مقدمات للمطر :عن سؤال الهوية في الراهن التونسي !

مقدمات للمطر :عن سؤال الهوية في الراهن التونسي !

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2018/12/05

في كتابه الهام «كيف صار التونسيون تونسيين» يعود د.الهادي التيمومي» للحفر في أسباب وجذور هذا الصراع الحاد الذي أصبحت البلاد تعيشه ولا تزال منذ 14 جانفي 2011 حول هوية البلاد، التي يقول عنها صاحب الكتاب: «ليست الهوية التونسية إفرازا لدولة الإستقلال التي قامت منذ 1956، وإنما هي واقع أبعد غورا وأعمق جذورا، فليس من ذهنية جماعية تحدث فجأة، والمشهد الهوياتي التونسي الحالي يعكس في تضاعيفه تاريخا ثري المضامين سميك التراكمات متشعب التضاريس.»                                                   
ويرى د.التيمومي بأن «تونس تشهد منذ ( 2014) جوعا للانتماء وركضا مهووسا وراء الهوية أي وراء تلك النظرة التي تسعى كل مجموعة بشرية لكي تنعت بها من قبل الآخرين.»
إن التونسيين مثل العديد من شعوب العالم أضحوا اليوم سكارى حتى الثمالة بمسألة الهوية فهم بحاجة ماسة إلى رموز من الماضي لتدعيم ما يقومون به في الحاضر، هذا العطش القاسي لمسألة الهوية واستحضار الماضي يتطلب كما قال الفيلسوف الفرنسي «أدغار موران»:»إحياء الذاكرة باستمرار، لأن ذلك من المتطلبات الحيوية للحاضر، علما بأن إحياء الذاكرة لا يتمثل فقط في استرجاع  ذكريات الماضي، وإنما في إعادة تسليط الضوء على ذلك الماضي إعتمادا على تجربة الحاضر وانطلاقا منها».
المعضلة كما تتشكل اليوم وإن بدا استحضار الماضي ورموزه أمرا طبيعيا في حياة الشعوب تكمن في أن أي تلميح اليوم ولو بسيط إلى أي محطة من محطات التاريخ التونسي يتحول فجأة إلى صراع بين التونسي الذي يعتبر نفسه تونسيا والتونسي الذي يعتبر نفسه عربيا من تونس، والتونسي الذي يعتبر نفسه مسلما من تونس، والتونسي الذي يعتبر نفسه أمازيغيا....
في خضم هذه التجاذبات ينسى التونسيون في أغلب الأحيان أن الذين بنوا تونس ليسوا فقط أولائك الذين تتحدث عنهم الكتب المدرسية والمرجعيات التاريخية... بل هنالك ملايين الشخصيات الصامتة والمغمورة نحتت على طريقتها روح تونس وهويتها الحميمية.
إن أبناء تونس المغمورين أو شبه المغمورين يمثلون كنوزا من الخلق والتجديد تختفي وراء نشاطات حياة يومية يمارسها الفلاح والمزارع والحرفي والتاجر ومدون التراث اللامادي والمغني والطاهي والمتطوع «للجهاد» ضد الإستعمار الفرنسي... وتوجد كذلك الطالبة التي تمتلكها الغيرة يوم 7 مارس 2011 على العلم التونسي فرفعته في مدخل كلية الآداب بمنوبة غصبا عن سلفي إسلامي متنكر لوطنه ومصر على رفع الراية السوداء «لدولة الخلافة الإسلامية».
إن التونسي هو وريث هذه الهوية الجمعية التي نسجها المشهورون والمغمورون وليست تونس هبة موقعها الإستراتيجي في قلب الأزرق الكبير، وإنما تونس هبة الإنسان التونسي الذي كابر منذ فجر التاريخ وجاهد، وعمل وكد لكي يخرج هذا البلد في أبهى صورة ويبوئه مكانة لائقة بين الشعوب. 
هذا المدخل النظري لهذه المقدمات نلتقي فيه مع الدكتور «التميمي» ومع ما جاء في كتابه الشيق الهام «كيف صار التونسيون تونسيين» ومع غيره من الباحثين والمولعين بدراسة سؤال الهوية التونسية على غرار الباحثين «د.منصف وناس» صاحب كتاب «الشخصية القاعدة التونسية» والباحث «سعيد بحيرة» في كتابه: «قراءة أخرى، في الهوية التونسية» والذي يقدم قراءة تأليفية للهوية التونسية مركزا على دور الإنسان ساكن هذه البلاد ومعمرها وقطب نواتها الصلبة.
فتونس اليوم كما يراها «سعيد بحيرة» «تحمل هوية مركبة انتقاها التونسيون بعد أكثر من ثلاثة آلآف سنة من الوجود التاريخي وبعد عشرات الآلآف من السنين من الوجود الفعلي. وعبر هذا الامتداد الزمني الطويل تأسس المخزون الحضاري التونسي بمكوناتها المختلفة..»
قلت هذا المدخل النظري، يوصلنا إلى التأكيد على أن هوية التونسيين اليوم هي نتاج مهجن ومعاد التهجين لآلآف المصاهرات المتنافرة: بربر، عرب، أتراك، أروبيون...والبعد العبقري في المسألة أن تونس كانت دائما وستظل قادرة على صهر كل هذه العناصر في بوتقتها، فتونس بجسمها الصغير تبدو وكأنها كائن ضعيف إلا أنها بإنجازاتها الحضارية كائن قوي سيطر عليها الغزاة لآماد طويلة من كل حدب وصوب بقوة أسلحتهم لكنها سيطرت عليهم بقوة شخصيتها الحضارية. ويذهب المؤرخون كافة إلى أن أغلب غزاة تونس»تتونسوا» وذابوا فيها.. بل وأصبحوا مدافعين شرسين عنها، فتونس لم تفن أبدا في غزاتها بل هم الذين ذابوا فيها.
وفي المحصلة يمكن القول أن طرح سؤال الهوية التونسية اليوم يتحتم على طارحيه أن ينأوا به عن كل توظيف إيديولوجي فج.. لقد استقبلت الأرض التونسية حضارات عديدة غازية أو «فاتحة» من الشرق والغرب ولكن اللقاء بين حضارتها البربرية والحضارة العربية الاسلامية هو الأكثر توفيقا بين كل اللقاءات التي فرضت عليها منذ وصول الفينيقيين إليها قبل 2828 عاما، ولكن القول بأهمية العروبة والإسلام في تاريخها لا يمنعها من أن تحيي في نفسها تاريخها السالف لأنها خلاصة لكل تاريخها.. 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

تتلبّد في سماء البلاد سحب كثيفة توحي وكأننا مقبلون على شهر جانفي ساخن..
20:00 - 2018/12/17
.. وأنت ايتها الجمعية..
20:00 - 2018/12/17
لا أسمح لنفسي بإعادة ما كتبت عن « الموسوعة التونسيّة « في نسختها الورقيّة في علاقة بسيرتي الذاتية
20:00 - 2018/12/16
بات الأمر واضحا الآن. فقد اختار معسكرا الأزمة الماثلة المضي قُدما نحو المواجهة.
20:00 - 2018/12/16
يعيش الشارع في تونس هذه الأيام على وقع الغضب الذي يتصاعد يوما بعد يوم ....
20:00 - 2018/12/15
هكذا وصلنا المصحف العثماني بنظائره الأولى مرتّب السور حسب الطول مخالفا الترتيب الزمني للوحي حسب أ
20:00 - 2018/12/15
نحن على عتبة الفقر السياسي حيث تشرئبّ الأعناق لرؤية هلال الانتخابات «الديمقراطية الشفافة الحرة ال
20:00 - 2018/12/15