تونس أندلس 1492

تونس أندلس 1492

تاريخ النشر : 16:15 - 2019/06/07

"ابك كالنساء ملكاً لم تحافظ  عليه كالرجال" هكذا ، حسب الرواية التاريخية، أجابت عائشة الحرة    ابنها أبا عبد الله الصغير ، آخر ملوك الأندلس، و هو يقف على الربوة باكيا على ضياع  غرناطة  و سقوط الأندلس  بعد أن سلم مفاتيحها  للحكم الاسباني  سنة   1492م. 
و تعود أهم  الأسباب لسقوط الأندلس، حسب المؤرخين ،  انتشار الفساد  و المجون و عدم الاهتمام بمصير الدولة. بالإضافة إلى تزايد  النزاع بين الطوائف المسلمة و تخلي المفكرين عن دورهم الإصلاحي لإنقاذ الأندلس من الانهيار .
لو نقارن بين ما أدى إلى سقوط الأندلس و وضع  تونس فإننا نواجه حقيقة سوداء أن تونس تنحدر للسقوط و دون توقف . الدول ليست خالدة و يمكن أن تندثر إذا توفرت المخاطر التي تقوض بناءها  . و الجلي أن  تأثير هذه الأخطار يتفاقم في تونس . يشهد وطننا منذ سنوات  تقهقرا على جميع الميادين الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و العلمية   .
لا أحد ينكر الانحدار المخيف الذي وصل إليه الاقتصاد التونسي   . الدينار يستمر في سقوطه و احتياط العملة الصعبة وصل إلى 76 يوم فقط . و الأخطر حسب تقرير هيئة المحاسبات  غياب استراتيجية  أو رؤية واضحة لإصلاح و إنقاذ المؤسسات  و هو ما يؤكد صعوبة تعافي الاقتصاد . و كنتيجة طبيعية للفشل الاقتصادي تضررت القدرة الشرائية للمواطن التونسي.
التعليم بكل مراحله الابتدائي و الثانوي و العالي يعاني تفككا مفزعا . و هو ما أفقد القيمة العلمية للشهائد الجامعية. مما يجعلنا نفكر في المصير المجهول لمستقبل تونس. و نتساءل حول قدرة  حاملي   شهائد جامعية بلا قيمة و ينقصهم التكوين الجيد على بناء و المحافظة على عماد الدولة التونسية. هذا إذا أضفنا الحقيقة المربكة و المخجلة  وهي تواصل ارتفاع نسبة الأمية  تونس في زمن العولمة و الانترنات.  تصل نسبة الأمية في تونس إلى 18℅ . مما يعني تفشي الجهل في تونس بين أغلبية تعلمت في منظومة تعليمية ضعيفة و البقية تعجز عن القراءة والكتابة.
فشل المنظومة الصحية في تونس  يثير الخوف و عدم الثقة في الخدمات الصحية التي  تقدمها الدولة للمواطنين . إذ تزايدت حالات الوفيات  المشبوهة في المستشفيات العمومية  في السنوات الأخيرة . كشفت فاجعة وفاة حوالي 14 رضيع في مستشفى الرابطة هول ضعف المنظومة الصحية . دون أن ننسى  نقص و فقدان العديد من أنواع الأدوية   نتيجة   الفساد و السرقات.
الحياة الثقافية تتخبط في الركود  منذ سنوات. لولا بعض التجارب و الأعمال القليلة و الجيدة  لأصبحت  الثقافة  التونسية مهددة بالتلاشي . ظهور الكثير من الأعمال الضعيفة و المزيفة عجزت عن الإضافة  الفكرية و الجمالية و الفنية للحياة الثقافية. أغلب الأعمال المسرحية تنقصها القيمة الفنية للمسرح المتطور .و لا يمكن تصنيف  العديد من المسرحيات الكوميدية ضمن الأعمال التي  يمكنها   أن تثري تاريخ المسرح الكوميدي التونسي. كما لم تعد الموسيقى التونسية   من اهتمام الموسيقيين و المغنين التونسيين الذين أصبحوا  يرون الفن مثل أي عمل تجاري . و عوضا عن تطوير الموسيقى التونسية ، يلتجئون لإعادة أغاني تراثية أو ينتجون أعمال غنائية شرقية. 

الخطر الأكبر الذي يدفع تونس للسقوط  هو الفساد الذي ينخر  كافة مؤسسات الدولة . و مما يعمق تأثيره في هدم الدولة التونسية  أن  الحكومات  المتعاقبة عجزت عن القضاء على الفساد و محاكمة المتورطين . و يعود السبب أن  أغلب الأحزاب السياسية و حكومات ما بعد الثورة تمول حملاتها الانتخابية  بالمال الفاسد و هو ما يجعلها تتلكأ في محاسبتهم. 
مع  تهاوي الدولة و ببطء ، ينتشر خطاب إعلامي  يسعى إلى الحد من الوعي بالأزمة الخطيرة التي تواجهها تونس. إذ صعد إلى السطح مشهد إعلامي ضحل و ضئيل يهدد الذوق العام. و ترتكز هذه البرامج التافهة على التهريج و الخواء الفكري و الفني لمحتواها.  و داخل هذا الإعلام التافه ، يتخذ الكثير من الإعلاميين السماسرة  برامجهم  كسلعة قابلة للبيع و الشراء. و يمكن للأحزاب الحاكمة  المتعاقبة شرائهم لتمرير أجنداتها و تحريف الحقائق  و تجميل فشلها. و يتغير خطابهم  بتغير مصدر المال الفاسد . و في الوقت نفسه،  يواصل  الإعلام العمومي فشله في  طرح و مناقشة القضايا الكبرى الوطنية  لتحسيس المواطن البسيط بأهميتها. 
 لم يركز التونسيين  اهتمامهم على بالأزمة الشاملة  و تداعياتها على مستقبل تونس و إنما ا انشغلوا  بمشكلة أساسية    تدور  حول مسائل دينية  .  و هو ما أنتج نزاع  مستمر يختفي و يظهر مع أي حدث جديد . قسم يرى العلمانيين ملحدين و يحتقرون الدين . و يجب التصدي لهم لأنهم يمثلون خطر على   الإسلام في  تونس .  و في الطرف  الآخر يرى العلمانيون   أن المهووسين بالدين متخلفين و يمثلون خطرا على تقدم و تطور تونس. و لهذا يجب مقاومتهم  للمحافظة على الحريات الفردية .مع هذا النزاع العقيم لفئات الشعب، يواصل الأحزاب  الاستهتار بتونس. فكل الأحزاب  انتهازية ، سوى كانت حاكمة أو معارضة، لا تمتلك مشاريع واقعية و ناجعة و قادرة على إنقاذ تونس. فهي أحزاب مبنية على شعارات فضفاضة و فارغة .و  كل تتركز اهتماماتهم   فقط على الفوز في الانتخابات التي ستأتي.

و أمام  هذا المشهد القاتم تتخلى النخبة التونسية  عن دورها في الدفاع عن الوطن بتوعية كافة مكونات المجتمع  .  فهي لا تحضي بثقة  المواطنين البسطاء لأنها تتعالى عن الاختلاط بهم و تجهل مشاكلهم و تفاصيل حياتهم . المثقف الحق هو من يقترب من كل فئات شعبه . حسب رؤية انطونيو  غرامشي  المثقف الذي لا يتحسس آلام شعبه لا يستحق لقب مثقف. إذ تستفيد الحكومات الفاشلة من تشتت النخب التونسية .و عوضا عن التوحد وخلق قوة ضغط للتغيير و إنقاذ الدولة من الانهيار ، تتصادم  النخبة التونسية. ما يميز أفراد النخبة التونسية الغرور و النرجسية . يميل أغلب المثقفين   إلى تقمص دور الزعيم . كل مثقف يرى نفسه الأقدر  على التفكير و فهم ما يجري و يتوقع أن يتبعه الآخرون. كما تغلب نزعة   الكراهية و العدائية على علاقاتهم .  لم تثبت النخبة  التونسية رفضها لما يحدث على أرض الواقع.  لأنه لم يحدث أن خرجت النخب  ، من كل القطاعات ، متوحدة في مسيرات تدعو لإصلاح التعليم و المنظومة الصحية أو محاسبة المتورطين في الفساد . النخبة وحدها تمثل قوة تدفع للتغيير. 
    التدهور الخطير  الذي تواجهه تونس يتطلب أن تتحلى النخبة التونسية بالمسؤولية و تتخلى عن الأنانية و وهم الزعامة.  و يجب على النخبة  من مختلف القطاعات أن تتشارك  في البحث عن حل لإنقاذ تونس من السقوط.  إن لم تسارع النخبة التونسية  بالتحرك الفعلي و الناجع فإنها ستعتلي ربوة  العربي الأخير باكية على اندثار تونس بعد أن سلمت  مفاتيحها لعصابات الفساد و السياسيين الانتهازيين و الإعلاميين السماسرة . و ستكون تونس في مكان عائشة الحرة قائلة: "ابك كالنساء ملكاً لم تحافظ  عليه كالرجال"
 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

كلام خطير ذلك الذي نطق به المرشح منصف المرزوقي على هامش اختتامه حملته الانتخابية أمس في باجة.
20:00 - 2019/09/14
لم أجد أصدق وأدقّ من هذا النحت اللغوي تعبيرا عن حالتي مثل عديد التونسيّين قبل أيّام من الانتخابات
20:00 - 2019/09/14
توشك الحملة الإنتخابية الرئاسية على النهاية، وقرب موعد الاقتراع ليختار المواطنون من سيتولى منصب ر
20:30 - 2019/09/13
أي نعم واللّه خوفا من اعتماد الفساد والاستئناسبالفضيحة في رؤية هلال الانتخابات المليحة في الخمار
20:20 - 2019/09/13
يلاحظ المتابع للحوارات مع المترشحين للانتخابات الرئاسية سواء بصفة فردية أو خلال المناظرات الجماعي
20:20 - 2019/09/13
من الصعب أن يُنصت الناس اليوم- ونحن على مشارف انتخابات رئاسيّة- للغة العقل إذ لميولاتهم الإنتخابي
20:20 - 2019/09/13
لم أجد أصدق وأدقّ من هذا النحت اللغوي تعبيرا عن حالتي مثل عديد التونسيّين قبل أيّام من الانتخابات
20:20 - 2019/09/13
توشك الحملة الانتخابية الرئاسية على النهاية، وقرب موعد الاقتراع ليختار المواطنون من سيتولى منصب ر
20:20 - 2019/09/12