فــي الاقتصــــــاد والقيـــــــم

فــي الاقتصــــــاد والقيـــــــم

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/07/15

أشرف الجبري (خبير محاسب)
يقول الشاعر: "إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا" وإذا ما سلمنا بأن العمران يبنى بالاقتصاد و "أن لا جباية إلا بالعمران ولا عمران إلا بالعدل" على رأي العلامة إبن خلدون، فإنه يتبين لنا وجود علاقة بين تواصل الأمم المشروط بالازدهار وبين الاقتصاد بما هو حوكمة الانتاج وتحصيل الضرائب وتوزيع للثروة وبين الاخلاق والقيم. قد تكون العلة في اقتصادنا نابعة من اختلال في هذه العلاقة. 
لا أحد ينفي اهمية المعادلات الحسابية في رسم المخططات ووضع الموازنات. ولا أحد ينفي أن الترفيع في نسبة الفائدة يساهم في التصدي للاستهلاك العشوائي ويحد من نسب التضخم ويساعد بالتالي على الحفاظ على الأسعار وعلى القدرة الشرائية. وفي المقابل لا أحد ينفي أن الترفيع في نسبة الفائدة يحد كذلك من الاستثمار ومن الإنتاج. ويخلق نوعا من الركود الاقتصادي ويجعلنا في تبعية للأسواق العالمية. السياسة النقدية للدولة هي إذا أداة للتحكم في الأسعار جعلنا من نسبة الفائدة قناتها الأساسية في تونس ما بعد الثورة متجاهلين حقيقة اقتصادنا: ما يقرب من نصف المعاملات تتم في سوق موازية بها كل مقومات المجال الاقتصادي من سيولة وسعر صرف وتبادل بضائع وقروض... ولكنها لا تؤخذ بعين الاعتبار في المعادلات الاقتصادية ولا في التوازنات الرسمية التي تبني الدولة على أساسها سياساتها الاقتصادية. إن الجنوح إلى الاقتصاد الموازي والنشاط في السوق السوداء والابتعاد عن كل ما يرتبط بالقوانين والضوابط هي خيارات اخلاقية بالأساس متاحة للمتدخلين في المجال الاقتصادي سواء كانوا في موقع المنتج أو الموزع أو المستهلك أو المراقب...والكل يتساءل كيف يحدث ذلك وكيف يمكن تفاديه حيث اثبتت المعادلات النظرية عقمها؟
الإجابة عن هذا التساؤل تستوجب التفكير بطريقة مغايرة والخروج من قوقعة المعادلات الاقتصادية والبحث في المعطيات الأخلاقية والقيمية التي لم يدرجها منظرو الاقتصاد في معادلاتهم ونظرياتهم إما عمدا أو سهوا أو عجزا. سهوا لأنه جل من لا يسهو و عمدا لأن النظريات المركانتيلية البحتة تعمدت تغييب هذه القيم من مبدإ  دعه يعمل دعه يمر. وأما العجز فهو نابع عن المعاينة الميدانية للفشل البين الذي اثبتته النظريات الأخلاقوية البحتة عندما أوجدت تداخلا بين الانتاج و الاستهلاك و الأجر و الجباية في محاولة يائسة لفرض مساواة اقتصادية مطلقة ادت احيانا إلى نتائج معاكسة. ووفرت المجال لاستشراء الفساد و للجمود الحضاري كما أنه لا يمكن في اي حال من الاحوال ان يتساوى العمل  والمقابل بين الجميع لأن البشر مختلفون و قدراتهم الفكرية و البدنية و الأخلاقية ليست متساوية. 
من هذا المنطلق، وجب علينا تحقيق البناء الاقتصادي باعتبار المعطيات القيمية والأخلاقية دون الوقوع في النظريات الطوباوية الفضفاضة. هذه القيم التي تنقصنا والتي أدى تجاهلها إلى فشل كل الإصلاحات الاقتصادية في تونس منذ عشرات السنين ترتكز اساسا على قيمتي المواطنة والعمل.
ولا يخفى على أحد انقراض هاتين القيمتين في مجتمعنا. حيث فشلت السياسات الاجتماعية والتربوية في ترسيخها. بل نجحت في تجذير المحسوبية والأنانية المطلقة وتعويم الفساد ونشر الانحطاط الأخلاقي. وانعكس ذلك على المجال الاقتصادي الذي اتسم بالسعي وراء الربح السهل وتجنب المجازفة الاقتصادية البناءة دون تكافؤ بين العمل المبذول والربح المنشود.
اما قيمة المواطنة فهي ترتكز اساسا على القبول بالعقد الاجتماعي الذي ينظم العلاقات بين افراد المجتمع. ويؤسس للحريات وحدودها ويضبط الواجبات ووسائل الالتزام بها وإلزامها. والمواطنة هي ضامن للبناء الحضاري. حيث يشعر الانسان بقيمته في مجتمعه وبمكانته في البناء الاقتصادي سواء حين يلعب دور المنتج او حين يكون مستهلكا ومنتفعا بالطفرة الاقتصادية التي تضمن له العيش الكريم على اساس عادل. ومن مستوجبات المواطنة الوعي بأن الرفاه الفردي لا يمكن ان يتوفر إلا بتوفر الرفاه الجماعي وأن الأنانية الاقتصادية تكون حاضنة للعدوانية وللفوضى. وهو ما يحيلنا إلى الاقتناع بأهمية الواجب الجبائي، اقتناع لا يحصل إلا في إطار الثقة المتبادلة بين الدولة ومنظوريها والشفافية اللا مشروطة في المبادلات التجارية السوقية وغير السوقية على غرار الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
أما في ما يخص قيمة العمل، فهي ركيزة أساسية من ركائز التكوين النفسي للإنسان  حتى كانت محورا اساسيا في الأديان وفي العقائد بمختلف مشاربها. وهي بطبيعتها ليست فقط اداة من ادوات الإنتاج الإقتصادي للمجموعة. بل أيضا وسيلة لإشباع الرغبات الذاتية وتحقيق الرفاه الفردي. وهذا يؤكد مرة أخرى التداخل بين البعد الأخلاقي والبعد الاقتصادي. وقد تجلى هذا الأمر في المطالب الأساسية للثورة التونسية "شغل حرية كرامة وطنية". إذا لا مجال للفصل بين قيمة الشغل او العمل وبين الكرامة والحرية والمواطنة. وللأسف يغيب هذا المبدأ على نسبة هامة من أفراد مجتمعنا. حيث ترتبط الكرامة اساسا بالمادة التي يفترض أن تكون نتيجة للجهد في حين أن التغاضي عن قيمة العمل الذي يفترض أن يكون الوسيلة الأساسية للربح يخلق اختلالا ولا يضمن البناء السليم لمجتمع قادر على الحفاظ على الأمن الاقتصادي والجسدي والفكري مما يؤدي إلى التفتت ونفور الكفاءات.
العمل هو المحرك الأول للعجلة الاقتصادية خاصة في البلدان التي تشح فيها الموارد الطبيعية، سواء كان عملا ذهنيا أو بدنيا. فبه يتوفر الإنتاج وتتحقق القيمة المضافة على البضائع والخدمات وإذا ما حصل الوعي بقيمته أتقن الفرد عمله وتكونت لديه علاقة وطيدة بما يقوم به. وأصبح يرى ذاته في انتاجه ويقيمها حسب انجازاته. وهذا من شأنه الابتعاد تدريجيا عن مظاهر الكسل والتقاعس فيتحول المجتمع إلى خلية نحل تنتج دون انقطاع حسب اجراءات علمية واضحة وتقسيم محكم للأدوار.
تبنى الحضارة باقتصاد مزدهر. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بترسيخ ثنائية قيمتي المواطنة والعمل. فإذا اقتنع كل شخص بوجوده في وطن مبني على تعريف واضح للحقوق والواجبات في إطار عقد اجتماعي يضمن الكرامة والتوزيع العادل للثروة وإذا حصل لديه وعي بأن للعمل قيمة اخلاقية ونفسية وأنه السلم الاجتماعي الذي يتحقق عبره كيانه ويحقق من خلاله دوره في مجتمعه حصلت الطفرة الاقتصادية. وهذا لا يكون إلا بإصلاح الضرر الذي ألحقته الأنظمة المتعاقبة بمجتمعنا عبر نشر الوعي وتربية الناشئة على قيم المواطنة والعمل ودورها في تحقيق التعايش السلمي والرفاه الجماعي والفردي.
 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

الآن وقد انتهت ترشحات الانتخابات الرئاسية السّابقة لأوانها بعد أيام من وفاة رئيس الجمهورية الرّاح
20:00 - 2019/08/16
على بعض المترشحين ـ حتى الآن ـ للرئاسية أن ينسحبوا من السباق منعا لتشتت الأصوات ورأفة بالناخب الذ
20:00 - 2019/08/16
اليوم العيد الوطني للمرأة التونسية: هل نكتفي بذكر المكاسب ونغمض العين الأخرى على المشاكل وعلى محد
20:00 - 2019/08/13
أتذكّر من بلدتي الطيّبة مشاهد وحكايات رأيتها وسمعتها في صباي فكأنّها حدثت بالأمس القريب .
20:15 - 2019/08/07
بكل فخر واعتزاز ونخوة أتقدم بهذه الخواطر الصادقة مكبرا جهود السيد وزير الداخلية الذي تألّق في مجا
20:15 - 2019/08/07
الفكرة الرئيسة التي سنُحاول التوقف عندها تتعلق  بما يحيط بتمثلات كيفية توزع الشعب  إلى أغلبية وأق
20:15 - 2019/08/07
يُحكى أن مملكة تكاثر بها الحمير بشكل لافت ومثير، وإن كانت أرضها خصبة والمرعى بها وفير يكفي لتغذية
20:20 - 2019/08/05
شرّفني صديقي الدكتور الهادي الشريف، المختص في علم الاجتماع بمشاركته في قراءة أوّلية لمداخلة قدّمه
20:15 - 2019/08/05