بين إضراب الأساتذة وإضراب الوزارة وإضراب المجتمع المدني (الأولياء والتلاميذ).. مـــاذا يعنـــي الإضـــراب؟

بين إضراب الأساتذة وإضراب الوزارة وإضراب المجتمع المدني (الأولياء والتلاميذ).. مـــاذا يعنـــي الإضـــراب؟

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/02/11

الإضراب هو الامتناع عن فعل الشيء وإضراب أساتذة التعليم الثانوي والإعدادي هو الامتناع عن التدريس وأداء مهامهم البيداغوجية التعليمية في علاقتهم بالتلاميذ!
لماذا يضرب الأساتذة؟ وما الهدف من تمادي هذا الإضراب وعدم التحيين الزمني لمدة هذا الإضراب؟
لماذا يصر الأساتذة على عدم إجراء الفروض في الأسبوع المفتوح والمغلق والإصرار على عدم مد الإدارة بأعداد التلاميذ وحجبها ومقاطعة مجالس الأقسام؟
لماذا وصل الإضراب إلى انعدام وتزعزع الثقة بين الأساتذة والتلاميذ والأولياء والمجتمع المدني ككلّ؟
لماذا تصر وزارة التربية على ربح الوقت وعدم العزم على أخذ قرار يرضي الطرفين وفض هذا السيل الجارف للإضراب وإنقاذ السنة الدراسية من إمكانية «سنة بيضاء»؟
هل تدخل الوزارة كطرف ثان في إعلان إضرابها ضد الأساتذة أم تجد لها تخوفات وأعذار من سيل جارف آخر قد يكبّل ميزانية الدولة ويكبل الوزارتين (وزارة التربية ووزارة المالية)؟
لماذا وصل الأمل إلى تأنيب الأولياء وتحاملهم ضد الأساتذة؟
لماذا تشنّج الوضع حتى جرف معه إضرابا آخر لم يكن منتظرا (إضراب التلاميذ ونسبة كبيرة من المجتمع المدني) وإعلان الغضب لوصولهم إلى حالة من الإحباط النفسي لعدم إجراء الفروض وتقييم أعمالهم؟
إضراب الأساتذة في الواقع لم يكن إضرابا غير متوقع. فقد تكفّلت نقابة التعليم الثانوي على رأسها السيد نور الدين الطبوبي ولسعد اليعقوبي  بجملة المطالب التي يأمل الأساتذة في قبولها بالموافقة والمصادقة والإمضاء والتأييد من طرف سلطة الإشراف ووزارة التربية وعلى رأسها وزير التربية السيد حاتم بن سالم.
النقابة بدورها حسست في أكثر من مناسبة بالظروف المادية الحرجة التي تعاني منها نسبة الأغلبية من الأساتذة وعدم توفر الرفاه الذي تتمتع به قطاعات أخرى مقارنة  بسلك التعليم وتشنجهم النفسي والفكري لاقتناعهم بعدم وجود اتفاق وعدل في الزيادات المقررة بين قطاع التعليم والقطاعات الأخرى.
لكن نتكلّم بموضوعية ودون حياد التفاوض بين الوزارة وقطاع التعليم كان و مازال بابا مفتوحا ولكن البوابة بدون مفتاح!
أما حصر هذا الإضراب بالزيادة في منحة بداية الدخول المدرسي ومضاعفتها والاجتهاد في رؤية إنسانية لسن التقاعد علما أن مهنة التعليم صنفت من المهن الشاقة التي أوصلت نسبة هائلة من الأساتذة إلى الإحباط النفسي والعصبي والدخول في بؤرة الرخص طويلة الأمد وعدم وجود الإمكانات المادية اللازمة والإحاطة المعنوية لخروجهم من هذه البؤرة كما يقرر المعالج والمباشر النفسي لهم وحفظ كرامتهم في العيش الكريم ومراعاة حرمتهم تجاه علاقتهم بالتلاميذ والأولياء! وتشجيعهم على العطاء التعليمي والتربوي في ظروف مادية مريحة تضمن  توازنهم النفسي والفكري أم غلق باب التفاوض واتخاذ إجراء يُبعد الوزارة عن شبهة إعلان إضرابها ضد الأساتذة أو ضرب هذا الإضراب كغلق المؤسسات التعليمية يوم الإضراب ذاته وفتح بوابة الفتنة التي طالت المجتمع المدني (تلاميذ وأولياء) بحيث أضحى هذا الإضراب حصاد مشروع أغلبية التلاميذ والأولياء ضد الأساتذة لا ضد الوزارة. ولهذا انقسم المجتمع المدني إلى ملل ومشارب متضاربة كانقسام الملل والنحل في دولتنا الإسلامية الذي أدى إلى ظهور "داعش" والإرهاب هذه الفتنة طالت الإعلام المرئي والمسموع والانترنات لإعلان المسكوت عنه وتفجير الغضب ضد الأساتذة والوزارة.
كما حُمّل الأساتذة في السابق اغتصاب التلاميذ أمام المؤسسات التربوية وتحميل الإدارة والأساتذة هذه المسؤولية  التي هي في الواقع مسؤولية الوزارة في توفير «الأمن المدرسي» ك"الأمن الجامعي" لحماية التلاميذ خارج المؤسسة التربوية وتوفير قاعات مراجعة للتلاميذ داخل المؤسسة التربوية ومظلات إيواء يحتمي فيها التلاميذ أمام المؤسسة لحمايتهم من المطر وعدم دفعهم إلى الانحراف.
وعدم إحداث سوق أسبوعية أمام المؤسسات التربوية وعدم إعطاء فرصة لتسرب العصابات الإرهابية أمام المؤسسة وعدم إعطاء الفرصة للتلاميذ لمخالطة هذه العصابات في الأسواق والتأثر بسلوكهم وتعاطي المخدرات التي طالت مؤسساتنا التربوية.
إعلان بعض الصحف المكتوبة تعاطي أستاذ للمخدرات في الوقت الذي تحتاج فيه إلى الحفاظ على حرمة الأستاذ والمؤسسة التربوية وقداسة العلاقة التربوية بين الأساتذة وأبنائهم التلاميذ.
أنا لا أشرّع الإضراب ولكن أشرّع مشروعية الطلب الذي يطالب به الأساتذة وفي نظر كم هائل من الأساتذة «الإضراب هو شر لا بد منه» لعدم تمكن الوزارة من التعجيل بأخذ القرار وإيقاف الأساتذة لإنقاذ السنة التعليمية وانتشال التلاميذ من الإحباط النفسي الذي يعانون منه في الفترات المتأخرة.
أضيف أن التمادي في الإضراب لن ينصف الأساتذة في إظهار مصداقيتهم البيداغوجية والتربوية .
لن ينصف التلاميذ في تمكنهم من تقييم وظائفهم الدراسية وحرصهم على تقييم فروضهم العادية أو التأليفية والاستبشار بالفوز للانتقال من مرحلة تعليمية إلى مرحلة تعليمية أخرى.
لن ينصف الأولياء لما تحملوه من معاناة المصاريف وتلبية احتياجات أبنائهم والاتفاق على الدروس الخصوصية ونقل أبنائهم إلى المؤسسات التربوية وحرصهم على التمتع بثمرة نجاحهم وتوفقهم في التربية ودفع أبنائهم إلى الاجتهاد في الدراسة.
لن ينصف الوزارة لأن كل الأطراف أساتذة وتلاميذ وأولياء يحملونها المسؤولية في إنقاذ أو إحباط هذه السنة الدراسية والوصول بها إلى الفشل وإعلان سنة بيضاء.
لن ينصف المجتمع المدني وجميع مؤسساته وقطاعاته بمختلف مشاربها وكذا الشأن سياسة أو اقتصاد الدولة لأن الحراك المدني أو السياسي أو الاقتصادي لن يُفلح إلا بحراك المؤسسات التربوية وخروج الأساتذة والتلاميذ والأولياء لتحريك  وتنشيط وتفعيل هذه القطاعات فكلهم أولياء ولهم زرع يترعرع في هذا المجتمع ويأملون جني ثماره وحصاده
أردف قائلة: إننا نحن الأساتذة أولياء بنفس قيمة الأولياء الذين أنجبوا
كقيمة المرأة التي ولدت وتعبت في الحمل والمرأة التي تبنّت وسهرت على التربية هكذا نحن الأساتذة وهكذا طفح الكيل ووصل السيل الزبى:
أساتذة مضربون
تلاميذ محبطون
أولياء يائسون وثائرون
ما الحل: التفاوض بين الوزارة والاتحاد تمادى والحال بين مد وجزر والمركب يتمايل يمينا ويسارا ولا يتقدم.
الوزارة: ثقل عليها وزر الطلبات:
1) طلبات الأساتذة ورغبة الوزارة في ربح الوقت لمعالجة الموقف ودراسة حسب حجم ميزانية الدولة في علاقتها مع وزارة المالية وصندوق النقد الدولي» ولذلك لم يُجد التفاوض نفعا ونأمل في الاستبشار بالعودة الدراسية بعد عطلة فيفري وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
واستجابة الوزارة لطلبات الأساتذة حسب ما وقع التصريح به في الصحف المكتوبة ووسائل الإعلام:
2) إضراب «الوظيفة العمومية المقرر في هذا الشهر وعزم الوزارة على تلبية الطلب وتراجع هذا الإضراب المقرر! وتعلّق هذا الطلب بحجم الميزانية!
رسالة الى الأولياء
نحن الأساتذة نطلب منكم التفهم وجميعنا أولياء لجيل واحد فأبناؤكم هم أبناؤنا فنسبة كبيرة من الأساتذة مورطون في قرض واحد أو قروض مضاعفة ويعانون من ديون لا يجدون بدا لدفعها ويضعون في جيوبهم ما تيسر من الدخل الشهري وهم مطالبون بالذهاب الى المؤسسة وملزمون بالتدريس والحضور جسديا وفكريا ونفسيا مع التلاميذ ولا يظهرون معاناتهم أمام التلاميذ وقد ترجع هذه الضغوطات على ردود أفعال انفعالية بسبب أو بغير سبب على التلاميذ فما ذنب الأساتذة هنا؟
وما ذنب التلاميذ ؟
فهل تعطى هذه البيانات مشروعية لإضرابنا؟
نحن نطالب بكرامة العيش وحفظ الكرامة لا الرفاه الذي تتمتع به قطاعات أخرى بمهنتها قوامها التركيز الفكري والنفسي وأضعف الأيمان أن نتمتع بالتوازن المادي.
نتفهم أيضا الظروف التي مرت بها تونس من 14 جانفي 2011 إلى الحين ومخاض الطلبات المشطة التي تعرّضت لها هذه الأم الحنون تونسنا الحبيبة تونسنا الخضراء والتي تريد أن تنصف وترضي جميع أبنائها ولكن ميزانية البنك المركزي بين مد وجزر»
نتفهم أيضا أفيون الإرهاب الذي تسرّب إلى جغرافيا تونس المسالمة وشعبها الذي يقدّس العلم الأحمر وسيّجوا جبالها بنيران الحقد وإدخال الفتنة الى ديار شعب تونس المسالم ليطال هذا الإرهاب أبناءهم الحارقين والمهاجرين باسم الجهاد إلى سوريا.
والدولة مطالبة في هذا الإطار بتجنيد أمنها وحرسها وجيشها لإطفاء نار الإرهاب وتحصين أسوارها وأسرها من الأطماع الخارجية التي تريد المس بكرامة تونس الخضراء وزرعها الأخضر وعلمها الأحمر.
نتفهم أيضا الظروف المناخية التي تعاني منها ولاية جندوبة نتيجة الفيضانات وما تعتزمه الحكومة من توفير ميزانية هائلة قدرت بـ500 مليار حسب ما أعلنه وزير التجهيز والإسكان في مرافقة لوفد حكومي في زيارة لمعتمدية بوسالم من أجل إيجاد حل جذري ببناء سدود تحتضن هذه الفيضانات الموسمية بوادي مجردة وإخماد غضب أهلها وتمكينهم من العيش في سلام.
أخيرا أرفع نداء إلى وزير التربية السيد الموقر حاتم بن سالم:
أجرنا أيها الوزير!
ارفع اللبس وأبق اللباس لا نريد من الإضراب غير كرامة العيش وحفظ الكرامة!
ونحن لا نضرب ضد أشخاص ولا نريد تعجيز الحكومة ولكن نريد من الإضراب إعلان السلام.
ولو كان لنا مخرج آخر يوفر لنا كرامة العيش لما أضربنا.
نداء إلى الأولياء نحن أيضا أولياء وهدفنا واحد:
«حضانة أبنائنا التلاميذ» «اشتدّي أزمة تنفرجي قد أذن لك بالبلج».
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم في شرحه لسورة الشرح «لا يغلب العسر يسران».
نداء إلى التلاميذ
لا لممارسة العنف مع الأساتذة وكونوا متعاونين متفهمين فنحن نتحمل عناءكم بالقسم فهناك مجال لتدارك السنة الدراسية إن شاء الله فهمومنا همومكم وسعادتنا سعادتكم وكرامتنا كرامتكم.
وحرمتنا حرمتكم وسلمنا سلمكم! ونجاحنا نجاحكم.
الغرب يريد أن يستشري الإرهاب في المؤسسات التربوية لأن الرصيد الحقيقي لنجاح سياسة الدولة وحضارتها واقتصادها هو العلم والتعلّم فالغرب طال المريخ عن طريق العلم ولا يريد للعرب مثل ذلك فلا نقف عند المحيط ونعلن الفتنة في الأهل والأولاد بل بأيديكم أطفئوا نار الفتنة وابدؤوا بالانترنات وقريبا ندخل ديارنا ومؤسساتنا التعليمية سالمين آمنين ناجحين وغانمين!
تحية لوزارة التربية لتفهمها الموقف
تحية للأولياء والتلاميذ لصبرهم وتعاطفهم
تحية للصحافة المكتوبة «جريدة الشروق» لتمكين من «رفع اللبس وإبقاء اللباس»
تحية للأساتذة «أليس الصبح بقريب». 
شكرا.

 

الأستاذة ربيعة إينوبلي (أ. أول مميز) المعهد الثانوي حي الرياض ـ المرسى

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

إن سرّ عظمة الرجال بعض الرجال تكمن في معرفة أحدهم متى يبقى ومتى ينبغي عليه ان يستقيل ويرحل...
20:30 - 2019/02/18
بقلم الأستاذة رشيدة بوسعيدي  (محامية ووكيلة الشركة الدولية  للمحاماة والاستشارات القانونية)
20:15 - 2019/02/16
إن رقمنة الحركة التي تحدث عنها عبد الكريم الهاروني رئيس مجلس الشورى لحركة النهضة في اجتماعه الأخي
20:15 - 2019/02/16
أمضى وزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف، الذي زار بيروت في مهمة دقيقة ومحسوبة في مفهوم ممارسة
20:15 - 2019/02/15
يبدو أن في غزة كل ذلك، ولذلك فإن مخططات خطيرة تجري لتختزل فلسطين بغزة أو لصيرورة فلسطين والدولة ا
20:15 - 2019/02/15
بقلم الأستاذة علجية حسيني
10:22 - 2019/02/15
كما توقعنا في مقدمات الأسبوع الماضي (الشروق 6 فيفري 2019) تنفس التونسيون الصعداء بعد أن توصلت الح
20:00 - 2019/02/14
على يسارك وأنت تدخل المعلم الأثري بدقة توجد دار للبغاء وبجوارها مجلس لحكماء القوم يحتوي على قاعة
20:00 - 2019/02/14