قــــــــراءة في .....مسرحية الروهة لعبد الحليم المسعودي..سرد بمفعول الدش البارد

قــــــــراءة في .....مسرحية الروهة لعبد الحليم المسعودي..سرد بمفعول الدش البارد

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/01/10

بقلم: الأستاذ الأسعد بن حسين 
غريب هذا النص وآسر، يستنفر حواسك ويستفز معارفك ويستقر في ذاكرتك... « الروهة « نص لم يكتب للنسيان بل لشحن الذاكرة، ذاكرة قارئ تتحقق له المتعة بالنص وشخوصه وفي نفس الوقت يصيبه بالقلق والتساؤل، قلق شبه وجودي عن الانسان وحشيته وهشاشته، وتساؤل عن العراق والعرب المسلمين واقعهم ومستقبلهم. 
أوجه غرابة النص
النص في عتباته يقدم نفسه على أساس انه « مسرحية «، لكن عند قراءته يحس القارئ انه أمام رواية محبوكة بشكل جيد، وحتى تلك الاشارات الركحية العديدة التي تعج بها فصول الحكاية، ليست سوى مخاتلة من الكاتب عبد الحليم المسعودي، هو من خبر فن الرواية كقارئ نهم، وخبر الفن المسرحي كدارس وناقد له...
وتتجلى روائية النص في ثلاثة عناصر رئيسية تظهر فيه وهي: حبكة الحكايات الصغيرة (حكاية كل شخص من الشخوص)، وبناء الشخصيات على المستوى النفسي والاجتماعي، وتداخل التاريخ (تاريخ العراق وما أغزر أحداثه) بالواقع الحالي، وهي خصائص يصعب في راينا ان تتوفر
في نص مسرحي لكن الرواية قادرة على استيعابها بشكل أفضل. 
من اوجه الغرابة كذلك ان من يقرأ النص ولا يعرف كاتبه سيعتقد جازما انه عراقي مغرق في عراقيته، أتقن التعامل مع تاريخ العراق والأكراد
والديانات والأساطير الكثيرة لحضارة بلاد الرافدين وهذا في حد ذاته ينبئ عن شغل توثيقي وبحثي جبار قام به كاتب النص. 
لهذه المعطيات وغيرها يصعب ولوج هذا النص بالآليات الأجناسية المعهودة سواء في التعامل مع النص كمسرحية او كرواية، لكننا مع ذلك سنحاول مخاتلته نقديا مثلما خاتلنا كاتبه ابداعيا. 
حكاية الروهة
اربعة رجال وامرأتان يجدون انفسهم في كهف غريب، كلهم هاربون من تنظيم الدولة الاسلامية، وكلهم لديهم ما يهربون منه، فيتحول الكهف / الركح فضاء للاعترافات، فضاء لاكتشاف الجانب الوحشي للانسان وجانبه الطفولي الهش كذلك، من أمير الموسيقار الى «كجه مجه» القزم الغريب، الى» شاه بانو « المقاتلة الكردية الى التونسيين «شمس الدين» و»صالحة» اللذين كانا «مجاهدين» مع داعش قبل ان يكتشفا فظاعة هذا التنظيم ويهربان من سوريا الى العراق... وحده عبد الحي الشيخ الصابئ المندائي يبدو محوما في مدارات أخرى وحضوره في الكهف يبدو خيارا شخصيا له لم يجبر عليه. 
الكهف يذكرنا في الافلام السينمائية المغلقة التي تعتمد المشاهد الداخلية فقط لكنه كهف يذكر في كهوف افلام الرعب فهو كهف مقبرة تلقى فيه الجثث بمختلف اصنافها وانتماءاتها، وتفوح فيه روائح العفونة والنتانة، وتظهر فيه بعض الأطياف الانسانية والحيوانية، وتسمع اصوات مختلفة حيوانية وموسيقية... انه كهف مغاير لكهف الاساطير سواء الدينية منها او الافلاطونية، كهف سيتحول بمرور الفصول الى كهف للتسامح وقبول الاخرمهما كان ماضيه، ومهما كانت وضعيته العقلية بل انه مع «امير» و»شاه بانو» سيتحول الى كهف للتطهر (كاتارسيس) بل وللحب..
و»الروهة» او الروح الشريرة التي تدفع الانسان الى كل الفظاعات الممكنة تترك مكانها في اواخر النص الى روح جديدة، متفائلة عازمة على التعايش والغفران... انه مفعول الكهف، كهف زوال الأقنعة، كهف الطفولة والحيوانات الأليفة (الكلب، القنفذ، القرد < ة >) كهف مرور العاصفة او الطوفان..
البشاعة والجمال
لعل الثيمة الرئيسية لهذا العمل هي الصراع بين البشاعة والجمال، ولئن كانت بداية النص موحية بسياق هزلي (استعارة دون كيشوت) فإن بقية أقسام النص توحي بجدية قصوى بل تنزع الى سياق فلسفي نقدي يسعى الى تشريح الواقع (العراقي / العربي) من اجل تجاوز محنة الارهاب الديني ومعاودة الامل في قيم الحب والجمال. 
بداية النص انطلقت بتصوير بشع لواقع أبشع، توصيف بمفردات وعبارات قد يجدها البعض مقرفة، لكن الكاتب ينسجها بحبكة مخاتل يعرف أن تلك المفردات في اخر النص ستترك مكانها لمناخ اخر مناخ النور والحب والجمال، مناخ تنتصر فيه الموسيقى والأحلام..
والكاتب لا ينسى انه تونسي، وتونسي يعترف بأخطاء بعض أبناء تونس في حق العراق وسوريا لكنه يتعامل مع شخصيتي الارهابيين (صالحة وشمس الدين) كضحيتين لا يمثلان الزخم الحضاري والثقافي لبلادنا. 
والمساحة لا تسمح لنا بالتوسع أكثر في مضامين هذا النص، ولكن هذه ملاحظات اولية سنعود اليها بمزيد الاشتغال في فضاء أوسع. 
الروهة: نص نقرؤه فنقع تحت تأثير الدش البارد... دش يفيقنا من اوهامنا ويزعزع بعض قناعاتنا... دش مطهر من أدران الجهل والتطرف

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

أمام شبابيك مغلقة وازدحام منقطع النظير في مدرجات مسرح هواء الطلق بقابس ، أحي الفنان العالمي soolk
00:21 - 2019/07/23
توفيت، اليوم الإثنين، الإعلامية والممثلة البحيرينة الشابة، “صابرين بورشيد”، عن عمر يناهز الـ34 عا
23:43 - 2019/07/22
فايا يونان :  أنا ابنة تونس 
20:20 - 2019/07/22
تحتضن تونس في الفترة من 22 الى 27 نوفمبر القادم فعاليات الدورة الرابعة للمهرجان الدولي «مرا» للمس
20:15 - 2019/07/22
غصت مساء الخميس الماضي جنبات مسرح الهواء الطلق بالجماهير في أولى سهرات مهرجان المناجم الدولي بالم
20:15 - 2019/07/22
بعد أنباء حول إلغاء الدورة 61 لمهرجان "أوسو" بسوسة، تم اليوم الإثنين 22
15:26 - 2019/07/22
مثلت ستينات القرن الماضي لحظة فارقة في مسيرة الفنان اللبناني الكبير وديع الصافي، فقد كان على موعد
20:20 - 2019/07/21