كفوا عن شيطنة رجال الأعمال

كفوا عن شيطنة رجال الأعمال

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/10/21

تعيش تونس هذه الأيام على وقع الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي أنتجت صعود قوى سياسية جديدة وانحدار قوى أخرى حكمت خلال الفترة التي تلت 14 جانفي 2011 وباستثناء بعض الأحزاب التي أعيد انتخابها فإن باقي الأحزاب من اليمين إلى اليسار مُنيت بهزيمة نكراء سيقف المحلّلون على أسبابها ومسبباتها حال انقضاء فترة الصدمة التي رافقت هذه النتائج.
 وليس هذا مربط الفرس في قراءتنا هذه، بل إن الوقائع تفرض علينا أن ننتبه إلى بعض الشعارات التي رفعت  خلال الحملات الانتخابية وكذلك تحاليل المترشحين في أغلبهم إن لم يكن كلهم ولعّل الشعار الأبرز الذي كان بمثابة كلمة حق يراد بها باطل هو مقولة رجال الأعمال الفاسدين وهنا لا بد من التنبيه إلى أن هذه العبارة بهذه الصيغة تعني لغويا أن كل رجال الأعمال فاسدون والسليم هو أن نقول مقاومة الفاسدين من رجال الأعمال وهذا خطأ في ظاهره عرضي وبسيط وفي باطنه ذو دلالات وحمّال أوجه.
وبغض النظر عن هذا الخلط اللغوي الهام فإن الأهم هو مضمون هذه الحملات التي تشيطن رجال الأعمال جملة وتفصيلا وكأنهم الحلقة الأهم في منظومة الفساد المستشرية في حين أن رجال الأعمال الفاسدين لا أعتقد أن عددهم ومكانتهم في النسيج الاقتصادي كفيل بأن يجعل المستثمرين ورجال الأعمال هو سبب الفساد وواجهته.
لقد أكدت الطبقة السياسية خلال الحملات الانتخابية وما تلاها من نتائج بخطابها الرديء الذي ينحو منحى التعميم والسطحية وفي كثير من الأحيان القصد وسابقية الإضمار لقد أكدت هذه الطبقة إغراقها في الانتهازية  وقصر النظر، فمن ناحية هي تقدم رجال الأعمال على أنهم عَصَبُ الاقتصاد وعموده الأساسي ومن ناحية ثانية تلجأ إلى نعتهم  بالفساد والحط من مكانتهم وهذا في حد ّ ذاته يمثل انفصاما في الرؤية إن كانت لهم رؤية من الأصل هذا مع التذكير بأن كل من ترشحوا عن أي قائمة كانت قد طرقوا أبواب رجال الأعمال ينشدون الدعم وبذلك ينطبق عليه المثل الشعبي المأثور "يأكلون الغلة ويسبون الملة"، هذا من الناحية الشكلية للحملة ضد رجال الأعمال.
الكلّ يعلم دون شك أن رجال الأعمال الوطنيين شكلوا على امتداد تاريخ تونس المعاصر أحد أعمدة الكفاح الوطني ثم بناء الدولة التونسية وتاريخ منظمتهم العتيدة الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية حافل بهذه الإسهامات. ثم إن رجال الأعمال نالهم ما نال غيرهم من التونسيين زمن حكم الاستبداد فكانوا يدفعون طوعا وكرها وكانوا يعانون عسف وظلم النظام ومنهم من خسر ماله وصحته لأنه تصدى لعصابة المافيا الاقتصادية ومنهم من أخضعوه للمراجعة الجبائية المعمقة واختلقوا له التهم وأفلسوه ومنهم من صمد وعمل وكان يتألم في صمت.
أما من الناحية المبدئية فإن هذه الشعبويات لا يمكن أن تحجب دور الاستثمار في بناء اقتصاد الدول، والدولة التي لا تحترم مستثمريها كالدولة التي لا تحترم معلميها أو قضاتها أو علماءها وكل القوانين في العالم وكل اللوائح الحقوقية والأعراف الدولية تؤكد قيمة العمل ودوره في الارتقاء بالأمم وأول أسس الدولة العمل على حفز الاستثمار وإعلاء المستثمرين المكانة التي تليق بهم مع تطبيق القانون على المخالفين سواء كانوا رجال أعمال أو غيرهم.
من ناحية أخرى فليعلم هؤلاء المتحاملين الذين يلهون الشعب بمعارك وهمية لا طائل وراءها أن رجال الأعمال الوطنيين وقفوا دوما سدّا منيعا أمام انهيار الدولة وأنقذوا تونس في الفترات الحاسمة وما بالعهد من قدم، غداة 14 جانفي 2011 يوم بقيت المؤسسة التونسية الوطنية صامدة لتضمن قوت الشعب ومصلحته وتقاوم الفوضى وتحافظ على مواطن أرزاق الناس.
إن الفاسدين الحقيقيين هم الذين فتحوا الأبواب أمام المهربين و"الكناترية" والذين أغرقوا أسواقنا بالسلع الفاسدة والذين تسببوا في غلق المؤسسات وقطع أرزاق الناس والذين ملؤوا عقول الشباب بالوعود الكاذبة والذين تسببوا في هجرة خيرة أدمغتنا والذين خربوا الدولة من الداخل وأفسدوا سمعتها في الخارج والذين باعوا الأوهام للناس والذين جعلوا المئات من أبنائنا طعما للحيتان في البحر والذين يشترون الحصانة للتغطية عن جرائمهم والذين لا يدفعون للدولة ما عليهم.
لقد دقت ساعة قول الحقيقة حتى وإن كانت موجعة... أنتم يا أشباه السياسيين من أوصلتم البلاد إلى حافة الإفلاس وأنتم المسؤولون عما ستؤول إليه الأوضاع إن واصلتم الضحك على ذقون الناس.
ـ كفوا عن شيطنة رجال الإعمال بالجملة.
ـ كفوا عن ملء الفضاءات الإعلامية بكذبكم.
ـ كفوا عن تعميق الهوة بين فئات المجتمع.
ـ كفوا عن كل هذا لأن من سيدفع فاتورة رعونتكم وفتنكم هو الشعب وحده.
رشاد الشلي
عضو المكتب التنفيذي
الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة و الصناعات التقليدية 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

رحل الرئيس (ايفو موراليس) عن الحكم في بوليفيا وكان اول رئيس لها من السكان الاصليين في انقلاب مغلف
20:15 - 2019/11/20
تخرجت منذ سنين حاملا في ملف أصغر شهادة مهندس مسكينة هاته الشهادة ومسكين انا لقد قامت شهادتي التعي
20:30 - 2019/11/18
كل الأزمات التي تعيشها بلادنا وغيرنا من اشقاء"الربيع العربي" أزمةُ حُكمٍ.هي إذن أزمةٌ سياسيةٌ..
20:30 - 2019/11/18
بقلم الناشط الحقوقي سهيل بيوض (رئيس جمعية فورزا تونس)
20:30 - 2019/11/18
إعداد وتقديم: فتحي بن سعدة متفقد مركزي ورئيس مصلحة بالإدارة الجهوية للملكية العقارية ببن عروس
20:30 - 2019/11/18
أن يكون الغنوشي رئيس البرلمان لم نسمعه صراحة إلّا من شكيب.
20:00 - 2019/11/15
لقد استمعتُ لكلّ ما قيل عن برنامج النهضة الذي تَتَسَوَّقُ به هذه الأيام بحثا عن من يقبل هذه البضا
20:15 - 2019/11/13