محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور..مذهب الإمام مالك والمذاهب الاخرى (6)

محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور..مذهب الإمام مالك والمذاهب الاخرى (6)

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/02/15

الاصول الاخرى غير الاصول الاربعة الكلية المتفق عليها هي الاصول التي جرى الاختلاف في اصل الاستدلال بها وفي مبدأ حجيتها وهي الاصول المختلف فيها غير القطعية التي سماها الامام الغزالي في «المستصفى» الاصول الموهومة.
فهذه الاصول اذا عددنا منها عمل اهل المدينة وسد الذرائع والمصلحة المرسلة وقول الصحابي والاستحسان، ثم بدأنا ننظر في الاربعة غير عمل اهل المدينة . فرأينا ان سد الذرائع قد كان كما قرر القرافي وكما قرر الشاطبي من بعده امرا متفقا عليه اصلا فلا خلاف في ان هناك ذرائع مسدودة ولا خلاف في ان هناك ذرائع غير مسدودة، ثم يأتي الخلاف في تحقيق درجات الذرائع التي تسد والذرائع التي لا تسد فهو خلاف تفصيلي في نسبة اعمال المبدأ . اما اصل المبدأ وهو اعمال سد الذرائع على العموم، وعدم اعمال بعضها على العموم فهو امر متفق عليه بين المذاهب . اما المصلحة المرسلة فقد بين شهاب الدين القرافي في « التنقيح «ان جميع الفقهاء آيلون الى القول بالمصلحة المرسلة سواء اسموها بذلك ام سموها باسماء اخرى . وقد نقل القرافي عن امام الحرمين والغزالي، وهما اكثر الناس انكارا للقول بالمصلحة المرسلة، انهما يقولان بالمصلحة المرسلة في كثير من الفروع التي نقلها عنهما وعزاهما اليهما . ونقل القرافي عن الابياري ان الابياري ارجع الاستحسان الذي يقول به الحنفية الى معنى المصلحة المرسلة التي ظن انها من اختصاص المالكية . 
وعلى ذلك اصبح معنى المصلحة المرسلة ومعنى الاستحسان معنيين متداخلين . واما قول الصحابي فان الذين ينكرون حجية قول الصحابي انما ينكرون حجيته المطلقة اي حجيته بذاته، واما كونه مفتاحا لطريق البحث عن البديل كما قال الامام الغزالي فهذا امر لا اختلاف فيه وان جميع الفقهاء الذين عدلوا عن قول الصحابي لم يعدلوا عن قول الصحابي بعد ثبوته عندهم الا وقد بحثوا عن ذلك القول وتبينوا الوجه الذي من اجله قيل ووازنوا بينه وبين المعارضات او المخصصات فآلوا الى القول به او عدم القول به فحينئذ ليس قول الصحابي مرفوضا كونه حجة رفضا مطلقا باتا وانما يعتبر عند البعض حجة مطلقة ويعتبر عند الاخرين مفتاحا لطريق البحث عن الدليل . فاذا عرفنا ان المآل بالنسبة الى هذه الاربعة من الادلة الموهومة هو هذا فانه لم يبق لنا الا عمل اهل المدينة فعمل اهل المدينة هو الذي اختلف فيه اختلافا واضحا لا التباس فيه، ولا مجال للتأويل فيه بين مالك بن انس وبين الذين ردوا عليه ردا صريحا في حجية عمل اهل المدينة من الليث بن سعد والشافعي ومحمد بن الحسن .
وان الذين يعدون مالكا يقول بحجية عمل اهل المدينة على معنى ان ذلك هو صورة الاجماع عنده انما يغلطون . وهو غلط تورط فيه كثير من المتقدمين والمتأخرين ومن المسلمين وغير المسلمين الذين بحثوا في شؤون الاسلام . فما كان مالك رضي الله عنه منكرا لحجية الاجماع وما كان قاصرا للاجماع على ما سمي اجماع اهل المدينة وعلى ما يسميه المالكية عمل اهل المدينة لا اجماع اهل المدينة . فلم يقل ان الاجماع مخصوص بعمل اهل المدينة ولم يقل ان عمل اهل المدينة يقوم مقام الاجماع، وانما اعتبر عمل اهل المدينة اعتبار البيئة الاصلية لتصور الاحداث التي تعتبر ادلة للفروع الفقهية وعلى ذلك فرق مالك كما فرق كثير من اصحابه بين معنى السنة ومعنى الاثر .
فالسنة بهذا المعنى هي التي تتجلى في عمل اهل المدينة وهي ليست بمعنى السنة المصطلح عليه عند علماء الاصول وعلماء الحديث الذي هو عبارة عن الخبر الراجح الى قول او فعل او اقرار من لدن النبي صلى الله عليه وسلم وانما هي عبارة عن ذلك الامر المسترسل المنقول جماعة عن جماعة في البيئة التي تعتبر اقرب البيئات الاسلامية لتمثيل البيئة النبوية التي نزل فيها الوحي على الصورة التي كانت عليها . وهذا المعنى لا يتضح الا بالطول والاستمرار غير المنقطع وهذه امور لا يمكن ان تتوفر في البيئة الفقهية الاخرى او المراكز الفقهية الاخرى التي هي امصار الفقه ولا يمكن ان يتصور الا في عمل اهل المدينة اي فيما اتفق عليه فقهاؤها وهم الفقهاء السبعة من التابعين ونظرؤهم السبعة الذين قال مالك فيهم ان هؤلاء الاربعة عشر من فقهاء التابعين هم افقه اهل زمانهم واعرفهم بالحلال والحرام . ثم اضيف الى هذا العنصر عنصر اخر وهو عنصر الرأي الذي كان يمثله مالك بن انس الذي نشأ على طريقته فهو لا يعتمد كثيرا على الاقيسة ولا يجري الى القياس باعتبار كونه منتجا للحكم وبهذا يختلف عن الطريقة العراقية ولكنه كذلك لا يطمئن الى لزوم اعمال الخبر الذي يتضمن نقل قول او نقل فعل او نقل اقرار عن النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان ذلك الخبر مقبولا من ناحية الاسناد الا بعد عرضه على الراي وعلى العمل . فالرأي ليس عنصرا موجبا بذاته ولكنه عنصر يعتبر اعتبار المعيار الذي تثبت به الاحاديث باعتبار صلوحيتها للاخذ بها في مجال الاجتهاد او باعتبار كون غيرها من المعارضات او المخصصات يعتبر مقدما عليها.
يتبع

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

احتلّ عبد المؤمن بن علي مرّاكش عاصمة المرابطين سنة 541/1147، ومنها جهّز حملة على المغرب الأوسط، م
20:00 - 2019/05/24
أسئلة متنوعة من قراء جريدة «الشروق» الأوفياء تهتم بكل مجالات الشريعة الإسلامية السمحة فالرجاء مرا
20:00 - 2019/05/24
قال الله عز وجل: {خَلَقَ الْمَوْتَ والْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك:
20:00 - 2019/05/24
هي « زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة العامرية ا
20:00 - 2019/05/24
عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: «أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى بَ
20:00 - 2019/05/24
تظلّ الصلة الأسرية والإجتماعية مبنية على القيم الأخلاقية وتظلّ القطيعة والتنافر من آليات تهديم ال
20:00 - 2019/05/24
نشر الطاهر الحداد في جريدة «الصواب» بتاريخ 3 نوفمبر 1930 مقالا دافع فيه عن كتابه وارائه بعنوان يك
20:00 - 2019/05/24
نذكر ان الدائرة في معركة أُحد قد دارت على المسلمين نتيجة تهافت الرماة الذين ثبتهم الرسول على الجب
20:00 - 2019/05/24