قصــــة الدولــة المنتصـــرة

قصــــة الدولــة المنتصـــرة

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2018/11/05

أليس من العجائب أن مثلي 
          يرى ما قلّ ممتنعا عليه  
وباسمه تحكم الدنيا جميعا 
          وما من ذاك شيء في يديه 
‘الشعب التونسي’

كان يتحدث كالسكران عن عدالة اجتماعية لا تأتي وعن الحب والوطن، وحُلم بأن يحكم الشعب نفسه. ويكون متاحا له أن يعطي رأيه في كل شيء. ولما كان ذلك ممكنا في أوقات كثيرة من الديمقراطية الوهمية، فإن أهم من إعطاء رأيه أن يؤخذ به. ويكون طلبه مطاعا وأمره نافذا مثل أكبر الملوك. وليس مثله ملك، بما أن الدّنى تحكم باسمه، والأعنّة بين يديه والأمور مرجعها إليه.. جلالة الشعب. 
ـ يسأله صاحبه: هل نشرئب؟ 
ـ إبْ! لا تقل هذه الكلمة. 
ـ إني أسأل فقط.. 
واصل يتكلم، كالذي يهذي من فرط حمى أو ألم، عن وطن كجمهورية نحل كل شعبه يعمل وينتج الشهد والعسل وكافة الخيرات، توزع على أهله بعدالة إنسانية اجتماعية راشدة ومساواة رحيمة تحترم المجهود المبذول من أجل ذلك، ولا تظلم.. 
ـ يسأله مرة أخرى: هل نشرئب؟ 
ـ إبْ! قلت لك لا تنطق بهذه الكلمة. 
ـ ألا أسأل.. ولِمَ لا أقولها؟ 
ـ كلما قلتها أحس بشيء قد دخل. 
ـ أين؟.. لعلي أصبحت لا أحس. 
يواصل كلامه المحموم الهاذي عن حرية قائمة على الاستقلالية والقدرة والاكتفاء وشعب كامل متكامل في النماء ووطن سيّد لا أحد يتاجر فيه بالولاء وإنسان متوازن بين الأرض وسكت فجأة. ثم قال: لعل الله يعاقبنا.. فمنذ زمن لم نزرع شيئا ولم نكتب شيئا ولم نحب.. 
ـ سأله ذاك: وهل يعاقب الله أبناءه؟ 
ـ نعم، مثل الأب، إذا أخطؤوا يقوّمهم، بحبّ حتى لا يؤذيهم، وحرص حتى يلتزموا طريق الحب والعمل ولا يضِلّوا..
ـ وهل نضِلّ إذا طالبنا بالحياة الكريمة أو طالبنا بالعدل والحرية؟ 
ـ لا.  
ـ إذن فالذي يضربنا أو يريد أن يخترقنا ليقتلنا ليس الله. 
ـ من إذن؟ 
ـ لا أدري قل أنت. 
ـ هل تكون؟ اللعنة! 
ـ من؟ 
ـ هل تكون أصنام الدولة.. 
ـ اللعنة!.. 
ـ تريد دائما أن تنتصر.. 
ـ الدولة تنتصر علينا نحن، أليست منا؟.. 
ـ بلى هي في الأصل كذلك. ولكنها لما امتلأت بالأصنام، وعبدتهم إذ عبدوها، كفرت بنا نحن. 
ـ هم الذين غزوها وقبلت بهم، أم هي التي أبدت ميلا إليهم؟ 
ـ ما الفرق..المهم أنها اليوم ضدنا وترفض أن تستجيب لمطالبنا وتفرض علينا خيارات كلها لفائدتها. 
ـ ما هي؟ 
ـ إما أن ندخل إلى دائرة طاعتها وسلامها فنعبدها ونصير مثل أصنامها، موتى. وإما أن نبتعد عنها وعن دوائرها ونلتزم بألاّ نطلب منها شيئا، فنصير غائبين مثل الموتى. 
ـ صدقت. نحن موتى في جميع خياراتها. ولكن هناك أمر غريب.. 
ـ ما هو؟ 
ـ انها في الأصل منا وتريد أن تقتلنا. فإذا قتلتنا وهي فرع لنا فكيف ستعيش ولمن؟ وأننا نقبل بذلك، فإذا كانت هي تريدنا أن نموت من أجلها، فالأولى أن نموت من أجل أنفسنا؟ ولعلنا لا نصل إلى هذه الدرجة. ولكن على الأقل لا نقبل بأمرها. ونظل نطالب بحقنا في الحياة. 
ـ أحسنت! 
ـ إذ أصبحت أحاول أن أفهم؟ 
ـ إذ لم تعد تقول تلك الكلمة.. 
ـ تقريبا نفس المفاد، ونفس السؤال..
ـ نفس السؤال الحسن، إلى أي مدى يمكن أن نتمسك بحقنا في حياة كريمة؟ 
ـ والسؤال الحسن يلزمه جواب حسن. 
ـ نعم.
ـ فما رأيك أن تبدأ من مكان آخر، أو من الوجه الآخر للسؤال.. 
ـ ما هو؟ 
ـ إلى أي مدى تتمسك الدولة وأصنامها بإلغائنا؟ 
ـ أما الدولة فما هي في النهاية إلا انعكاس لنا ولهم، كالمرآة. والأمر بيد الذين تنعكس صورهم فيها. وما دمنا بعيدين فلا انعكاس لنا فيها ولا حضور. ولا تأثير لنا في ما يدبر من أمور. 
ـ ألا نقترب؟! 
ـ كأني أعرف هذه الكلمة. فهي من جنس تلك.. 
ـ فلمَ تهرب منها؟ 
ـ لست أهرب. ولكنك لا تدرك أن تلك النون التي تستعملها ليست لها أرض تسندها وليس لها صدى.
ـ راضون؟ 
ـ راضون انتهازيون يائسون غائبون راضخون متجاهلون أنانيون مشتتون منهزمون غير مكترثين. كلمات كثيرة قد تصحّ. ويمكن أن تسقط كلها في لمح البصر.. إذا أردنا. 
ـ أترى، أنت من يستعمل نون الشعب الآن، ولكنك تستعملها بحزن.. ألا تواصل؟.. 
ـ عن الأصنام؟ نعم.. أما هي فجماعة- فئة- تقوم بها الدولة، التي هي في الأصل امتداد لنا يسيّر شؤوننا. وذلك يعني أنها في الأصل منا، قامت من أجلنا لتخدمنا، وتحولت. 
ـ كيف؟ 
ـ بقدر ما كانت تنتشر وتمتد في مساحات الدولة الأفقية ودرجاتها العمودية بقدر ما كانت تختزل وتختزن قوى مختلفة وإمكانيات هائلة، بقدر ما كانت تحس بقدرة أكثر على الفعل والتحكم، بقدر ما كان يصيبها العُجب وتنسى أن كل ذلك السلطان هو في الأصل للشعب. ويجعلها فيروس السلطة الذي أصابها صمّاء "صنماء" قاسية أنانية غير مكترثة بشيء. المهم أن تظل هناك. 
ـ حتى لو ألغتنا؟ 
ـ حتى لو قتلتنا. 
ـ نصنعها نحن لتخدمنا وتسير شؤوننا فتصير متحكمة فينا،باسمنا. وترفض أن تستجيب لمطالبنا. ونصير نحن خدّاما لها ونخشاها..أي الكلمات قد تصحّ، سكيزوفرينيا صادية مازوشية أم امتناع واغتصاب؟.. 
ـ تختلف الحالات، وكل صنم ووضعيته.
ـ أظن أننا في جميع الحالات يلزمنا حكيم معالج. وهذه الأصنام مذنبة كانت أم مريضة يجب أن تزاح. 
ـ حكيم معالج أم شعب واع؟.. 
ـ شعب واع؟!
ـ دعني أسألك لترى. 
ـ تفضل. 
ـ ما هو الأفضل، أن أصنع إلَهًا- صنما يباركني ويقوّيني لأزرع أرضي وأتكل عليه حتى أجد نفسي مرهونا برضائه الوهمي عني، أم أن أقف لقضاء حاجتي بنفسي وأؤمن أن لا أحد سيفعل ذلك مثلي؟ 
ـ الأفضل أن أحكم نفسي وأستقل بنفسي وبرأيي لأحقق حاجتي ونمائي. 
ـ فمن المذنب إذن؟ 
ـ كأنك تستدرجني لأقول إن الشعب هو المذنب إذ لم يقف لنفسه. 
ـ لا أستدرجك لأننا لسنا ضد بعضنا. نحن على جانب الخير نفسه. 
ـ فماذا نفعل لنخرج من المأزق؟ 
ـ إما أن نقوم لنفسنا لننجز أحلامنا وننفّذ مطالبنا نحن. وإما أن نجعل من ينوب عنا في الكلام وفي الفعل يلتزم بتنفيذ مطالبنا نحن وأحلامنا. وليس مطالبه هو وجماعته. 
ـ أليس حلما؟ 
ـ ما العيب؟ فليكن حلما ولنعمل على تحقيقه. 
ـ فهل نعود إلى الصيغة الأولى للسؤال. 
ـ أي سؤال؟ 
ـ إلى أي مدى يمكن أن نتمسك بحقنا في حياة كريمة؟ 
ـ يبدو لي أن هناك سؤالا آخر من جنسه ولكن أفضل منه. 
ـ ما هو؟ 
ـ كيف نتمسّك بحقنا في حياة كريمة..  
صوت ضعيف ينادي باسم مكان نزول، تلقفه ذاك وهو يقول: إنها محطتي، يجب أن أذهب الى العمل. نلتقي؟.. 
ـ نعم، نلتقي. أجابه. وسمعه أحد الجالسين قريبا منه يهمهم بحزن: ألا ينتهي هذا السفر...
المنصف قفصاوي
 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

من حيث العشق الكروي أنا من عشاق النادي الافريقي ومن حيث الولع أنا مولع بكل فريق يمثل تونس وراء ال
21:45 - 2018/11/16
لا شك أننا أحوج ما نكون اليوم إلى إخضاع الأحداث المتعاقبة التي عاشتها الساحة السياسية على امتداد
20:00 - 2018/11/16
ككلّ مسلم أومن بأنّ الأعمار بيد الله. وككلّ مؤمن أرجو من الله طول العمر مع الصحّة الجيّدة.
20:00 - 2018/11/16
في البداية لا يسعنا إلا أن ندين العدوان والإرهاب الإسرائيلي على شعبنا في قطاع غزة وفي كل الأراضي
05:23 - 2018/11/16
حشاني من الإدّعاء بأن لي في السياسة في بلادي علما  وفلسفة ولا حتى مجرّد الشمّ، فأنا لا أشمّ منها
05:21 - 2018/11/16
شارك الرئيس الباجي قائد السبسي في المؤتمر الذي احتضنته مدينة ميلانو الايطالية برعاية من ايطاليا و
20:00 - 2018/11/15
بعد أن تمكّنت حكومة الشاهد من نيل رضاء مجلس النواب أمس الأوّل، تكون التّعلاّت التي تتحصّن بها الح
20:00 - 2018/11/14
عن أية دولة قانون ومؤسسات نتحدث وحرائق الفساد تلتهم القانون كما لو كان هشيما في غابة شعواء.
20:00 - 2018/11/14