مشروع قانون المالية التكميلي لسنة 2019 .. فشل في التقدير و«نجاح» في التبرير

مشروع قانون المالية التكميلي لسنة 2019 .. فشل في التقدير و«نجاح» في التبرير

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/11/26

أصبح قانون المالية التكميلي عادة سنوية تلجأ إليها الحكومات المتعاقبة منذ سنة 2011 عوض أن يكون استثناء مما يدل إما على فشل في استقراء الوضع الاقتصادي أو إرجاء لمواجهة الصعوبات أو كليهما غير أن اللجوء إلى قانون مالية تكميلي في نهاية هذه السنة يتميز بظروف سياسية واقتصادية استثنائية وذلك لعدة أسباب. 
ومن أهم هذه الأسباب أن الحكومة التي أعدت الميزانية تحولت إلى حكومة تصريف أعمال تستعد إلى المغادرة. أما الحكومة التي ستسهر على تطبيقه فلم تتشكل بعد. ولن تتشكل في أفضل الأحوال قبل انتهاء الآجال الدستورية للمصادقة عليه. ومن ناحية أخرى فإن مشروع القانون ستنظر فيه لجنة مؤقتة تم تكوينها بصفة طارئة نظرا الى عدم تشكيل اللجان القارة بعد.  
أما من حيث محتوى مشروع القانون التكميلي فقد قدرت نفقاته الإضافية بـ 2260 مليون دينار بما يؤدي إلى الترفيع في الميزانية الجملية لسنة 2019 من 40.861 مليون دينار إلى 43.121 مليون دينار. وقد تم إرجاع السبب إلى انعكاسات الزيادة في الأجور التي تم الاتفاق بشأنها مع الاتحاد العام التونسي للشغل والمقدرة ب 649 مليون دينار وإلى تغطية الترفيع في مصاريف المستلزمات المدرسية لفائدة المدرسين بعنوان العودة المدرسية 2019-2020 المقدرة ب 200 مليون دينار. وبذلك فإن المبلغيْن مجتمعين يتجاوزان ثلث النفقات الإضافية.
وهكذا قدمت الحكومة المسألة بطريقة توهم الرأي العام بأن اللجوء إلى ميزانية تكميلية يعود إلى الزيادة في الأجور محملة المسؤولية بطريقة غير مباشرة إلى الاتحاد العام التونسي للشغل بصفة عامة وإلى المدرسين بصفة خاصة. في حين أنه كان عليها برمجة هذه الزيادات منذ بداية السنة بالنظر إلى مشروعيتها أم أنه الخنوع لتوصيات صندوق النقد الدولي. وفي المقابل فقد طمست أو تعمدت طمس أسباب ارتفاع مبلغ خدمة الدين البالغ 567 مليار دينار. وهو أمر مثير للانتباه. إذ لا يوجد في مشروع القانون أي تفسير. 
كما رصد قانون المالية التكميلي مبلغ 438 مليون دينار لدعم المحروقات مبررا ذلك بعدم تطبيق التعديلات المستوجبة. ولئن وقعت سنة 2019 زيادة واحدة في شهر مارس فإنه وجب التذكير أن السنة السابقة أي سنة 2018 شهدت 4 زيادات. وهو أرفع رقم عرفته البلاد في هذه المادة. ولا شك أن الحكومة فضلت تأجيل الزيادات في المحروقات إلى ما بعد المواعيد الانتخابية حتى لا تحترق حظوظها في الأثناء.
لقد كان من المنتظر أن تصل ميزانية سنة 2019 إلى حالة عجز قبل موفى السنة ليس بسبب الزيادات في الأجور أو عدم الترفيع في أسعار المحروقات. بل بسبب تأجيل تطبيق بعض الإجراءات المنصوص عليها في الصيغة الأولى لقانون المالية لسنة 2019 وخاصة الفصل 87 حول إخضاع معاملات البنوك وشركات التأمين والشركات العاملة في مجال الاتصالات والنفط والمحروقات لمساهمة استثنائية بـ1 بالمائة من المعاملات المصرح بها لمعالجة عجز الصناديق الاجتماعية. إذ تم تأجيل مفعولها من غرة جانفي 2019 إلى غرة جانفي 2020. ولو تم الشروع في تطبيق الفصل المذكور بداية من غرة جانفي 2019 لوقع الاستغناء عن رصد 324 مليون دينار لفائدة الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية ضمن قانون المالية التكميلي. 
كما كان بالإمكان التخفيف من عجز الميزانية لو لم يقع - بمقتضى الفصل 89 لقانون المالية لسنة 2019 - تأجيل تطبيق المطة الأولى من الفصل 29 من قانون المالية لسنة 2018 المتعلق بتوسيع مجال تطبيق نسبة الضريبة على الشركات المحددة ب 35 بالمائة (مثل المساحات التجارية الكبرى ووكلاء بيع السيارات). إذ وقع تأجيل التطبيق من غرة جانفي 2019 إلى غرة جانفي 2020. والمعلوم أن هذه التأجيلات تمت بضغط من بعض اللوبيات التي نجحت في الفجر في فرض التراجع عن فصول تمت المصادقة عليها في الليلة السابقة. 
إن تركيز حكومة الشاهد على حجم كتلة الأجور ونسبتها في الناتج المحلي الإجمالي وحجم اعتمادات الدعم وحجم خدمة الدين لا يمكن تفسيرها إلا بهاجس حكومة الشاهد الالتزام بتعهداتها تجاه صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي. كما ساهمت الحسابات السياسية في تأجيل تطبيق بعض الاجراءات إلى ما بعد المواعيد الانتخابية عملا بمقولة امرئ القيس « اليوم خمر وغدا أمر «. ولا نعتقد أن أعضاء مجلس نواب الشعب الحاليين بالنظر إلى ما ساد الجلسات الأولى من تلاسن وصراعات بعيدة عن شواغل من انتخبوهم قادرون على تغيير ما ورد في قانون المالية التكميلي أو إيجاد حلول بديلة وخاصة منهم نواب حركة النهضة الذين لجأوا إلى التنصل والمزايدة وكأنهم لم يكونوا صلب الحكومة التي أعدت المشروع نفسه.
 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

أولا وبادئ ذي بدء، لا يمكن إلاّ أن نترحّم على شبابنا وشاباتنا الذين قضوا نحبهم في كارثة الحادث ال
20:20 - 2019/12/05
أمرٌ طالما انتظرته منذ 2014 فلم يأت مع الحبيب الصيد ثمّ لم يأت مع يوسف الشاهد وها أنّه يأت اليوم
20:15 - 2019/12/05
على مرآى من عين دراهم وعين السنوسي حيث جدت الكارثة التي أبكت كل العيون التونسية.
20:15 - 2019/12/05
كنت كلّما زرت بلدتي الطيّبة سألت عن مؤدّبي منذ ستّين سنة، ومؤدّب ولديّ منذ عشرين، فأجبت بردّ مطمئ
20:00 - 2019/12/05
تناولنا في الأسبوع الماضي في خضم محاولة طرح الجندرة في الحقل الديبلوماسي ما يمكن أن تضيفه المرأة
20:15 - 2019/12/03
بقلم: سهيل بيوض (ناشط حقوقي)
20:30 - 2019/12/02
ينتصب تمثال عالم الاجتماع «عبد الرحمان ابن خلدون» في مكان استراتيجي في قلب العاصمة وقد عوّض به ال
20:00 - 2019/12/01
كلّما وصل إلى سمعي صوت بائع متجوّل ينادي مشهرا سلعة تذكّرت من زمن الطفولة باعة جوّالين بمختلف الس
20:00 - 2019/12/01