قراءة سياسية للقانون الأساسي الجديد للميزانية (1 /2)

قراءة سياسية للقانون الأساسي الجديد للميزانية (1 /2)

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/11/04

بقلم د. بدر السماوي 
ليس المقصود مشروع قانون المالية لسنة 2020 الذي بدأ الحديث عنه هذه الأيام بل القانون الأساسي للميزانية الذي صدر في بداية السنة بمقتضى القانون عدد 15 لسنة 2019 المؤرخ في 13 فيفري 2019 والذي سيتم اعتماده لأول مرة هذه السنة بمناسبة إعداد مشروع ميزانية سنة 2020 طبقا لما ورد بالقانون نفسه. فقد دعا رئيس الحكومة في المنشور الموجه إلى الوزراء وكتاب الدولة ورؤساء الهياكل والهيئات الدستورية المستقلة والولاة ورؤساء المصالح بتاريخ 29 مارس 2019 لإعداد مقترحاتهم حسب الصيغ والأحكام الواردة بالقانون الأساسي للميزانية.
 فماهي أهمية القانون الجديد وما هي دوافع إصداره ؟
نص القانون على مصطلح جديد وهو "الميزانية متوسطة المدى" وحددها بثلاث سنوات. وبالفعل فقد تضمن التقرير حول ميزانية الدولة لسنة 2020 إطارا لميزانية متوسطة المدى للفترة 2020-2022. غير أن ميزانية الدولة كما عهدناها وكما عرفها القانون الأساسي عدد 53 لسنة 1967 المؤرخ في 8 ديسمبر 1967 هي أداة سنوية لتقدير تكاليف الدولة ومواردها في نطاق أهداف مخططات التنمية وحسب التوازن الاقتصادي والمالي الذي يضبطه الميزان الاقتصادي ولا يمكنها تعويض المخطط التنموي . 
إلا أن القانون الجديد جاء ليكرس ما شهدناه من ارتجال في السياسة العامة للدولة بعد أن انتفى العمل بالمخططات منذ سنة 2011 باستثناء مخطط 2016 ـ 2020 الذي لم يصدر إلاّ في منتصف سنة 2017 ما جعل أثره غائبا على ميزانيتي سنتي 2016 و2017. كما تكرس التوجه الجديد في عدم الإشارة إلى المخطط الخماسي 2016 ـ 2020 ضمن مراسلة رئيس الحكومة لإعداد ميزانية 2020 وضمن تقرير وزارة المالية حول مشروع ميزانية 2020.
وهكذا يعوض القانون الصادر في بداية هذه السنة القانون الأساسي الصادر سنة 1967 الذي تزامن إقراره مع مرحلة اعتماد الدولة على سياسة التخطيط التي كانت وراء القضاء على مخلفات الاستعمار فأممت الأراضي وبعثت عدة مؤسسات اقتصادية وطنية ونشرت التعليم العمومي وعممت الصحة العمومية. ومن هنا فقد كرس القانون الجديد التخلي على اعتماد التخطيط المركزي للدولة والاستعاضة عنه بقوانين مالية تفتقد إلى الرؤية الاستراتيجية. 
وفي نفس السياق وقع التخلي طبقا للقانون الجديد للميزانية عن منهجية تقسيم الميزانية إلى عنوان أول يشمل نفقات التصرف ونفقات خدمة الدين العمومي وعنوان ثان يشمل نفقات التنمية وتسديد أصل الدين العمومي بما يعني عدم التفريق مستقبلا بين النفقات الموجهة للتصرف والنفقات الموجهة للتجهيز. وتهدف هذه التوجهات المتناقضة مع مبدإ وحدة الميزانية إلى تعويم ميزانية التنمية.
كما أعطى القانون الأساسي الجديد للميزانية امتيازا لما سماه بمهام خاصة أي الهيئات المستقلة وما شابهها لضبط ميزانياتها بنفسها مما قد يؤدي إلى تغول هذه الهياكل على حساب استحقاقات بقية أفراد الشعب فضلا على ما قد تقوم به هذه الهياكل من تجاوزات. ولنتذكر الخلاف الحاد الذي دار في لجنة الحقوق والحريات بمجلس نواب الشعب بين رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة من ناحية (رغم أنها هيئة غير دستورية) والنواب بلجنة الحقوق والحريات من ناحية أخرى بمناسبة نقاش ميزانية الهيئة لسنة 2017، حيث تمسكت الرئيسة باعتماد الميزانية التي أعدتها هيئتها والمقدرة بــ27 مليار متعللة بالفصل 64 من القانون الأساسي للعدالة الانتقالية بينما تمسك النواب باعتماد الميزانية التي قدمتها وزارة المالية والمقدرة بــ10 مليارات. كما يمكن العودة إلى تقرير دائرة المحاسبات الصادر في أفريل 2019 حول أداء نفس الهيئة الذي أشار إلى إخلال بمبدأ الشفافية في مسار إعداد ومناقشة ميزانية الهيئة حيث لم تتول وضع إجراءات مكتوبة لإعداد الميزانية ومتابعة تنفيذها مع غياب تحديد دقيق للحاجيات. 
وبذلك فقد مكّن القانون الجديد ضمن الفصل 41 الهيئات المستقلة وهياكل أخرى من تخصيص اعتمادات من ميزانية الدولة "على أساس حاجياتها من التمويل المقترحة من قبلها". ورغم أن نفس الفصل يستدرك باستعمال "مع مراعاة ميزانية الدولة" إلا أن جوهر القانون يسير في اتجاه دعم الاستقلال عن السلطة التنفيذية في حين أن تدخل هذه الأخيرة يمثل ضمانا لعدم تجاوز السلطة.
إن الخطر يكمن في ما أعطاه الفصل 19 من استقلالية تامة لبعض الهياكل في التصرف في ميزانياتها دون الخضوع للسلطة التنفيذية في حين أن مفهوم الاستقلالية يهم التصرف في الميزانية وليس ضبطها. وبذلك فقد أصبحت هذه الهيئات ملحقة بميزانية الدولة على مستوى الإيرادات ومستقلة على مستوى النفقات مما يمثل خرقا لمبدإ وحدة الميزانية وشموليتها ومكمنا لمنزلقات سوء التصرف.

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

في بلدتي الطيّبة، زمن الشباب، دأبت على مجالسة الكبار، بدل الأقران، لأستفيد وأستمتع بما تناقلوا رو
20:20 - 2019/11/21
قالوا وتمسكوا بالقول: نريد تونس أخرى وشعبا آخر نعم تونس أخرى وشعب آخر
20:20 - 2019/11/21
ينصّ دستور 27 جانفي 2014  في فصله 148 على أنّه يتمّ إرساء المحكمة الدّستورية في أجل أقصاه سنة من
20:15 - 2019/11/21
رحل الرئيس (ايفو موراليس) عن الحكم في بوليفيا وكان اول رئيس لها من السكان الاصليين في انقلاب مغلف
20:15 - 2019/11/20
بقلم الناشط الحقوقي سهيل بيوض (رئيس جمعية فورزا تونس)
20:30 - 2019/11/18
إعداد وتقديم: فتحي بن سعدة متفقد مركزي ورئيس مصلحة بالإدارة الجهوية للملكية العقارية ببن عروس
20:30 - 2019/11/18
تخرجت منذ سنين حاملا في ملف أصغر شهادة مهندس مسكينة هاته الشهادة ومسكين انا لقد قامت شهادتي التعي
20:30 - 2019/11/18