محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور..مذهب الإمام مالك والمذاهب الاخرى (5)

محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور..مذهب الإمام مالك والمذاهب الاخرى (5)

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/02/08

ترجع الوحدة الرابعة التي تصل المذاهب الفقهية ببعضها وهي وحدة التزكية الى ان ايمة المذاهب لم يكن واحد منهم يقدح في امانة مخالفه ولا في حسن قصده. وذلك يرجع الى المنهجين اللذين تتفصل اليهما هذه المسألة في علم اصول الفقه. وهما منهج التصويت الذي عليه غير الجمهور وهو القول بان كل مجتهد مصيب او المنهج الاخر الذي عليه الجمهور وهو القول بان الصواب لا يتعدد وان المجتهدين منهم مخطئون ومنهم مصيب واحد، على معنى ان الخطأ لا ينافي الفضل ولا ينافي الاجر، ولا ينافي حسن القصد وعلى ذلك كان كل مجتهد من هؤلاء المجتهدين ينظر الى الاخرين نظر الامين الى الامين او نظر القائم باعباء مصلحة من المصالح الى الذين يشاطرونه في القيام بتلك الاعباء سواء اكان موقفهم موقفه ووسيلتهم وسيلته ام كانت مواقفهم ووسائلهم تختلف عن مواقفه ووسائله مع ان القصد واحد والغاية واحدة واحتمال الخطا والصواب مردد بين الجميع كما قال بعض المتأخرين من الاصوليين : ان المجتهد في المذاهب واتباعه يعتبرون ان قولهم صواب يحتمل الخطأ وان قول مخالفهم خطأ يحتمل الصواب. 
اما الوحدة الخامسة فهي التمسك بالسنة في وجه العقائد الناشئة فقد كان ايمة هذه المذاهب جميعا من الذين ظهرت مذاهبهم في القرن الثاني. ثم من المذهبين اللذين التحقا بهم في القرن الثالث والقرن الرابع، كانوا جميعا متفقين على التمسك بالسنة، اي على التمسك بما كان متبعا من امر عند الصحابة وعند التابعين فيما يرجع الى اصول الدين وفروعه وآدابه، وانهم يعتبرون اصحاب المقالات التي لا تلتزم ذلك الامر الملتزم من الصحابة والتابعين، زائغين عن الحق وقفوا في وجوههم مقاومين ومتبرئين. فكما تبرؤوا من الخوارج ومن الرافضة تبرؤوا من المعتزلة ايضا ومن المرجئة ومن الجهمية ومن غير هذه الفرق سواء اكان ذلك من الفرق التي تتصل مقالاتها بموضوع الفقه اصولا وفروعا، ام كانت من الفرق التي يعتبر ابتداعها مقصورا على الناحية الاعتقادية من اصول الدين. 
وهذا المعنى من التقارب الذي يقوم على الوحدات الخمس التي بيناها، هو الذي يعتبر مكونا لفئة من فئات القانون المقارن على الاصطلاح المتبع الان في منهج تدريس القانون المقارن، فانه يلزم لذلك البحث عن نقاط التلاقي بين عديد المسالك القانونية والتشريعية لاجل ان يتخذ من نقط التلاقي ما يعتبر مقوما لفئة من الفئات، حتى تتفصل الطرائق الفقهية الى فئات تجمع كل فئة من تلك الفئات عددا من الاراء والمذاهب، ثم تجري المقارنة الداخلية فيما بينها. ونعني بالمقارنة الداخلية فيما بين بعضها وبعض بعد مقارنة الفئة بمجموعها بما يقابلها من الفئات الاخرى التي تقوم مقوماتها على اجتماع نقط اخرى من التلاقي تفترق بها عن نقط التلاقي التي كونت هذه الفئة. واذا اعتبرنا المذاهب السنية السبعة فئة من الفئات في نطاق الفقه المقارن لا القانون المقارن فانه ينبغي لنا ان نرجع الى عاملين اخرين طارئين زادا تأكيدا لهذا المعنى من التلاقي والاتحاد بين هذه المذاهب. العامل الاول من هذين العاملين الطارئين هو تفاعل التطور في العمل الفقهي بين هذه المذاهب بما كون صورة واحدة من التطور يرجع الى تفصيل ادوار يعتبر كل دور من الادوار مشتركا بين هذه المذاهب بصورة تقرر بالمقارنة الزمنية والاتحاد المنهجي، وتأثير التاليف والاوضاع بعضها في بعض. والعامل الثاني من العاملين الطارئين انما هو تقارب الاصول السنية الكلامية التي تفتقت بعد نشأة المذاهب واستقرارها والتي ظهرت في الوحدة المتقررة بين اهل السنة على اختلافهم التفصيلي في المقالات الاعتقادية بين الاشاعرة والماتريدية والسلفية. وهذه المقارنة التي يؤكد جريانها داخليا بين هذه الفئة الموحدة وهي المقارنة الداخلية، انما تعتمد على ان نتيجة عوامل التلاقي قد كونت بين هذه المذاهب اتفاقا على الاصول الملية وهي الاصول الاربعة المعروفة الكتاب والسنة والاجماع والقياس. وان وراء هذه الاتفاق اختلاف في التفاصيل. فالقائلون بحجية الكتاب منهم من قالوا بحجية الكتاب مطلقا نصا وظاهرا ومؤولا ومنطوقا ومفهوما ومنهم من فصل في ذلك كالذين اثبتوا دلالة المنطوق ولم يثبتوا دلالة المفهوم او لم يثبتوا دلالة بعض المفاهيم. ومثل الاختلاف في صيغة الامر هل تعتبر للوجوب او للندب؟. والذين قالوا بحجية السنة اختلفوا كذلك في درجات ثبوت السنة التي تعتبر حجة كاختلافهم في الاحتجاج بالحديث المرسل. والذين قالوا بحجية الاجماع اختلفوا ايضا في تفصيل معنى الاجماع هل يقصر على اجماع الصحابة كما قال الامام احمد بن حنبل ؟ او يشمل اجماع الصحابة واجماع غيرهم ؟ وهل هو شامل للاجماع السكوتي او هو مقصور على الاجماع القولي فقط ؟ الى غير ذلك من الخلافات المقررة في كتب الاصول. والذين قالوا بحجية القياس ايضا في درجات القياس بين من قصر حجيته على القياس الجلي مثل داود وبين من قال بالقياس الجلي والقياس الخفي ثم اختلفوا في نسبة القياس من غيره فالخلاف الذي يرجع الى معارضة القياس بخبر واحد ومعارضة القياس بعمل اهل المدينة ومعارضة القياس بقول الصحابي الى غير ذلك. 
يتبع

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

خلق الله تعالى البشر، وفاضل بينهم، وجعل بعضهم في خدمة بعض؛ ابتلاء وتسخيرا ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَك
20:00 - 2019/04/19
أسئلة متنوعة من قراء جريدة الشروق الأوفياء تهتم بكل مجالات الشريعة الإسلامية السمحة فالرجاء مراسل
20:00 - 2019/04/19
الشيخ:أحمد الغربي
20:00 - 2019/04/19
ايام قليلة مازالت تفصلنا عن شهر رمضان المعظم الذي تزداد فيه العبادة والتقرب الى الله ويزداد فيها
20:00 - 2019/04/19
الغش مرض خطير وداء عضال وهو نوع من أنواع التحيل حرمه الله لما فيه من مفاسد تفتك  بالأفراد والمجتم
20:00 - 2019/04/19
استفحلت ظاهرة الرشوة بما تحمله من آثار مدمرة للاقتصاد والمجتمع واخلاق الناس وقد حارب الاسلام هذه
20:00 - 2019/04/12
قال الله سبحانه وتعالى :(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِا
20:00 - 2019/04/12
مرض خطير وداء عضال ظهر في كلّ الأزمنة والعصور وانتشر وتكاثر في عصرنا هذا وخاصة في العالم الثالث،
20:00 - 2019/04/12