مرايـــــــا..أمّة... قطعها سيف الوقت !!

مرايـــــــا..أمّة... قطعها سيف الوقت !!

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/03/08

«الوقت كالسيف إن لم تقطعه، قطعك» حكمة تتداولها الشعوب المتقدمة وتتخذها بوصلة تهتدي بها في رحلة الفعل والإنجاز وفي مشوار البناء الحضاري في معانيه الشاملة وأبعاده المكتملة.
ليس من قبيل الصدفة أن تعلي هذه الشعوب الوقت الى هذه المرتبة وأن تضفي عليه نوعا من القداسة... ولتعطيه سلطانا ما بعده سلطان بشكل يجعله في حدّ السيف وفي جرأته وسرعته الى مبادرتك بالقطع إن لم تبادر بقطعه... وذلك في اشارة الى ان تضييع الوقت وعدم استخدامه في ما ينفع الناس هو من قبيل الانتحار بحد السيف... لأن الفعل الحضاري لا ينتظر ولأن الانجاز لا ينتظر... والبناء لا ينتظر... ولأن القعود تأخر وتخلف في ميزان الفعل الحضاري وفي مقياس مدى تقدم وتخلف الشعوب..
***
ليس من قبيل الصدفة أن تمضي الشعوب التي تحترم نفسها في تقديس الوقت وفي تخصيصه بالكامل للعمل ولتحصيل الفائدة الى حدّ ترجمته الى مردود مادي... وليس مصادفة ان يتم المزج بين الوقت والمال ليقال بأن الوقت مال (Time is money) بمعنى أن استغلال الوقت بطريقة ناجعة ومفيدة يحوّله الى مكاسب مادية كما يحوله الى مكاسب معرفية وعلمية وثقافية تنزل بثقلها في ميزان الفعل الحضاري لهذا الشعب أو ذاك.


وليس مصادفة كذلك ان نجد حين نستعرض حال شعوب العالم الثالث وشعوبنا العربية في مقدمتها وحال الشعوب المتقدمة مثل شعوب أوروبا وأمريكا واليابان وكوريا الجنوبية بأن الوصفة السحرية التي تجعل هذه الشعوب متخلفة والأخرى متقدمة يتمثل في تعاطي هذه الشعوب مع الوقت. وفي مقاربتها لاستغلال وتوظيف الزمن.
فحين تهدر الشعوب المتخلفة وقتها في ما لا يعني وتنفق أعمارا بطولها وعرضها في البخل والكسل والتنكيل بقيم العمل والفعل والإنجاز والقعود عن تحصيل العلم وتغذية العقول بالثقافة والمعرفة ومطالعة الكتب والمؤلفات والدراسات .. نجد في المقابل الشعوب المتقدمة وهي تقبل على العمل وعلى المطالعة وعلى التهام المادة الثقافية... حتى أنك ترى أحيانا كهولا طاعنين في السن وهم يلازمون الكتاب والمطالعة ويصرّون على الانخراط في تعاطي أنشطة وحركات رياضية مع أنك تقول في نفسك بأن ما يفصلهم عن ـ عزرائيل ـ لا يتجاوز أمتارا قليلة..
***
مؤخرا، وفي اليابان قدّم وزير ياباني درسا بليغا لكل العالم... درس في احترام الوقت.. وفي احترام المسؤولية... وفي احترام شرف التكليف والمسؤولية... وقبل كل هذا في احترام الشعب واحترام الذات.. كان ذلك بعد تأخره عن حضور جلسة برلمانية مدة لم تتجاوز ثلاثة دقائق بسبب زحمة المرور ومع ذلك لم يغفر لنفسه هذا الجرم... ولم يسامح نفسه عن هذه الخطيئة... ويقول الخبر أن الوزير «ساكور آدا» قدّم استقالته لتأخره 3 دقائق عن جلسة برلمانية حول دورة الألعاب الأولمبية طوكيو 2020 التي كلّف بالإعداد لها.
***
أين نحن في بلادنا من هذا؟ أين وزراؤنا من هذا الوزير الياباني ؟ أين نوابنا المحترمون وغياباتهم عن المجلس تعدّ بالأيام والأسابيع وليس بالدقائق؟ أين عمالنا وهم يتسابقون للانقطاع عن العمل وأين موظفونا وهم يهرولون الى المقاهي في عز أوقات العمل؟ أين أساتذتنا ومعلمونا وهم يتبارون في الازدراء بقدسية الوقت والعمل ليعطوا تلاميذهم وطلبتهم دروسا مجانية في كيفية التنكيل بمفاتيح نجاح الفرد ونجاح المجتمع؟ أين تلاميذنا وطلبتنا، وهم «يجتهدون» في الازدراء بالعلم والمعرفة ويهدرون أوقاتا طويلة في العبث واللهو والهدر ويمعنون في مقاطعة الكتب والمكتبات؟
***
ليتأمل الجميع في سلوك الوزير الياباني وليستحضروا مقولة أن الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك... وليفتحوا عيونهم وقبلها عقولهم على أن سيف الوقت قد قطعنا وأننا بمقياس الفعل الحضاري أمة مبتورة الأطراف، مقطوعة الرأس... أمة تخلفت عن الركب الحضاري بقرون ضوئية وليس بدقائق معدودات أقام من أجلها وزير ياباني الدنيا ولم يقعدها!
 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

معذرة إن تضمنت بطاقتي كلمات ما تعودت على ذكرها فأنا مجبر على الدخول من بابين باب «مخاطبة الناس بم
20:15 - 2019/07/17
أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ عشر سنوات أن يكون يوم 18 من هذا الشهر الجاري الذي يصادف الغ
20:15 - 2019/07/17
أشرف الجبري (خبير محاسب)
20:30 - 2019/07/15
تطرح اليوم مسألة القائمات المستقلة في الانتخابات الرئاسية والتشريعية الكثير من التساؤلات.
20:30 - 2019/07/15
يقول الكاتب الكويتي خليل علي حيدر في مقاله «جدل في البطّيخ والشّمّام» بمجلة «العربي» العدد 13 أفر
20:30 - 2019/07/15
إن الفكرة الجوهرية لهذه المقالة هي الدعوة إلى تدريب العقل التونسي على مبدإ جديد يسود اليوم العلاق
20:00 - 2019/07/11
آه لو كنا «توانسة صافين» لأعلنتها عالية علنا
20:00 - 2019/07/11