مدرسة الرقاب وزيف حماية الطفولة في تونس

مدرسة الرقاب وزيف حماية الطفولة في تونس

تاريخ النشر : 10:22 - 2019/02/15

بقلم الأستاذة علجية حسيني

   على امتداد أسبوع كامل شغلت قضية الكشف عن المدرسة القرآنية بالرقاب اهتمام المجتمع التونسي بكل أطيافه من المواطنين و الطبقة السياسية والإعلاميين و المنظمات المدنية و الوزراء . 
وردة الفعل المشتركة كانت اتهام الدولة بالتقصير الأمني لعدم التفطن لمثل هذه المدرسة لإيوائها أطفال سيمثلون خطرا على تونس. كما استنكر الجميع الظروف الإنسانية  السيئة التي كان يعيشها هؤلاء الأطفال.

فقد كشفت التحقيقات عن تفاصيل مهينة للطفولة داخل المدرسة القرآنية مثل مشاكل الاكتظاظ و القمل والجرب و الأوساخ و العنف الجسدي والاعتداء الجنسي على بعض الأطفال. وطالب أغلبية التونسيين بغلق كل المدارس القرآنية بكامل ولايات الجمهورية  لأنها غير خاضعة لمراقبة الدولة. القراءة الفورية و البسيطة لموقف اغلب التونسيين توحي بحرص المجتمع على سلامة الأطفال و المناداة بحمايتها من كل الأخطار. لكن القراءة العميقة تثبت أن هذه الهبة الإنسانية المفاجأة  بعد اكتشاف وجود هذه المدرسة القرآنية ليست وعي و موقف صادق تجاه معاناة الطفولة .
و المناداة بحماية الطفولة   زيف يخبئ حقيقة خوف فئة الكهول من هؤلاء الأطفال و ليس خوفا عليهم. لو لم تكن هذه المدارس تؤسس للفكر الداعشي و هو ما يعني تهديد بالقتل لكل مختلف عنهم ، لما كان هذا الفزع و الاهتمام الإعلامي بالحادثة. يعاني الأطفال في تونس المشاكل نفسها و في كل مكان و أمام لامبالاة المجتمع التونسي.  

لو ندخل أي مؤسسة تربوية من أي منطقة من الدولة التونسية، سنجد الأطفال يدرسون في أوضاع صعبة من اكتظاظ الأقسام و تهديدها بالسقوط و وانتشار الأوساخ و تفشي ظاهرة العنف و تعاطي المخدرات .أما في الشارع، هناك مأساة أخرى يعاني منها عدد كبير من الأطفال ولم تثر أبدا استنكار الرأي العام التونسي .و هي ظاهرة التسول في الشوارع و محطات الحافلات وسيارات الأجرة. المجتمع التونسي لا يثيره مشهد الأطفال و هم يتذللون للمارة بأثواب ممزقة ومتسخة، في صورة مهينة و منافية لكل القيم الإنسانية. بل يبدو الأمر عادي . 
كما إنهم يعاملون بازدراء و احتقار وكأنهم لا ينتمون لهذا الوطن .

و لا يتساءل الرأي العام التونسي عن ظروفهم البائسة و كيف يعيشون  .و لا ينظر إليهم إلا مجرد أشياء تتحرك على الأرض. في حين يجب على المجتمع تحمل المسؤولية ويخجل من عدم اكتراثه لهذه الفئة من قُصَّر ومن والضروري إنقاذهم و حمايتهم من كل الأخطار مثل الأمراض و التعرض للاعتداءات الجنسية . معاناة التلاميذ و المتسولين لا تجلب اهتمام الرأي العام .لم يحدث أن ضغط المجتمع التونسي على الدولة لتوفير ظروف لائقة للدراسة أو حماية هؤلاء المتسولين من الشارع مثلما حصل مع أطفال المدرسة القرآنية بالرقاب. يمكن إرجاع السبب الرئيسي للامبالاتهم أن هذه الفئة لا تهدد بالقتل فئة الكهول . ومادام المجتمع في مأمن من خطرهم فان الجميع لا يبالي. 
و هذا قد يفسر قلة الجمعيات المدنية التي تتابع الصعوبات اليومية التي يتعرض إليها الأطفال .هذا بالإضافة   إلى أنها جمعيات غير مؤثرة كثيرا في الرأي العام التونسي. كما يهمل الإعلام التونسي هذه المشاكل باستثناء بعض المناسبات والتي لا توافق حجم أهمية وضعية الطفولة في تونس.لان الإعلام دائما يهتم بالمواضيع التي تجلب نسب مشاهدة كبيرة والاهتمام بهموم الطفولة لا تجلب ، كثيرا ،اهتمام المتفرج. العناية بالطفولة تمثل شأن ثانوي في الثقافة التونسية و الدليل أن الأحزاب السياسية لا تولي اهتماما لها في حملاتهم الانتخابية. لان الوعود التي تتعلق بالأطفال لا تغري الناخب التونسي .كذلك الإعلام لا يسأل السياسيين عن غياب المشاريع الخاصة بالطفولة.
 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

 تحت هذا العنوان «أهلا رمضان» سأحاول الوقوف على جوانب من فكر محمّد الطالبي حول الإسلام  وسيكون هذ
20:15 - 2019/05/24
...وكل السياسات التي لم تستطع بل استعصى عليها تغيير الواقع نظرا الى اتصافها بعدم الواقعية فإننا ن
20:15 - 2019/05/24
في 12 أفريل 2018 جاءتنا الدكتورة راضيكا سوبرامانيام الأستاذة بمعهد نيويورك ذات الأصول الهنديّة مت
20:00 - 2019/05/23
«يا أهل تونس حثوا مطيكم  فما الحياد إلا من الغلط»
20:00 - 2019/05/23
إذا كان الفرنسي إدغار موران (Edgar Morin (يرى أن الثقافة الحديثة، من غير الممكن استيعابها خارج مظ
20:00 - 2019/05/23
خلال شهر رمضان يتّجه الكثير من الأنظار إلى الفئات المحرومة والمهمّشة والفقيرة سواء في العديد من ا
20:00 - 2019/05/18
بدأنا في مقال الأسبوع الماضي في مناقشة ظاهرة تبخيس الدنيا في الخطاب الديني الإعلامي والمسجدي وحاو
20:00 - 2019/05/18
بعض القرّاء يحتقر الكتب الصغيرة الحجم ، وكثير من الجامعيّين يستنكفون منها لتعوّدهم على الأطاريح ا
20:15 - 2019/05/15