبت العصابات الموالية له عديد الجرائم التي كانت لها تأثيرات سلبية على الأوضاع الأمنية داخل البلاد مما جعل السلطة الفرنسية تردّ عليه بالمثل بما ان تونس لم تتسلّم بعد المصالح الأمنية.
ومن الجرائم الفظيعة التي قامت بها العصابات اليوسفية اغتيال الشهيد الحسين بوزيان رئيس جامعة قفصة الدستورية في يوم انتخابه عضوا بالمجلس القومي التأسيسي في 25 مارس 1956 وحضر موكب الدفن الزعيم بورقيبة. وارتكبت هذه العصابات جرائم عديدة وبطرق أحيانا وحشية كالذبح حتى أن المدعو الطاهر البوخاري لقّب (بالذبّاح) وقد امتدّت هذه الاعتداءات والاغتيالات للجالية الأجنبية بتونس وخاصة الفرنسية منها من ذلك ما تم بجهة العروسة من ولاية سليانة حاليا بقتل الاخوة (طوماسان) في 7 مارس 1956 مما تسبب في أحداث عنف واضطرابات عند دفنهما بالعاصمة وتوقف مفاوضات الاستقلال التام الجارية حينذاك بباريس وتهديد الحكومة الفرنسية بالتراجع عن كل التزاماتها نحو تونس.
وكان هدف هؤلاء بث الرعب والفوضى وإظهار الدولة الفتية في مظهر العاجز عن حماية أرواح الناس وأملاكهم ومصالحهم وخاصة الأجانب.
وشجّعت هذه الاعمال من ناحية أخرى مجموعات اليد الحمراء للقيام بأعمالها الاجرامية من ذلك الحادثة التي جدت بملهى بقلب العاصمة أودت بحياة 5 أشخاص وجرح أكثر من 12 آخرين وبيّنت الأحداث تورط الكوميسار السابق (سارج جيلي) في هذه الحادثة وأسفرت الأبحاث كذلك عن اكتشاف مخبأ للأسلحة بنهج السودان بالعاصمة.
وكادت هذه الفتنة ان تعصف بكل ما حققته البلاد من نصر مبين بفضل صمود وكفاح المقاومين والمناضلين وحنكة السياسيين بقيادة بورقيبة ودخلت في شبه حرب أهلية زعزعت الاستقرار والأمن آنذاك وأحدثت شرخا في علاقة الدستوريين والمقاومين بقيت آثارها تظهر  من حين الى آخر تغذّيها أطراف أخرى التي تسمي نفسها بالمعارضة وتعرّض الزعيم بورقيبة ومن ورائه الدولة التونسية فيما بعد الى عديد محاولات الاغتيال أو قلب النظام مثلما حصل في 1962 مما حمل الدولة على القيام باجراءات لضمان اللحمة الوطنية وفرض السيادة الوطنية للقيام بالاصلاحات والانجازات التي تمّت مع دولة الاستقلال.
وللتذكير فقط فإن الزعيم صالح بن يوسف قد فرّ من تونس في جانفي 1956 نحو ليبيا ثم مصر واستقرّ في آخر الأمر بسويسرا وواصل التهجّم على النظام الفرنسي والزعيم بورقيبة بدعم من قوى أجنبية وخاصة منها النظام المصري وهو يدخل في نطاق الاستقواء بالأجنبي وهو المحكوم عليه من طرف المحاكم التونسية للجرائم المرتكبة من طرف اتباعه وتحريضه على ذلك حسبما جاء في الأبحاث آنذاك.
وبصفتي دستوريا من عائلة معروفة بانتمائها للحزب الحر الدستوري منذ تأسيسه حيث كانت لها علاقة متينة بأغلب زعماء ومناضلي الحركة الوطنية ومن بينهم الزعيمان بورقيبة وبن يوسف وكان جدّي للأم محمود بن سلطان عضوا بالديوان السياسي الخامس وعمي فرحات عبد ربه رئيس شعبة الكريب منذ الثلاثينات وقريبي محمد عبد ربه الكاتب العام ثم رئيس شعبة الكريب لمدة طويلة وعضو جامعة الكاف ثم تبرسق ولجنة التنسيق بباجة وأول رئيس بلدية الكريب ولكنهم انحازوا الى الزعيم الحبيب بورقيبة عند بداية هذا الخلاف بناء على ثقتهم في سياسته وقدرته على قيادة الحركة التحريرية وبناء الدولة التونسية وقد أيدت الأحداث هذه الرؤيا فعرفت تونس في عهد بورقيبة النماء والاستقرار واللحمة الوطنية وكانت لمواقف تونس الشجاعة ودعمها السياسي والمادي للشقيقة الجزائر أيام الكفاح الوطني عاملا هاما في حصولها على استقلالها.
بقدر ما نتأسف لما حدث فإننا لا نرضى بتدخل أطراف أجنبية ودخيلة على العائلة الدستورية في هذا الموضوع وإن استعماله للغايات التي أسلفنا ذكرها يدخل في نطاق إثارة الفتن والأحقاد وتفكيك اللحمة الوطنية وهو ما يخدم مصلحة الاطراف التي هي ضد المصلحة الوطنية.
ورغم تفهمي لموقف نجل الزعيم صالح بن يوسف الذي يدخل في نطاق التضامن والعاطفة الأسرية فإني استغرب من التوقيت الذي أختير لإثارة الموضوع وتأكيده على ردّ الاعتبار لوالده وهو ما تم فعلا من طرف الدولة التونسية في عهد بن علي ويبقى ذكر تفاصيل الاحداث والحقائق ودور المرحوم في الحركة الوطنية من اختصاص المؤرخين الموضوعيين والوطنيين الصادقين.
وأما في خصوص إعلان نجل الأستاذ المرحوم بن يوسف بأنه تلقى دعما ومساندة من النظامين المصري والليبي وهو يعرف قبل غيره ان عبد الناصر والقذافي من أشد الحاقدين على بورقيبة وحاولا في عديد المرات المشاركة في قلب النظام بتونس وهل يعقل يا دكتور ان تشيد بمن يكنّ لبلادك الحقد ويضمر لها السوء وأنت الوطني وابن الزعيم الوطني؟
وفي الختام ان هذه المحاكمة مهزلة تاريخية ووصمة عار في وجه كل من يشارك فيها ويدعمها ونتائجها وخيمة على حاضر البلاد ومستقبلها خاصة أنها تعاني ظرفا صعبا ودقيقا يتطلب اللحمة الوطنية والشعور بالمسؤولية وتجنّب النرجسية والأنانية ومعالجة القضايا بروح وطنية حقيقية.
 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

شرعنا منذ الأسبوع الماضي وكتفاعل مع اليوم الوطني للمرأة التونسية في طرح بعض الأفكار بشكل مختصر وس
20:00 - 2019/08/20
أصبحت مقولة الدوعاجي «عاش يتمنّى في عنبة مات جابولو عنقود...» تنطبق اليوم علي عديد الحالات من بين
20:20 - 2019/08/19
عرفته مناضلا فذًّا، عنيدًا،صلبًا،  نشيطًا، لا يهدأ له بال ولا يفتر له عزم، يَعتصمُ، يَتظاهرُ، يحت
20:20 - 2019/08/19
يشتكي المواطن من غلاء المعيشة فكل شيء أصبح لا يطاق، أسعار الخضر ترتفع يوميا رغم كثرتها، اللحوم لم
20:20 - 2019/08/19
بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للمرأة،تعتبر هذه الدراسة طرحا لتصوُّر بعض الرُّواد المصلحين إزاء
20:20 - 2019/08/19
استفاق التونسيون صبيحة الخامس والعشرين من شهر جويلية 2019 على نبأ وفاة رئيس الجمهورية محمد الباجي
20:20 - 2019/08/19
تطرح اليوم مسألة القائمات المستقلة في الانتخابات الرئاسية والتشريعية الكثير من التساؤلات وتثير نق
20:00 - 2019/08/19
ليس عيبا أن يحدّث المرء عن نفسه أحيانا دون مبالغة .
20:00 - 2019/08/19