مقدمات للمطر:عن الإسلام المهاجر ومحنة اللغة العربية في فرنسا

مقدمات للمطر:عن الإسلام المهاجر ومحنة اللغة العربية في فرنسا

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2018/11/08

مرة أخرى يشتد الجدل في أوساط فرنسية متعددة حول تقرير «الاسلام في فرنسا» الصادر عن معهد مونتانيه الفرنسي يوم 9 سبتمبر الماضي وهو التقرير الذي وضعه التونسي الفرنسي «حكيم القروي» بطلب من الرئيس الفرنسي»إيمانويل ماكرون» الذي تعهد في شهر جويلية الماضي أمام أعضاء مجلس النواب والشيوخ بالعمل على إعادة تنظيم الإسلام «في الخريف».
عودة الجدل هذه الأيام خص ما اقترحه من «تعزيز تعليم اللغة العربية في المدارس الفرنسية العمومية إذ يرى في المدارس القرآنية منافسا شرسا» فعدد التلاميذ الذين يتعلمون اللغة العربية في المدارس الإعدادية والثانوية انخفض إلى النصف وزاد عشرة أضعاف في المساجد.
تقرير مؤسسة مونتانيه كشف عن واقع بائس لوضع اللغة العربية في فرنسا مع «أنها ثاني لغة محكية هناك ويستخدمها أكثر من أربعمائة وعشرين مليون شخص في العالم» ويرى صاحب التقرير ان اليمين الفرنسي يعمل على تكريس سياسة رسمية تحفظية على تدريس اللغة العربية بصفتها لغة الإسلام «وبالتالي لغة التطرف، وصولا إلى الإرهاب»..
تقرير مؤسسة مونتانيه بيّن بوضوح أن تعليم اللغة العربية خارج المؤسسات الرسمية لوزارة التربية الفرنسية أصبح في جانب كبير منه الطريقة الفضلى للإسلاميين لاستقطاب الشباب إلى مساجدهم ومدارسهم (الخاصة) .
من جهتهم يؤكد المهاجرون المغاربيون (تونس، الجزائر والمغرب) المقيمون في فرنسا أن تعليم اللغة العربية لأبنائهم يظل معضلة مستعصية أمام عجز الدول المغاربية على إيجاد سياسة موحدة قد تساعد الجهود الوطنية غير الكافية على مأزق الخروج من العجز الذي تتخبط فيه لمجابهة طلب تعليم اللغة العربية لأبناء الجاليات المغاربية المقيمة بفرنسا والتي تعتبر عدديا أكبر الجاليات المهاجرة.
مدير عام ديوان التونسيين بالخارج يضيف بأن جهود الديوان في مجال تعليم اللغة العربية لأبناء الجالية التونسية بفرنسا والتي تشترك فيها وزارة الشؤون الإجتماعية ووزارة التربية تظل غير كافية ناهيك عن ضرورة مباشرة تقييم شامل لهذه الجهود في مجالي المناهج والنتائج التي تحققت لقرابة الألف متعلم للغة العربية في المراكز الثقافية والاجتماعية الموجودة في فرنسا من قبل معلمين توفدهم وزارة التربية التونسية.
أما عالم الأديان التونسي «د.عزالدين عناية» فيذهب إلى اعتبار رعاية اللغة الأم (اللغة العربية) وتعليمها لأبناء العرب والمسلمين في أوروبا عامة تتنزل في إطار ما يشهده الغرب من جدل متنوع الأشكال مع الإسلام الحاضر في أحضانه فعدد المسلمين الحالي يفوق الأربعين مليون نفر وبات مرشحا لتطورات حثيثة في العقود القادمة ما دعا لخوض غمار سياسات عدة تتراوح بين الدمج القسري والإندماج الطوعي.»
جديد جدل تعليم اللغة العربية في المدارس الفرنسية كغيرها من «اللغات المهمة» مثل الروسية والصينية أعلنه وزير التربية الفرنسي «جان ميشال بلانكيه» الذي صرح بأن الوزارة «وضعت خططا لاستعادة الاشراف على تعليم اللغة العربية مؤكدا أنها يجب أن تعامل كغيرها من اللغات وقد تعهد بتعزيز تعليمها في المدارس الرسمية من أجل مكافحة «الميل إلى تشكل الغيتوهات» في المؤسسات الخاصة.
تصريح الوزير أثار ردة فعل غاضبة من قبل رموز اليمين الفرنسي الذين « يعارضون استخدام المهاجرين في شمال إفريقيا للغة العربية». ويرون فيها فشلا في الاندماج في المجتمع الفرنسي.
«لوك فيري» الذي كان وزيرا للتربية في عهد الرئيس الفرنسي «جاك شيراك» من «اليمين الوسط» تساءل بدوره عما إذا كانت الحكومة تريد محاربة التطرف الاسلامي وأنها تريد أن تدخله إلى النظام التربوي الرسمي مشيرا إلى أن إعطاء اللغة العربية موقعا أقوى يحقق الهدف الثاني.
حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف قال «نحن بتنا في موقع الخضوع» في إشارة إلى رواية «ميشال ويلييك» « الخضوع» التي يتصور فيها الاسلاميين يحكمون في فرنسا.
ويوضح «حكيم القروي» واضع تقرير «مونتانيه» الذي أشعل فتيل هذه الضجة بأن اليمين الفرنسي والمتعاطفين معه يتحفظون على تدريس موضوع مرتبط بالمهاجرين الذين يطرحون معضلة بنظرهم فـ567 تلميذا في المدارس الإبتدائية تعلموا العربية العام الماضي وهو ثلث عدد الذين اختاروا الصينية كلغة ثانية إلزامية وقد اختار أغلب التلاميذ اللغة الانقليزية.
وتبعا لتقرير صدر أخيرا عن إحدى الجمعيات التونسية المقيمة في فرنسا والمدافعة عن تعليم وحماية اللغة العربية في أوساط المهاجرين التونسيين فإن المساجد والجمعيات الدينية والمدارس الخاصة تجذب حاليا مجتمعة ما يفوق المائة ألف تلميذ سنويا يرغبون في تعلم اللغة العربية، ويضيف التقرير بأن أغلب أولياء هؤلاء التلاميذ يحلمون بأن يتواصل أبناؤهم معهم باللغة العربية أو بلهجة قريبة منها ومتابعة القنوات العربية وقراءة القرآن.
محنة اللغة العربية تظل أحد الوجوه القاتمة من وجوه متعددة يعاني منها الاسلام المهاجر في فرنسا.

كاتب وأكاديمي وشاعر تونسي
 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

عندما اندلعت الاحداث في سوريا في مارس 2011 ، كان الرئيس التركي رجب الطيب اردوغان على يقين ان انصا
20:20 - 2019/10/22
لطالما توهّمنا أنّ الآثار الرومانيّة المنتشرة في بلادنا بناء جهّال وكفّار وأنّ فخرنا إنّما يكون ب
20:20 - 2019/10/22
إنّ ملف السلاح النووي قد تحول إلى موضوع للضغط الدولي الذي يقوى ويفتر حسب مصالح الدول الضاغطة، ممّ
20:15 - 2019/10/22
بعد وفاة الرئيس تداخلت العديد من المواعيد واضطربت، والموجة الانتخابية التي كانت بعيدة اقتربت وأغر
20:33 - 2019/10/21
يمر الاقتصاد التونسي بالعديد من المشاكل في السنوات الأخيرة، وأصبح الكل خائفا من تزايد الوضع الاقت
20:30 - 2019/10/21
تعيش تونس هذه الأيام على وقع الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي أنتجت صعود قوى سياسية جديدة وانح
20:30 - 2019/10/21
النجاح الذي نأمله هو  النجاح في إدارة البلاد وإخراجها من المستنقع!..فمن المعلوم السيد قيس سعيد يف
20:30 - 2019/10/21
بقلم ناصر كامل (أمين عام الاتحاد من أجل المتوسط)
20:30 - 2019/10/21