لا خير في أمة لا يقدس أفرادها العمل

لا خير في أمة لا يقدس أفرادها العمل

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2018/09/07

 اعتنى القرآن الكريم بالعمل وحث عليه ونبذ القعود والكسل بل إنه ذهب أكثر من ذلك حين اعتبر العمل عبادة يجازى عن فعلها  و نوعا من أنواع الجهاد في سبيل الله .قال الله تعالى : (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سعى وأن سَعْيَهُ سَوْفَ يرى ثم يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى) (النجم:39ـ40ـ41) وقد رأى بعض الصحابة شابا قويا يسرع إلى عمله فقالوا: لو كان هذا في سبيل الله فردَ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (لا تقولوا هذا فإنَّه إنْ كان خرَج يسعى على ولده صِغارا فهو في سبيل الله وإنْ كان خرج يسعى على أبوين شيخَين كبيرين فهو في سبيل الله وإنْ كان خرج يسعى على نفسه يعفُّها فهو في سبيل الله وإنْ كان خرج رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان ).  لقد أمر الإسلام بالسعي والكسب ودعا إلى الضرب في الأرض والانتفاع  بخيراتها واستغلالها أحسن استغلال : (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (الملك:15).  وروى البخاري أن النبي قال( لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من ان يسأل أحدا فيعطيه أو يمنعه) وقال أيضا: (ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من طعام يده). فهذه دعوة صريحة للعمل والاعتماد على النفس في الإنتاج وتحقيق الاكتفاء الذاتي لأنه لا خير في شعب يأكل من إنتاج غيره  وبذلك تتحقق القوة والمناعة التي أمرنا بها الله حين قال (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال:60) والحقيقة أن ذلك لا يتم  إلا بشروط منها:  حب العمل والتفاني  والإخلاص فيه وحب العمل لا يرتبط فقط بالحضور والانصراف ولكن هناك نقاط أهم من ذلك يأتي على رأسها حب التطوير والابتكار وعدم الميل للخمول والكسل والرضا فتلك ثقافة يجب أن تغرس فينا منذ الصغر حتى نخرج من دائرة التخلف والانحطاط ولنا المثال في كثير من الدول التي حققت قفزة اقتصادية  كبرى كنا نتساوى معها في نسبة نمو ضعيفة خلال سنوات السبعينات مثل كوريا الجنوبية وماليزيا  ولنا المثال كذلك في اليابان هذه القوة الاقتصادية والتكنولوجية الهامة فاليابانيون يقدسون العمل إلى حد العبادة ويرى الياباني سعادته وراحته عندما يعمل ويكد ويجد وينتج ما ينفع به نفسه وبلاده فأين نحن منهم اليوم  في ظل تعطيل العمل وغلق الطرقات و مواقع الإنتاج  في كثير من المؤسسات الاقتصادية وتعطيل مصالح الناس إنها تصرفات لا يحبها الإسلام . ومقابل ذلك فقد حرص الإسلام على توفير السلم الاجتماعي وإرساء علاقات سوية بين الأجراء وأصحاب العمل قوامها احترام حقوق العمال من جهة ونبذ الكسل والتراخي واجتناب الغش ذلك ما بينه النبي حين قال( إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه) وقوله أيضا : ( خير الكسب كسب يد العامل إذا نصح ) وقد ذًكر للنبي رجل يصوم النهار ويقوم الليل وقد انقطع للعبادة فقال صلى الله عليه (من ينفق عليه) ؟ قيل أخوه قال : (أخوه خير منه) .
صحيح أن عددا كبيرا من شبابنا خاصة  من ذوي الشهادات العليا المعطلين عن العمل يعانون من البطالة منذ سنوات وهم يمنون انفسهم بإيجاد مورد رزق محترم يحفظون به كرامتهم وكرامة عوائلهم هؤلاء ندعو لهم الله تعالى أن يوفقهم وأن يبدل عسرهم يسرا ولكن بالمقابل تجد منهم من يستنكف من العمل ويرضى بالكسل والقعود على كراسي المقاهي يقضون الساعات والساعات ونفوسهم ذليلة مقهورة وأيديهم ممدودة للناس وهم عالة على آبائهم الذين منوا النفس بأن يكونوا لهم عونا في شيخوختهم وعجزهم. إن نبذ العمل مهما كان وضيعا يدعو إلى الفقر والمسكنة والذل والمهانة ويدفع إلى الانحراف وارتكاب الجرائم  فلا خير في أمة لا يقدس أفرادها العمل.

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

شهدت قضية التبرع بالاعضاء جدلا واسعا من الناحية الشرعية، وزاد من رقعة هذا الجدل والخلاف غياب رؤية
20:00 - 2019/02/15
تشهد البشرية اليوم والعالم بأجمعه تقدما سريعا ومطردا في كافة المجالات وفي مختلف جوانب النشاط البش
20:00 - 2019/02/15
إنّ من المسائل المستحدثة فقهيا، وأثارت جدلا بين الفقهاء وعلماء الدين وأحدثت ضجة في أواسط المجتمعا
20:00 - 2019/02/15
الاصول الاخرى غير الاصول الاربعة الكلية المتفق عليها هي الاصول التي جرى الاختلاف في اصل الاستدلال
20:00 - 2019/02/15
سأل احد الصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم قائلا: (يا رسول الله هل بقي من بر أبويّ شيء أبرهما بعد
20:00 - 2019/02/15
أسئلة متنوعة من قراء جريدة الشروق الأوفياء تهتم بكل مجالات الشريعة الإسلامية السمحة فالرجاء مراسل
20:00 - 2019/02/15
خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن هيئة  وركّبه في أجمل صورة وأودع فيه حب الجمال والزينة بل د
20:00 - 2019/02/08
ترجع الوحدة الرابعة التي تصل المذاهب الفقهية ببعضها وهي وحدة التزكية الى ان ايمة المذاهب لم يكن و
20:00 - 2019/02/08