تحاليل الشروق..قراءة في ترشّح الغنوشي للانتخابات التشريعيّة..القطع مع الحكم عن بُعد وتأمين انتقال سلس داخل النهضة

تحاليل الشروق..قراءة في ترشّح الغنوشي للانتخابات التشريعيّة..القطع مع الحكم عن بُعد وتأمين انتقال سلس داخل النهضة

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/07/22

رشّحت حركة النهضة رسميا زعيمها الأستاذ راشد الغنوشي لخوض الانتخابات البرلمانية المقبلة، وهي المرة الأولى منذ الثورة التي ينافس فيها الرجل على منصب رسمي. 
 

تونس (الشروق)
ماذا يُخفي هذا الترشيح؟ وما هي دلالاته في علاقة بالأوضاع داخل حركة النهضة والمآلات التي قد تنتهي إليها في أفق مؤتمرها العام المنتظر خلال السنة المقبلة وفي علاقة أيضا بالمشهد الوطني ما بعد انتخابات 2019؟
حكم عن بعد 
برغم ما أتيح له من فرص للتقدّم للمواقع الرسميّة في الدولة مباشرة إثر انتخابات المجلس الوطني التأسيسي سنة 2011 وما أعقبها من محطات ومستجدات فقد لازم الغنوشي موقعه رئيسا لحزبه، هذا الموقع الذي لم يمنعهُ من لعب أدوار مفصليّة على الساحة الوطنيّة كان من أبرزها تعزيز ثقافة المشاركة في السلطة وتقاسمها عبر تجربة الترويكا ولاحقا دعم الحوار الوطني لإنهاء المرحلة التأسيسيّة فالقبول بالتوافق مع خصومه ما بعد انتخابات 2014 ومشاركتهم بعدد من الحقائب الوزاريّة. 
القراءة البعديّة لمسار الغنوشي بعد الثورة تدعم الرأي القائل بأنّ سياسته كانت مبنيّة على التحكّم عن بعد في شؤون الحكم والفعل فيها دون أن يكون في منصب رسمي، ومرات ظهر الرجل وكأنّه الحاكم الفعلي لتونس والمحدّد لخيارات البلاد وتوجّهاتها الكبرى، وهذا ما دفع بالكثيرين إلى وصف حكومة يوسف الشاهد بأنّها حكومة النهضة على الرغم من محدودية ممثليها فيها.
الغنوشي، الذي بات دونما شكّ أحد اللاعبين السياسيين الرئيسيين في تونس، لا يبدو قابلا بالخروج المبكّر من المشهد، ذلك أنّ تصوّراته الراهنة، والتي عكسها الترشح للاستحقاق التشريعي، تدعم تطلعا لمواصلة الفعل السياسي والحزبي، ففي ماذا يُمكن أن يفكّر الرجل بالانخراط في هذا المسار الجديد وغير المسبوق بالنسبة له منذ أزيد من أربعة عقود؟ 

شيوخ ومهام وطنية 
وطنيا، قد لا تستوعب الساحة السياسيّة بما فيها تحديات ورهانات صعبة بقاءها دون شيوخ أصحاب تجربة، ففي ظل الصعوبات التي تواجه الشيخين الباجي قائد السبسي ومحمّد الناصر لمواصلة تحمّل أعباء المسؤوليّة الرسميّة ما بعد الانتخابات القادمة، قد يكون من الوجيه بقاء الغنوشي في الواجهة ومن موقع رسمي له مكانته في منظومة الحكم بما يعزّز ما عرف عن شيوخ تونس ما بعد الثورة من حكمة ونزعة للحوار والتوافق ورفض الصدام، ويذكر الجميع دونما شكّ الدور الذي لعبه الغنوشي في السنوات الأخيرة في تقريب وجهات النظر بين مختلف الفرقاء وما ساهمت به ثقافة التعايش والتوافق التي كان أحد ركائزها من تهدئة للأوضاع وتجنّب الكثير من المخاطر في الكثير من المحطات.
ولكن هذا الدور المنوط بعهدة الشيوخ قد يستلزم تناظرا بين الغنوشي وشخصية أخرى من الضفة المقابلة بذات المنزع وفي سن متقاربة وفي موقع رسمي متقدّم حتى يسهل التواصل بين مكونات المشهد الوطني ويوفّر فرصا للتسويات وإجراء الحوارات اللازمة كلّما استدعت الأوضاع ذلك بالحكمة المرجوة وبعيدا عن أهواء المغامرين والانتهازيين وقصار النظر وقليلي التجربة في الشأن السياسي وإدارة شؤون الحكم.
وفي هذا السياق تصعد أسماء بارزة، من الكهول المتقدمين في السن ومن الشيوخ، يمكنها أن تقف في الضفة المقابلة للغنوشي وحركته، منها مصطفى بن جعفر وأحمد نجيب الشابي وحسين العباسي وكمال مرجان ومنذر الزنايدي، فعلى المستوى القريب ما تزال الحياة الوطنية في حاجة لشيوخ عقلاء يرعون المسار الديمقراطي ويتمّون ما بقي من مؤسسات الحكم الدائم والمستقر ويمهدون الطريق للجيل الشاب الجديد لاستلام كامل المهمّة خلال الخماسيّة القادمة.

انتقال سلس داخل النهضة
حزبيا، لا تمكّن قوانين حركة النهضة راشد الغنوشي من تولي رئاستها لعهدة اخرى ما بعد 2020، لهذا يتابع الجميع ما يجري داخل النهضة من تطورات ومستجدات في علاقة بخلافة الغنوشي، وأمام وضع فيه الكثير من الرهانات والمخاطر نتيجة عدم تأهيل شخصية قيادية لتولي المهمة، يبدو أنّ الغنوشي يشعر بثقل ذلك الوضع وما يحفّ بمستقبل الحركة من محاذير الانقسام والتشتت نتيجة تعدّد الأسماء المؤهلة وتصاعد تطلعات الكثير من الأسماء وارتفاع منسوب الطموح لديها (علي العريض، زياد لعذاري، عبد اللطيف المكي، لطفي زيتون، رفيق عبد السلام، عبد الحميد الجلاصي، نور الدين البحيري، عبد الكريم الهاروني، عبد الفتاح مورو….) المتقاربة من حيث النضالية والتجربة السياسيّة والكفاءة القيادية، لذا يضمن البقاء في موقع رسمي مهم داخل مجلس نواب الشعب وبكتلة برلمانية فاعلة ووازنة لعب دور مهم في تحديد خيارات النهضة المستقبلية بما فيها حسم ملف رئاسة الحركة ومختلف الهياكل القيادية الأخرى، ففي نظام سياسي شبه برلماني يكون لقيادات الأحزاب وللكتل البرلمانية الدور المحوري في جميع المسائل الوطنية والحزبيّة أيضا.


وبدفع النهضة للغنوشي للتشريعيّة، بما توفره من إمكانات لرئاسة مجلس النواب أو تولّي مهمات في الجهاز التنفيذي، تبدو النهضة وكأنّها ذاهبة الى القطع مع ممارسة الحكم عن بعد أو عبر الوسطاء معلنة توجّها لمجابهة أعباء الحكم دون تخفّ وبشراكات واضحة معلنة مع حلفائها وتحمّل المسؤوليّة بشكل مباشر إذا ما اختارها الناخبون، فهي تعرضُ اليوم أبرز رموزها على الاستفتاء الشعبي في ما يُشبه التحدي والرهان على أنّها أمر واقع في المشهد التونسي وجزء لا يتجزّأ من الدولة والمجتمع في آن، وهو رهان موجه رأسا إلى خصومها للقبول بذلك الواقع والكفّ عن معاداتها والبحث عن إقصائها وإخراجها من المشهد السياسي الوطني.

حاجة للاستمراريّة 
ترشيح النهضة للغنوشي للتشريعية تأكيد على حاجة ماسّة له للاستمرار في لعب أدوار وطنيّة وحزبيّة ما بعد الانتخابات القادمة، ضمانا لتواصل التجربة الديمقراطيّة وفلسفة التوافق والمشاركة السياسية الواسعة وأيضا تمهيدا لانتقال سلس ومدروس داخل النهضة دون ارباك لأجهزتها وبتصعيد الأجدر بتأمين وحدة الحركة وتماسكها.
في وقت سابق عبّر الغنوشي عن رغبته في الانسحاب من المشهد والتفرّغ للكتابة في إطار رؤيته في تجديد الفكر الإسلامي، كما أعلن عدة مرات أنّه غير معني بالسباق الى قصر قرطاج ولا بأي موقع في السلطة، برغم ما توفره له قوانين النهضة من مجال لذلك، ولكن يبدو أنّ مستجدات الحياة الوطنية، التي ما تزال محفوفة بالكثير من المخاطر والمخاوف ومقبلة على تطوّرات أخرى بحكم التحديات والصعوبات الماثلة والوضع الإقليمي المضطرب، والديناميّة العنيفة المتحركة والمتصاعدة في أروقة حركة النهضة، كلّها عوامل قد تكون فرضت قرار النهضة باستمرار الغنوشي في المشهد ومن موقع رسمي متقدّم.

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

وصفَ صباح اليوم الإثنين 09 ديسمبر 2019 ،الناطق الرسمي بإسم حركة النهضة عماد الخميري،ما يحصل داخل
09:55 - 2019/12/09
كذّب النائب حسونة الناصفي (كتلة الإصلاح الوطني) أن يكون رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، قد رفض التأشير
08:39 - 2019/12/09
عين رئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي امس النائب السابق 
06:00 - 2019/12/09
توجّهت عشيّة امس الحقوقية راضية النصراوي رفقة زوجها حمّة الهمّامي الى 
06:00 - 2019/12/09
عبر رئيس الحكومة المكلف الحبيب الجملي امس عن أمله في أن يتّم توسيع.
06:00 - 2019/12/09
قبل أن يصل إلى البرلمان في الحدائق الحسينية لقصر قرطاج ـ أو ما تبقّى منها ـ يكفي 
06:00 - 2019/12/09
قال رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد شوقي الطبيب انّ بعض 
06:00 - 2019/12/09