مقدمات للمطر.. «المسعدي» في أعماله الكاملة

مقدمات للمطر.. «المسعدي» في أعماله الكاملة

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2018/10/10

قضيت نهاية الأسبوع مع الأعمال الكاملة للمبدع الفذّ المرحوم محمود المسعدي الصادرة في طبعه ثانية عن دار الجنوب بتونس سنة 2011 في جمع وتقديم وتحيين للدكتور محمود طرشونة أمد الله في أنفاسه ومتعه بالصحة والعافية حتى يواصل ما عودنا به من إسهامات رائقة وفاعلة في المسار الثقافي الوطني والقومي.                                                                                             
تضمّن المجلد الثاني من هذه الأعمال المقالات التي كان المسعدي يفتتح بها مجلة المباحث في سلسلتها الجديدة (1944-1947) والمحاضرات التي كان يلقيها في مناسبات ثقافية داخل الوطن أو خارجه، كما يتضمن المجلد الثاني بحث المسعدي حول الإيقاع في السجع العربي وهو عبارة عن دراسة أكاديمية ذات منهج واضح قد يكون الأستاذ المسعدي قدمه لنيل شهادة جامعية عليا خلال سنوات التحصيل الجامعي بجامعة السربون بفرنسا.                                                            
ما أردت أن أصل إليه من خلال الحديث في هذه المقدمات عن هذه الأعمال الكاملة استهله بما يلي، وبكل أسف أقول نحن نكاد لا نعلم شيئا عن روادنا المبدعين مكتفين تقريبا بما نلزم به في سنوات الدراسة في مرحلتيها الثانوية والجامعية ودليلي على ذلك أن أغلب الناس في هذه الربوع لا يعرفون من المسعدي غير روايته الذهنية «السد».. وفي أقصى الحالات قد يلزمون خلال المرحلة العليا من الدراسة بدراسة عمله الآخر «حدث أبو هريرة قال..»طبعا للمسعدي عمليا آخران هما «المسافر» قصته الطويلة التي بدأ بها مسيرته و»مولد النسيان» وقد جمع إخوانه مقالاته وأغلبها جاءت افتتاحيات لمجلة المباحث علاوة على محاضراته في كتاب جمع مادته الأديب الصديق «عبد الواحد براهم» ونشرته مؤسسات «عبد الكريم بن عبد الله» هذا الرجل الذي قدم خدمات جليلة للثقافة التونسية وكان بالمناسبة أول من أخذ بيدي فنشر لي ديواني الأول «البحر في كأس» سنة 1977 وأنا طالب بكلية الآداب 9 أفريل.
أعود للمسعدي ولمجلة المباحث ولمن لا يعرفها أقول هي مجلة أصدرها المرحوم «محمد البشروش» وهو من رجال التعليم المولعين بالأدب من جيل الشابي ومحمد الحليوي في جانفي سنة 1938 ثم توقفت بعد عددين، وبعد سنوات أصدرها من جديد بدعم مادي وعون أدبي من مجموعة من الأساتذة والمثقفين في مقدمتهم المسعدي الأستاذ بالمدرسة الصادقية آنذاك وقد اضطلع برئاسة تحريرها في سلسلة جديدة في أفريل سنة 1944، واستمر رئيسا لتحريرها ومواضبا على إصدارها بعد وفاة مؤسسها في شهر نوفمبر من نفس السنة التي أُعيد صدورها فيها.                                                                   
وقد أصدر المسعدي من هذه المجلة ثلاثة وأربعين عددا إلى غاية أكتوبر 1947، تاريخ توقفها عن الصدور. المهم من كل هذا أن المسعدي حوّل هذه المجلة إلى أداة ثقافية تدافع عن الذاتية الثقافية التونسية إزاء السياسات الفرنسية والمسخ الحضاري التي كان الاستعمار الفرنسي يفرضها على التونسيين في هذه الافتتاحيات ومجمل المحاضرات والمداخلات التي يقدمها لنا المجلد الثاني من أعمال المسعدي الكاملة نتعرف على الوجه الآخر لشخصية المسعدي ونتعرف على آرائه في الفكر والثقافة والحرية والعروبة والاسلام والأدب والفلسفة كما نقف على المصادر والينابيع التي شرب منها، فنقرأعن علاقته بالغزالي» و»أبي العتاهية» و»صاحب الأغاني» و»ابن خلدون» و»برقسون» و»أفلاطون» وغيرهم...                    «
يتحدث المسعدي مثلا عن العروبة والاسلام في الذاتية القومية التونسية فيرى أن الاسلام جاء في هذه البلاد بكامل معنى الروح ومعنى الحرية في الروح، «أي كامل ما لا يزال تصبو إليه هذه البلاد منذ أقدم العصور وذاك هوالذي ضمّن للاسلام خلوده في هذه البلاد».                                           
«إن الخلود خلود الروح والحق في الحياة حق الروح، فلا يغفلن أحد عن هذه القاعدة المستقاة من التاريخ والواقع، أي أن إفريقيا شرقية قبل أن تكون غربية وإنها سامية روحانيا قبل أن تكون مادية وإنا شرقيون كالغرب ومسلمون كالعرب وساميون كاليهود ولن نكون أبدا شيئا آخر ...»                              
يختلف «المسعدي» مثلا مع «طه حسين» في دراسته الطويلة عن شعراء الغزل العذري ويرى أن ما جاء في كتاب الأغاني من خبر موجز عن الحب العذري أعمق بكثير مما ذكره «طه حسين» مطولا يقول المسعدي:»...إن طه حسين إن لم يفضل صاحب «الأغاني» في استبطان «إنسانيات» الأدب العربي فقد فضل على كل حال هؤلاء الذين لا يزالون يفسدون علينا شعراءنا وكتابنا ويشوهون صورهم ويمسّخونهم مسخاً...» ولعل المسعدي هنا يقصد شقا معلوما من المستشرقين الذين تأثر بهم طه حسين وغيرهم.      
خلاصة القول حبذا لو تستمر وزارة الثقافة ومؤسساتها المختصة في المضي قدما بإصدار سلاسل الأعمال الكاملة لأدبائنا ومفكرينا على غرار ما فعلت مع «المسعدي» و»الشابي» و»الميداني بن صالح» وغيرهم، وحدثني أخيرا الصديق العزيز «شكري المبخوت» بأنه قدم الأعمال الكاملة للراحل «حسين الواد» أحد أساطنة النقد الحديث في الوطن العربي 
أما في ما يخص المسعدي فإن من لم يقرأ المجلد الثاني من أعماله الكاملة الصادرة في مجلدين فإنه لا يمكن بحال من الأحوال أن يتعرف عن هذه الشخصية الفذّة.

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

بات الأمر واضحا الآن. فقد اختار معسكرا الأزمة الماثلة المضي قُدما نحو المواجهة.
20:00 - 2018/12/16
لا أسمح لنفسي بإعادة ما كتبت عن « الموسوعة التونسيّة « في نسختها الورقيّة في علاقة بسيرتي الذاتية
20:00 - 2018/12/16
يعيش الشارع في تونس هذه الأيام على وقع الغضب الذي يتصاعد يوما بعد يوم ....
20:00 - 2018/12/15
هكذا وصلنا المصحف العثماني بنظائره الأولى مرتّب السور حسب الطول مخالفا الترتيب الزمني للوحي حسب أ
20:00 - 2018/12/15
نحن على عتبة الفقر السياسي حيث تشرئبّ الأعناق لرؤية هلال الانتخابات «الديمقراطية الشفافة الحرة ال
20:00 - 2018/12/15
 وبقطع النظر عن الانتماءات السياسيّة وخدمة ركاب أي كان فأنا لا انتماء سياسي لي اليوم لذلك  فأنا ل
20:00 - 2018/12/15
تعيشُ الحياة الوطنيّة على وقع تزايد ملحوظ للحراك الاجتماعي الاحتجاجي، اذ تشهد عدّة قطاعات حالة من
20:00 - 2018/12/14