مقدمات للمطر:في مدارات الوعي الغائب:أي دور للثقافـــــــــــــة فــي التحــــــــول الديمقراطــــي؟

مقدمات للمطر:في مدارات الوعي الغائب:أي دور للثقافـــــــــــــة فــي التحــــــــول الديمقراطــــي؟

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2018/07/11

كان المؤتمر العالمي للسياسات الثقافية الذي عقدته اليونسكو بمكسيكو سنة 1982 لحظة تاريخية فارقة في علاقة العالم بلدانا وحكاما وشعوبا بأهمية الثقافة في حياة المجتمعات الإنسانية والتحولات التي تطرأ عليها. فخلال هذا المؤتمر أدرك العالم أهمية الثقافة في مستقبل ساكنيه بدءا من مفهوم الثقافة وصولا الى دورها في معالجة الاختلال الكبير في الموازين التنموية.
لقد اعتبر هذا المؤتمر الدولي الثقافة « جميع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعا بعينه أو فئة اجتماعية بعينها، وهي تشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة كما تشمل الحقوق الإنسانية ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات «.
وبعد ذلك بسنوات قليلة جاء اعلان العقد العالمي للتنمية الثقافية ( 1988 / 1997)  الذي سنته المجموعة الدولية عبر منظمة الامم المتحدة ومنظمة اليونسكو. جاء هذا العقد كرد فعل على اخفاق مجهودات التنمية « لأن أهمية العنصر البشري، ذلك المزيج بين المعقد من العلاقات والمعتقدات والقيم والدوافع الذي يكمن في قلب الثقافة لم يقدر حق قدره في كثير من مشروعات التنمية.
هذا الوعي الكوني بأهمية الثقافة جعل المنظمات الدولية والنخب وقادة الرأي العام يعملون على معالجة الاختلال الكبير في الموازين الاقتصادية وتفشي الفقر وتراجع منظومات التنمية وفقدان قيم الانتماء والمواطنة والهوية... واعتمادا على ذلك تم التركيز على قضيتين هامتين هما إعادة صياغة السياسات الثقافية عامة، والحاجة الى ابتكار معارف جديدة للربط بين الثقافة والتنمية. ومن هنا خرجت السياسة الثقافية عن مفهومها التقليدي متجاوزة مجالات الفنون لتتوجه للاستثمار في التنمية البشرية» وهو ما أكده المؤتمر الدولي الحكومي للسياسات الثقافية من اجل التنمية المنعقد بستوكهولم عام 1998 حيث أعلن في تقريره الختامي مبدأين أساسيين: أن التنمية المستدامة والانتعاش الثقافي أمران مترابطان، وأن أحد الأهداف الرئيسية للتنمية البشرية هو الانتعاش الاجتماعي والثقافي للفرد.
عربيا ونتفق هنا مع الدكتور المنجي الزيدي في ما ذهب اليه في أحد بحوثه المتخصصة في هذا المجال بأن الثقافة احتلت مكانة هامة في تاريخ المجتمعات العربية فازدهرت بازدهارها وخبت شعلتها في حقب تخلفها وتفككها السياسي والاقتصادي. ولقد كانت الحصن الذي واجهت به هذه المجتمعات ما عاشته من صراعات سواء مع قوى الاستعمار المباشر من اجل تحقيق الاستقلال الوطني أو مع قوى الاستلاب والهيمنة بأوجهها الخفية والظاهرة. وبالتالي فإن مشروع النهضة العربية كان وما يزال مشروعا ثقافيا وحضاريا في جوهره. فالثقافة هي التي تكسب الحياة الإنسانية معناها من خلال ما تحمله من قيم تحد كيان الانسان العربي وتكيف سلوكه وتفكيره ومبادراته وابداعاته وتفاعله مع غيره من بني الانسان.
ولقد عايشت شخصيا – وأنا بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم – فترات ميلاد الخطة الشاملة للثقافة العربية التي تأسست على نتائج هذه المؤتمرات الدولية والتي كانت ثمرة جهد وعمل على المستوى العربي تشخيصا للواقع واستشرافا دقيقا للمستقبل ووعيا حادا بأهمية التحولات الحديثة وما تطرحه من تحديات ثقافية أمام أبناء الأمة العربية. لقد أشرف على وضع هذه الوثيقة المرجعية التاريخية الهامة مبدعون كبار أذكر منهم محمود المسعدي من تونس وعبد العزيز حسين من الكويت وشاكر مصطفى من سورية وعابد الجابري من المغرب والطيب صالح من السودان والمنظر الأنتروبولوجي الكبير الدكتور محيي الدين صابر رحمهم الله جميعا.
ولكن دولنا العربية التي كانت حاضرة في مؤتمر مكسيكو ومؤتمر ستوكهولم وأسهمت بالفكر والمال في وضع الخطة الشاملة للثقافة العربية لم تستفد كالعادة من هذه المناسبات العربية والعالمية. فلم تعمل بما جاء في وثائقها المرجعية التي ظلت منسية في الرفوف والأدراج.
وطنيا يبدو أننا لم نشذ عن الاجماع العربي فنحن لم نع الى يوم الناس هذا أهمية الثقافة في التحول الاجتماعي والمرحلي والديمقراطي، فماذا رصدنا من الموازنات، وماذا فعلنا من أجل إعلاء شأن الثقافة والمثقفين؟ ونحن نسعى لتكريس تحول ديمقراطي وننشد مشروعا مجتمعيا حديثا والأمر يتفاقم بما نشهده من حملات التشكيك في العمل الثقافي ونزعات التحقير والتهميش لما تقوم به وزارة الشؤون الثقافية ويعمل وزيرها على تنفيذه من مبادرات شتى. فمهرجان قرطاج الدولي وهو معلم حضاري وثقافي أسهم في نحت الصورة المشرقة لتونس وكذلك مهرجان الحمامات وغيرهما من المهرجانات، وقيام مدينة الثقافة هذا المعلم الحضاري العظيم وما يشهده من فعاليات، والمد الثقافي داخل الجهات وإطلاق العديد من المهرجانات الوطنية الجديدة، وتشجيع المبادرات التي شملت أغلب الفئات الاجتماعية كالموهوبين من ذوي الاحتياجات الخصوصية وغيرهم، أصبحت كلها محل انتقاد وتهجين، فهل نسأل بعد هذا عن أسباب التطرف والعنف والإرهاب؟ ! 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

تمخّض اجتماع قرطاج فولد... تأجيلا.
20:00 - 2018/07/17
حق المواطن في بيئة نظيفة يطرح علينا سؤال مهم وهو من يوجد هذا الحق؟ الفرد؟ ام المجتمع؟
20:59 - 2018/07/16
إذن، فازت فرنسا بكأس العالم، وخاطت نجمة ذهبية ثانية على قميصها الوطني بعد النجمة الأولى التي قطفت
20:00 - 2018/07/16
في خطوة مفاجئة قرر رئيس الجمهورية الدعوة اليوم إلى اجتماع يضم العناصر الأهم والأكثر وزنا في لجنة
20:00 - 2018/07/16
المولدي العارم 
20:00 - 2018/07/16
سوف أتكلّم كما لم أتكلّم من قبل، وسوف أقرع الطبل كما لم أقرع الطبل من قبل وسوف أقطع الحبْل كما لم
20:00 - 2018/07/16
أيّا كان الفائز اليوم بكأس العالم لكرة القدم فإن المنتصر الحقيقي، في كل الحالات، سيكون فلاديمير ب
20:00 - 2018/07/15