حراك الجزائر ..قوة الجمالية الناعمة تؤسس لجزائر جديدة

حراك الجزائر ..قوة الجمالية الناعمة تؤسس لجزائر جديدة

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/03/20

تحول قيمي حضاري ذلك الذي حملته الصورة الجمالية للجزائريين منذ خروجهم الأول  في  جمعة  الثاني والعشرين من شهر فيفري المنصرم . لم يكن  مفاجئا طبعا ولا بالسريع  ولكن ثمة  شيء مخبأ  كان ينصهر  شيئا فشيئا في "مشتلة"  الضمير الجمعي  منتظرا شرارة  معنوية أو حسية  محفزة ،  يُكسرُ بها جدار الصمت  ليعبر عن مدى الجمالية التي ظل يرسمها في الظل،  بالامتعاض والنقد الخفي المجتمعي للسياسات المتخذة  في جل الميادين: تربية ، وعدالة ، واقتصاد، وتشغيل  وما صاحبها من رداءة مقيتة تجاوزت  حد المعقول الى الاستفزاز في قيم المجتمع  ومبادئه تارة ،  وبالنكوص على الذات   والقفز على راهنية اللحظة  على أمل غد أفضل تخبئه الايام  أو انتظار  تغيير رباني في شكل معجزة  قد تأتي من السماء تارة أخرى .


صورة قاتمة فعلا رُسمتْ  ضد  الجزائريين  جراء العشرية السوداء .  تمت تغذيتها من بعض وسائل الاعلام الاجنبية  في الخارج  ، ومن ممارسات الحكومات المتعاقبة منذ إلغاء المسار الانتخابي سنة 1991. وظلت هذه التوليفة   تسوق لها السلطة  في مقاومتها لأي عملية تغيير،  بتخويف الجماهير من العودة  الى مربع الدماء   والتحذير من مثل ما وقع في بعض دول الربيع العربي من تحولات تراجيدية . وبين كل هذا  استمرت صورة العنف والعنجهية تلاحق الجزائريين في الغرب  بل حتى  عند بعض الأشقاء العرب .


 ولاشك في أن التحول  الذي نعيش فصوله_ حتى اللحظة _  المقرون  برشد وعقلانية  الحراك الجماهيري على مدى شهر كامل  من المسيرات في جميع أنحاء الجمهورية الجزائرية  تولد من عدة مخاضات  موضوعية يمكن تبريرها بالآتي :
أولا : لا يختلف اثنان في أن التاريخ  هو أول معلم للدروس. فلقد كانت للعشرية السوداء بكل ما تحمله الكلمة  من تراجيدية الاثر العميق في نفسية  الجزائريين  وسلوكياتهم  ، في علاقاتهم الاجتماعية  _في أسرهم _ وفي علاقاتهم المهنية_ داخل مؤسسات  عملهم _ وفي تعاملهم مع  السلطات المحلية والولائية ومع الحكومة وفي قضايا الشأن العام  .
ثانيا : سياسات السلطة خلال العشرين سنة الماضية  شكلت مركبا من الابوة على المجتمع  ومن الوصاية المستمرة.  واختزلت  كل الحلول في ما تقدمه وما تمن به من سياسات  تستفيد من مخرجاتها شريحة  فئوية وحزبية ومجتمعية  ضيقة.  


هذا السلوك النمطي  للسلطة  تعزز بتوليد قيم مجتمعية سلبية مثل  : «الشيتة « و»الشكارة « «والجهوية « واستفحال ظاهرتي «الرشوة والفساد «. وأضحت معيارا مركزيا  في أي عمليات  للترقية  أو القبول الوظيفي  أو التعيين ... هذه الممارسات  أحالت شريحة واسعة من الشعب  والمثقفين والوطنيين  على التقاعد السياسي وحرمتهم من تحمل المسؤوليات في المناصب العليا    ومن  الخوض  في السياسة واعتبارها منطقة محرمة في انتظار لحظة فارقة  أو تغيير  ذاتي ما.  
ثالثا : لا يجب إنكار أن الرئيس بوتفليقة لاسيما  خلال عهدته  الأولى والثانية  عزز من مسار السلم والمصالحة بين الجزائريين  من خلال قانون الوئام المدني  وميثاق السلم والمصالحة  ...فأعاد من خلالهما  الى الجزائريين  روح الأمل في الحياة والعيش والتنقل  والعمل والاستقرار أيضا .


رابعا : الشعوب دائما تتعلم من بعضها  دون أن تكرر نفس الأخطاء . فترسم  مساراتها من وحي التجارب المتراكمة ..وهي أكثر ذكاء ورشدا. ولا يمكن أن نسلبها هذه الصفة.  وضمن هذا الاطار  ظل الشعب الجزائري يتفاعل  بكل مكوناته مع تطورات «الربيع العربي» دون أن يشارك فيها . فشاهد  جميع سياقات ميلادها ونهاياتها المختلفة  :  من تونس الى مصر الى سوريا الى  اليمن ....هذه التجارب  جعلته يعي أن المحافظة على أمن الوطن  هو الجوهر. وهو  أولوية  وهدف بذاته  بغض النظر  عن ممارسات  السلطة  ومآلات سياساتها المختلفة.
  جمالية الصورة التي ساهمت هذه الأسباب والمخاضات التاريخية والنفسية في تشكيلها نراها اليوم ماثلة في الشارع  من خلال:


_ طبيعة الشعارات واللوحات  التي أبانت عن حجم  الوعي السياسي الذي بدأ يكبر من جمعة الى أخرى . اكتسبته الجماهير  وجسدته في صيغ  الكلمات  المنتقاة ومدلولات معانيها  المختصرة  والمقصودة والهادفة  .  تتغير وتتطور تماشيا مع لون وطبيعة الاستجابة المعبر عنها ضمن مخرجات النظام.
 _ مضمون اللوحات  التي حملت رموزا  وإشارات ذات طابع  كاريكاتوري ساخر  معبرة عن عمق الأزمة التي يعانيها النظام   في شكل رسومات  لرجالات السلطة  الذين شاركوا في تعميق الأزمة واستدامة أمدها.


_تقاطع  الشعارات واشتراكها  في التعبير عن متانة الوحدة الوطنية.  وتجسد هذا في  الافتخار بالجيش والاعتزاز  برجال الامن وتعاملهم الاحترافي مع المتظاهرين  وبالتوازي ايضا  خلوها من كل عبارات الجهوية والعنصرية والقذف والشتم والسب .
_ احتفاء اللوحات  بصور رجالات الحركة الوطنية  والإصلاحية من ديدوش مراد الى العربي بن مهيدي  ومن ابن باديس الى البشير الابراهيمي. 
_تطورها وانسجامها مع حجم استجابة النظام : من  طلب العدول الى رفض التمديد والتأجيل الى التعبير  الى اقتراح الحلول. 
_ جمالية الصورة  جسدها  أيضا خروج المرأة الى جانب الرجل في مسيرات الثامن من مارس  وتبنيهم بعض الشعارات  المواكبة لطبيعة المناسبة من جهة وتضمينها  مطالب اجتماعية  ممزوجة بطابع  رومنسي  هزلي تهكمي.  


_خروج العائلات بشكل لافت للنظر وكبير  في مسيرات 15 مارس بنين وبنات شيبا وشبابا نساء ورجالا أطفالا وصبيانا ، وممارستهم معاني التضامن  والتكافل الانساني والمجتمعي  قبل  المسيرات وأثناءها.
_ التحاق جميع الفئات المهنية من قضاة ومحامين وطلبة وتلاميذ  وأساتذة وبعض رجال الأمن الى جانب ذوي الاحتياجات الخاصة  وحتى عمال بعض  الشركات في بعض القطاعات الحساسة والاستراتيجية بالحراك. 


_التأطير الالكتروني  عالي التدفق :  سواء في شكل تعليمات أو توجيهات أو اقتراح حلول  ومن ذلك : التنبيه بضرورة تنظيف الشوارع من مخلفات المارة المتظاهرين ،  وعدم الاحتكاك برجال الامن والشرطة ، والالتزام   بتوقيت الحراك الذي يبدأ عادة من وقت خروج المصلين من صلاة الجمعة وينتهي قبل السادسة مساء.
 هذه صور مجتزئة  لا تغني بالضرورة  عن وصف  قوة جمالية الحراك  التي تتزايد بتعاظم  حجم  الوعي  وبما يرسمه الجزائريون بروحهم السمحة  واعتزازهم بقيمهم الوطنية . وقد أعادت  بلا شك ترميم الصورة النمطية  التي جسدتها بعض القنوات الأجنبية ونقلتها  بغير أمانة  الى مكونات المجتمع الدولي عن المواطن الجزائري. أما داخليا فسيتعين  على الحكومات التي سوف تتمخض عن الحراك أن تجعل  سلمية وجمالية الحراك  موضوعا  محوريا مقررا ضمن وسائل تنشئتها السياسية والاجتماعية  حتى يكون عنوانا جامعا   يرسم تفاصيل  ملامح المشهد العام  للجمهورية الجزائريـة الجديدة.

بقلم : الدكتور ولد الصديق ميلود (أكاديمي وباحث جزائري) 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

خلق اللّه الإنسان من طين، ونفخ فيه من روحه فإذا هو كائن عظيم مبدع، ومفكر خلاّق وهبه سبحانه وتعالى
20:20 - 2019/07/22
كنت ناقشت في  الحلقة الأولى من هاته السلسلة من المقالات البحثية  التلوث البحري وتأثيره على استمرا
20:20 - 2019/07/22
يتمتع أعضاء المؤسسات الدستورية والهيئات الأخرى بما يسمّى بالحصانة وهو مفهوم هدفه الأساسي حماية ال
20:20 - 2019/07/22
معذرة إن تضمنت بطاقتي كلمات ما تعودت على ذكرها فأنا مجبر على الدخول من بابين باب «مخاطبة الناس بم
20:15 - 2019/07/17
أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ عشر سنوات أن يكون يوم 18 من هذا الشهر الجاري الذي يصادف الغ
20:15 - 2019/07/17
أشرف الجبري (خبير محاسب)
20:30 - 2019/07/15
تطرح اليوم مسألة القائمات المستقلة في الانتخابات الرئاسية والتشريعية الكثير من التساؤلات.
20:30 - 2019/07/15
يقول الكاتب الكويتي خليل علي حيدر في مقاله «جدل في البطّيخ والشّمّام» بمجلة «العربي» العدد 13 أفر
20:30 - 2019/07/15