سيادة القانون بين الحقيقة والوهم

سيادة القانون بين الحقيقة والوهم

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/10/02

القاضي: الطاهر بن تركية
(رئيس دائرة جنائية بمحكمة الاستئناف بتونس)

إن سيادة القانون rule of law تعني بالأساس سلطان وعلوية القانون وهي مسألة غاية في الخطورة وقد تناولتها الدساتير نظرا لأهميتها فضلا على الصكوك الدولية. فمفهوم سيادة القانون راسخ في ميثاق الأمم المتحدة وكذلك في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وغيرها من مصادر القانون الدولي. فهو أصل من الأصول الدستورية ويترتب عنه أساسا تحقيق مبدأ الحماية ضد الأحكام التعسفية في الحالات الفردية والجماعية على حد سواء.
الأمين العام للأمم المتحدة وصف سيادة القانون في تقريره 2004/616 بأنها « تتمثل في تطبيق القانون على الجميع بالتساوي وأن يحتكم في إطارها إلى قضاء مستقل يتفق مع القواعد والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، ويقتضي هذا المبدأ كذلك اتخاذ تدابير لكفالة الالتزام بمبادئ سيادة القانون والعدل في تطبيقه والفصل بين السلطات والمشاركة فى صنع القرار واليقين القانوني وتجنب التعسف والشفافية الإجرائية والقانونية «.
والسؤال المطروح بإلحاح، هل هناك سيادة قانون حقيقية؟ أليس هناك انحرافات وخلل في التطبيق في أكثر من مجال؟
يقال في الفلسفة بأن الخلل في التطبيق لا يعني بالضرورة فساد النظرية، كذلك فإن الخلل في تطبيق القانون لا يعني بالضرورة فساد القانون.
وبالتالي فإن الخطورة كل الخطورة تكمن في تطبيق القاعدة القانونية على حالة ملموسة لا تشابه غيرها من الحالات.
حقيقة، عند النزول إلى الواقع الملموس نرصد حالات انتهاك حقوق الإنسان بشتى الطرق بعضها يعود إلى القاعدة القانونية أصالة والبعض الآخر يعود بالأساس إلى التطبيقات القانونية.
ولا غرو أن قلنا بأن إنتهاك حقوق الإنسان يعتبر تعسفا أو إكراها كما يجوز توصيفه بمصطلح «العنف» وجرت العادة أن تتضرر منه الفئات الأقل حظا والمهمشة وهو ما يعبر عنه بضحايا التمييز السلبي الذي يقوم أغلبه على أساس العرق أو الدين أو الجنس أو اللون أو المستوى المعيشي ويمكن أن يكون كذلك على أساس الانتماء السياسي ورأينا في تونس بعض الإفرازات من هذا القبيل.
وهذا التمييز سواء كان مقصودا أو غير مقصود ينتج آثارا وخيمة ضرورة أنه يحرم الأشخاص من حقوقهم الطبيعية كما جاءت بها المعاهدات الدولية أو ينقصها بدون مبرر أو سبب موجب وعلى ذلك الأساس فإن التمييز السلبي ينتج عنفا «violence» غير ظاهر للعيان لكنه عادة ما يرهق النفوس ويولد عنفا مضادا «contre-violence» يتمثل في النقمة على الأوضاع السائدة والانفلات السلوكي تجاه النواميس وحتى ضد المنظومة القانونية القائمة ويؤدي في أغلب الأحيان إلى ضعف وضمور في الروح الوطنية وإتيان أعمال عادة ما تكون تخريبية بطريقة أو بأخرى.
ورغم خطورة هذه المسألة فإنه لا يوجد استخدام لمصطلح العنف أو الإكراه القانوني» la violence juridique « سواء على المستوى المحلي وكأنه غير موجود حال كونه يكون ظاهرة اجتماعية وحقوقية وأفرزه رصد إنتهاكات حقوق الإنسان بالمعنى الكامل والشامل.
كذلك، فقد غاب هذا المصطلح عن الاتفاقيات الدولية وعن الدراسات المتصلة بحقوق الإنسان عدا في بعض المناسبات ويكون بشكل عرضي.
ولسائل أن يسأل عن مفهوم ومناط العنف القانوني؟
بالرجوع الى الحالات المرصودة يمكننا ضبط مجاله وتحديد مفهومه بأنه يتمثل بالأساس في»سن تشريعات تنص على حرمان أشخاص من حقوقهم أو انتقاصها دون سبب موجب أو الامتناع عن سن تشريعات تحمي حقوق واجبة الحماية أو الامتناع دون مبرر عن تطبيق قانون ينص على حق معين أو تطبيق قانون تطبيقا لا يتفق وحكمة تشريعه أو الإبقاء على تعارض قانون مع قانون آخر...»
وفي الحقيقة، هناك مظاهر عديدة للعنف القانوني في التشريعات والقوانين الجاري بها العمل وخصوصا لدى الجهات القائمة على تنفيذها بكافة مواقعها الإدارية بما في ذلك الجهة القضائية.
إن سوء تطبيق القاعدة القانونية سواء من الإدارة بمختلف درجاتها أو من القضاء بما لا يتفق و»حكمة تشريعها « يرتب لا محالة «عنفا قانونيا» يتعارض مع مبدإ الشرعية» la légalité « والمشروعية « la légitimité « ويناهض الأمن القانوني la sécurité juridique الذي ترتكز عليه الدول الديمقراطية. وبإنخرامه يحصل حتما فقدان الأمن القضائي la sécurité judiciaire وهي جميعها أدوات مرتبطة ارتباطا وثيقا ببعضها البعض وتصب في نفس الغرض.
وكثيرا ما تظهر للعيان حالات أشخاص جردوا من الحماية القانونية بسبب تدخل غير منصف للقانون أو بسبب عدم انسحاب أثره كما يجب لتحقيق الحماية المرتجاة وفي كلتا الحالتين هناك عنف قانوني يسلط على أفراد المجتمع، هذا بصرف النظر عن انتماءاتهم الإجتماعية والإقتصادية وحتى السياسية، كل ذلك في إطار دولة مدنية لا يحتكمون الناس فيها لغير القانون دون خيارات أو بدائل أخرى. وفي غياب ذلك يقع عادة الإستنجاد بالخارج أو بالمنظمات الدولية لرفع الحيف.
ومن هنا يقع على عاتق الدولة القائمة على تشريع القوانين والساهرة على تنفيذها تقصي الحماية القانونية لجميع الأفراد الخاضعين للقانون على حد سواء تلافيا لحصول انحرافات أو عنف قانوني. وهو غير مجرم في غالب الأحيان بدعوى أن الخطر الصفر  Le risque zéro غير متوفر في عمل الإدارة وكذلك في العمل القضائي.
وفي ما تعلق بإدارة القضاء، أعود الى القول بإن الخلل في تطبيق القانون لا يعني بالضرورة فساد القضاء كما أن الخلل في تطبيق النظرية لا يعني بالضرورة فساد النظرية. فالنظرية واحدة والتطبيقات عديدة بعضها منسجم ومتناغم وبعضها متنافر. وفي المجال القضائي فإن الصعوبة تكمن في الانتقال من نص قانوني عام، مجرد وجامد إلى صورة متحركة من صور العمل القضائي اليومي la difficulté réside dans le passage de l›abstrait au concret.
ومن هنا تنهض المسؤولية على الدولة التي عليها أن تخلق بيئة قانونية وقضائية بدون اكراهات un environnement légal et judiciaire sans violence وإلا ما معنى دولة قانون ومؤسسات إذا لم يجد المواطن الطمأنينة القانونية والسكينة القضائية وما معنى دولة ديمقراطية في زحمة الاعتداءات على أبسط الحقوق المشروعة.
وباختصار، هناك منطقة رمادية يجب الحذر منها كل الحذر في التطبيق القانوني والقضائي خصوصا في ما يتعلق بالحريات بإعتبار أن حرية الناس أهم الحقوق المدنية les droits civiques على الإطلاق.

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

أولا وبادئ ذي بدء، لا يمكن إلاّ أن نترحّم على شبابنا وشاباتنا الذين قضوا نحبهم في كارثة الحادث ال
20:20 - 2019/12/05
أمرٌ طالما انتظرته منذ 2014 فلم يأت مع الحبيب الصيد ثمّ لم يأت مع يوسف الشاهد وها أنّه يأت اليوم
20:15 - 2019/12/05
على مرآى من عين دراهم وعين السنوسي حيث جدت الكارثة التي أبكت كل العيون التونسية.
20:15 - 2019/12/05
كنت كلّما زرت بلدتي الطيّبة سألت عن مؤدّبي منذ ستّين سنة، ومؤدّب ولديّ منذ عشرين، فأجبت بردّ مطمئ
20:00 - 2019/12/05
تناولنا في الأسبوع الماضي في خضم محاولة طرح الجندرة في الحقل الديبلوماسي ما يمكن أن تضيفه المرأة
20:15 - 2019/12/03
بقلم: سهيل بيوض (ناشط حقوقي)
20:30 - 2019/12/02
ينتصب تمثال عالم الاجتماع «عبد الرحمان ابن خلدون» في مكان استراتيجي في قلب العاصمة وقد عوّض به ال
20:00 - 2019/12/01
كلّما وصل إلى سمعي صوت بائع متجوّل ينادي مشهرا سلعة تذكّرت من زمن الطفولة باعة جوّالين بمختلف الس
20:00 - 2019/12/01