حول قرار الـ FCR 2/2

حول قرار الـ FCR 2/2

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2018/06/11

ومن المتجه للحكومة اتخاذ مخطط على خمس سنوات يقع بمقتضاه التدرج على عدة مراحل وذلك بالنزول بالمعاليم الديوانية بنسبة مناسبة سنويا حتى نصل في نهاية المدة لمعاليم معقولة وتماشى مع المعايير الدولية واتفاقيات تونس مع منظمة التجارة الدولية ومع حرية التجارة، وخاصة مع الطاقة الشرائية للمواطن التي تدنت حاليا بنسبة كبيرة حتى يواجه بقية متطلبات الحياة من مأكل وملبس ومسكن ونفقات دراسة أبنائه التي أصبحت مرتفعة وفي تزايد مطرد وتكاليف العلاج وغير ذلك من الضروريات.
ويمكن هكذا تخفيف الضغط على ميزانية العائلة وتمكينها من التوفير أو الادخار الداخلي للمساهمة في التنمية أو على الأقل ا لحد من ظاهرة الاقتراض والتداين وتوجيهه لميادين أخرى يمكنها خلق موان شغل عديدة مباشرة وغير مباشرة والعودة بالنفع على الاقتصاد الوطني مثل القطاع العقاري والبناء والملابس والخدمات بصفة عامة وليس الاقتراض فقط لاقتناء سيارة ثم العجز عن مواجهة بقية الحاجيات الأخرى.
وكذلك تجدر الإشارة في هذا الصدد أن نظرة المشرع التونسي للسيارة بقيت غير متطورة ـ لكي لا نقول متخلفة ـ فهو مازال ينظر للسيارة كمنتج كمالي وليس ضروريا ولذلك فهو يثقلها بالأداءات والمعاليم التي ما أنزلها الله من سلطان  والتي حان الوقت لإلغائها مثل الأداء لفائدة صندوق حماية البيئة والذي أحدث سنة 2004 لما تجاوز سعر البرميل من البترول الخام آنذاك عتبة المائة وخمسين دولارا تبعا لحرب الخليج الثانية ولكن هذا الأداء لم يلغ حتى الآن ورغم نزول سعر البرميل إلى أكثر من النصف ويتجه إلغاؤه. وكذلك المعلوم الموظف على بيع السيارات المستعملة الذي أحدث بموجب المنشور الصادر عن وزير النقل في أواخر سنة 2016 والذي يجب إلغاؤه كذلك لأن السيارة لم تعد تلك البقرة الحلوب وقد جف ضرعها وانقطع حليبها لكثرة ما أثقلت بالأداءت والمعاليم والضرائب على مختلف أنواعها وبمناسبة وبغيرها.
فهي موضوع توظيف أداءات ومعاليم عندما تكون جديدة بما فيه الكفاية فلماذا يعاد خلاص معاليم أخرى بعدما تصبح مستعملة فهل أن الدولة سوغتها لمالكها الذي عليه الدفع في كل فترة أم ماذا.
ويكفي التوجه لأي وكيل أو نيابة بيع السيارات الجديدة ليصاب المرء بالصدمة والدهشة ويبقى في حيرة من أمره بين ما في جيبه (أو بين جيبه الفارغ أصلا) وبين الأسعار الخيالية التي لا تعدو أن تكون مجرد لعبة حسابية ومجموعة أصفار على اليمين تعقب أرقاما خيالية وضعت على يسارها تجعله يشعر أنه صفر أمام هذه الأسعار الباهظة  التي تفصله عنها سنوات ضوئية عديدة فما معنى ان يناهز سعر مجرد وأبسط سيارة شعبية صغيرة الثلاثين ألف دينار (أي ما يعادل مائة مرة الأجر القانوني المضمون عن شهر عمل كامل أو مداخيل ثمانية أعوام وثلاثة أشهر وهو أمر غير معقول في حد ذاته)، وهو مبلغ لا يقدر المواطن متوسط الدخل على جمعه ولو بقي يدخر طيلة سنوات عديدة من حياته دون أن ينفق مليما واحدا من دخله. أما المواطن محدود الدخل فهو لا يمكنه مجرد التفكير في اقتنائها. وبالنسبة للسيارات الجيدة أو الممتازة فهي أصبحت تتجاوز المائة ألف دينار وهو مبلغ صعب الادخار حتى بالنسبة لأصحاب الدخل الرفيع. فهل من حق المواطن العادي والذي يدفع الضرائب ويتوجه للتجارة الرسمية ولا يريد التعامل بالطرق الملتوية أو مع السوق الموازية أو السوداء، هل له الحق ولو مرة في حياته أن يحصل على السيارة التي يريدها والتي يمكنها مساعدته في قضاء حوائجه وضمان كرامته أثناء التنقل بأسعار مقعولة لا يقع فيها استغلال حاجته وضعفه إزاء المنظومة مع حفظ حق الدولة في ضمان موارد مالية وديوانية وضريبية معقولة وغير مشطة كما عليه الأمر حاليا.
وأخيرا فإن هذا الاجراء ليس متوازنا ومن شأنه تمكين نيابات الشركات العالمية المصنعة للسيارات بتونس من احتكار السوق وفرض الأسعار التي تريدها في غياب منافسة الشركات الخاصة التي تتاجر في السيارات الموردة والتي يبيعها لها التونسيون المقيمون بالخارج المنتفعون بالامتياز القمرقي (وهو من حقهم المضمون دستوريا كما أسلفنا القول) وهي شركات منظمة وقانونية وتدفع الضرائب وتشغل حوالي خمسة آلاف عامل بالبلاد ولها حقوق مكتسبة منذ سنوات طويلة بموجب القانون المنظم لنشاطها وهي تلعب دورا هاما في تلبية جانب هام من حاجيات السوق المحلية من السيارات الموردة وبشروط من النيابات الأخرى وبأسعار أنسب. كما ان هذا الاجراء سينعكس لا محالة على شركات الايجار المالي التي تتعامل بخصوص هذه السيارات الموردة والقطاع البنكي كذلك. وبما ان كل قانون يجب أن يكون له اجراءات مصاحبة ولعدم الحاق الضرر بهذه الشركات والتسبب في وضع حد لنشاطها وإغلاق أبوابها وإفلاسها وتسريح عدد كبير من العاملين فيها وتشريدهم وقطع مورد عيشهم فجأة فإنه يتجه تمكين هذه الشركات من رخصة توريد مباشر من الخارج وبتحويل العملة الأجنبية بصفة رسمية بإذن من البنك المركزي وعن طريق هذا البنك في نطاق القانون والشفافية، ولو لزم الأمر مع تحديد عدد السيارات المسموح لها بتوريدها سنويا حتى تتصرف على ذلك الأساس وتنظم أمورها عند التوريد فتتعامل بعدد مناسب مرة واحدة (وليس التعامل بالقطعة كما يعبر عنه أو باستيراد سيارة أو سيارتين كل مرة بدل العديد منها صبرة واحدة) مما من شأنه التخفيض في تكلفة الشراء والتنقل والشحن وهو أمر سيستفيد منه المواطن والمستهلك في نهاية المطاف تبعا للضغط على المصاريف الذي سوف يساهم في تخفيض الأسعار مع إلزامها بتمكين الحرفاء من فواتير ومسك دفاتر محاسبية قانونية ومراقبة مداخيلها بصفة دورية. وقد صرّح وزير التجارة مؤخرا الى مبلغ تسعمائة ألف مليون دينار يقع التعامل به سنويا بخصوص السيارات الموردة بهذه الطريقة دون ان يدر على المالية العمومية أي مداخيل ونحن نقول أن من شأن تنظيم هذا القطاع كما لاحظناه أعلاه أن يدخل في الدورة الاقتصادية الرسمية وأن يدعم موارد الدولة الجبائية ويحد من التهريب والتهرب الضريبي ويقلص من مجال السوق  الموازية. وفي صورة الابقاء على مدة السنة قبل البيع فسوف ترتفع الأسعار بصفة مهولة ويتقادم أسطول السيارات ببلادنا مما ينجر عنه نزيف العملة لتوريد قطع الغيار والزيادة من استهلاك الطاقة وكذلك تلوث المحيط. وقد يعمد البعض لإبقاء السيارات مخزنة في مستودعات طيلة سنة دون استعمال قبل اخراجها وبيعها بما يعني تجميد المليارات من عملتنا واخراجها من الدورة الاقتصادية طيلة سنة كاملة مع ما سيتبع ذلك من قضايا وخصومات وتحيلات لن يقدر هذا الاجراء في صورة التمسك به على مقاومتها أو إيجاد الحل المناسب لها. كما أن المواطن الطيب وحسن النية قد تواجهه صعوبات مالية أو مادية ترغمه على بيع سيارته قبل نهاية مدة السنة ربما للتداوي أو لاتمام بناء مسكنه أو لمجابهة مصاريف دراسة أبنائه أو أي حدث طارئ فكيف يتصرف عندئذ وهل فكر هذا القانون في  مثل هذه الحالات وماذا سيكون الموقف أو الحل في تلك الحالات. ويبدو أن واضعي هذا الاجراء نسوا دور  التونسيين المقيمين بالخارج في دعم الاقتصاد الوطني وضخ العملات العالمية فيه وما قطعته الحكومة على نفسها من وعود لفائدتهم وبما أنهم يشكلون معادلة هامة في أي انتخابات قادمة نظرا لعددهم الكبير فلابد أن يصوتوا لصالح أو ضد من راعى مصالحهم أوحرمهم من بعض حقوقهم مثلما هوالشأن بالنسبة لتحديد بيع السيارات الموردة بموجب الامتياز الديواني المتخذ مؤخرا، وإن غدا لناظره قريب.
 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

على خلفية الصراع المستجدّ بين واشنطن وأنقرة تطفو على السّطح مرّة أخرى سمة من سمات العلاقات بين ال
20:00 - 2018/08/15
رحم الله أبا القاسم محمد كرّو، أديبنا وناقدنا – الذي نحن على وشك نسيانه – لما قدّم للثقافة التونس
20:00 - 2018/08/15
ألقى تقرير الحريات الفردية والمساواة بأكثر من حجر في مياه راكدة.
20:00 - 2018/08/15
كثيرون حشدوا وجيّشوا في المدة الأخيرة ضد تقرير لجنة الحريات وانخرطوا في مناكفات وتجاذبات بدت وكأن
20:00 - 2018/08/14
«جانا الصيف والشط والجبايب...»
20:00 - 2018/08/14
إن المعطيات أهم شيء: أهم من الرأي والموقف والقرار وكل شيء.
20:00 - 2018/08/14
يعرف تلامذتي على امتداد خمس وثلاثين سنة من حياتي المهنية أنّي متسامح إلى حدّ ما في الأمور الدراسي
02:05 - 2018/08/14
بقلم الأستاذ : محمود بوعفيف
20:00 - 2018/08/13