ملف الأسبوع.. التلازم بين الحق والواجب في الشريعة الإسلامية

ملف الأسبوع.. التلازم بين الحق والواجب في الشريعة الإسلامية

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/01/04

انطلقت السنة الجديدة بأمل عظيم في الخير والعطاء من خلالها يسعى الفرد الى تحقيق المصلحة الخاصة والعامة بعيدا عن دعوات التعطيل والتكلس والكسل وهو ما يطرح نظرة الاسلام الى التلازم بين الحقوق والواجبات ، فالواجبات تقابلها الحقوق، والحقوق تقابلها الواجبات. وشريعة السماء وقوانين الأرض كلها تلزم الإنسان بالواجب، وتجعل له الحق في الجزاء الأوفى. فالواجب أولاً، والحق ثانياً، والإنسان لا يطالب مسؤولاً بحق من حقوقه إلا إذا أدى ما عليه من واجبات، ومن ثمَّ نجد جميع الشرائع والتشريعات تطالب الإنسان بما يجب عليه من واجبات وتعده بأن ينال حقوقه كاملة غير منقوصة، فالقيام بالواجب هو الأساس لأخذ الحقوق. والقرآن الكريم حين يتحدث يربط بين الحق والواجب، ويجعل الواجب هو الأساس للفوز بالحقوق. يقول الله - عز وجل -: (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) محمد: 7، ويقول - عز وجل -: (إن الله لا يغيِّر ما بقوم حتى يغيِّروا ما بأنفسهم) الرعد: 11، ويقول - وحين يرفع الإنسان يديه بالدعاء إلى الله امتثالاً لقوله - تعالى -: (ادعوني أستجب لكم)، يجب عليه لينال إجابة الدعاء أن يكون مطيعاً لله مؤمناً به حق الإيمان مستجيباً لأوامره، تاركاً لنواهيه. فالله يلزم المسلم بالواجب أولاً، ويؤيده بنصره ونعمته وتمكينه وبسعادة الدارين عندئذ وبعدما يؤدي ما عليه لمولاه من واجبات. والحديث الشريف جامع لهذا المعنى في قوله - صلى الله عليه وسلم -: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته الرجل راع في بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في مال الزوج ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، والإمام راع ومسؤول عن رعيته، ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) .
والواجبات على الإنسان في الإسلام كثيرة، فعليه واجبات نحو نفسه ونحو أسرته، ونحو وطنه، ونحو الإنسانية كلها، وقبل كل شيء عليه واجبات نحو ربه ودينه، وتلك كلها واجبات مفصَّلة في الشريعة الإسلامية . والإسلام لم يدع صغيرة ولا كبيرة من هذه الواجبات إلا وفصَّلها، وجعلها ملزمة للمسلم يحاسبه عليها ربه ودينه وضميره ، ويحاسبه عليها مجتمعه وقوانين المجتمع . وان انتظام حياة الإنسان في مجتمعه يقتضي أن يتمتع بالحقوق التي له، وأن يؤدي الواجبات التي عليه، وإذا ما حصل خلل في هذه المعادلة، فسيؤدي إلى الاضطراب في حياة الفرد والمجتمع. ففي الحياة العائلية - مثلاً - هناك حقوق متبادلة بين الزوجين يقول تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾  ، فإذا ما التزم كل منهما بأداء حقوق الآخر، عاشا في سعادة ووئام، أما إذا تخلف أحد الطرفين عن القيام بشيء من واجباته تجاه الآخر، فسينتج عن ذلك اضطراب العلاقة، وفقدان الانسجام، مما يلقي بظله على مجمل حياة الأسرة، وإنجاز مهماتها الاجتماعية. وعلى الصعيد السياسي: هناك حقوق متبادلة بين الراعي والرعية، بين الحاكم والمحكوم، ورعاية تلك الحقوق من قبل الطرفين، يوفر الأمن والاستقرار، ويفسح المجال لتقدم الوطن والأمة، بينما يؤدي جور الحاكم على حقوق الشعب، أو تجاوز المواطن لحق السلطة، إلى الفتنة والفوضى والفساد. وهكذا الأمر في كل مجال من مجالات الحياة الاجتماعية، والعلاقات الإنسانية، فليست هناك علاقة بين طرفين يختص أحدهما بالحقوق، ويحرم منها الآخر. وإذا كان على الإنسان من الواجبات تجاه الآخرين، بمقدار ماله من الحقوق، فنقطة البداية لبناء علاقة صحيحة ناجحة مع الآخر، يجب أن تنطلق منه بالمبادرة لأداء الحقوق المتوجبة عليه، مما يلزم الآخر ويشجعه على التعامل بالمثل، وحينئذٍ تنتظم العلاقة وتستقيم. ومعنى ذلك أن يفكر الإنسان بالواجبات التي عليه، قبل أن يفكر في الحقوق التي له، وأن ينجز ما عليه، قبل أن يطالب بما له. لكن مشكلة الأكثرين أنهم يتجاهلون ويتناسون ما عليهم من واجبات، ثم يتجهون ويطالبون بما لهم من حقوق. فالحق أوسع الأشياء في التواصف وأضيقها في التناصف فكل أحد يجيد التحدث عن الحق، ووصفه وتبيينه اذا كان الى جانبه، فهو أوسع الأشياء في مقام الوصف والتبيين، أما في مقام الالتزام بأداء الحق للآخرين وإنصافهم، فالجميع يضيقون به ذرعاً.

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

حرص الإسلام على إقامة مجتمع إسلامي متماسك مترابط ومتحابب، فوضع بعض القيم في السلوك الاجتماعي لتحق
20:00 - 2019/01/18
التعاون قيمة إسلامية عظيمة وواجب ديني أمر به الإسلام وضرورة اجتماعية تتطلبها مقتضيات المجتمع وحاج
20:00 - 2019/01/18
التّضامن في مفهومه العام يعني التّكاتف والتّعاون ليكون النّاس مع بعضهم البعض يدا واحدة من أجل تحق
20:00 - 2019/01/18
جاءت حركة المعتزلة مؤسسة على اساس آخر، جاءت مؤسسة على اساس نظري جدلي غير متصل بالعصبيات والمقالات
20:00 - 2019/01/18
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { من حمل علينا السلاح فليس منا وم
20:00 - 2019/01/18
أسئلة متنوعة من قراء جريدة الشروق الأوفياء تهتم بكل مجالات الشريعة الإسلامية السمحة فالرجاء مراسل
20:00 - 2019/01/18
كثيرا ما نسمع في مجتمعنا اليوم حكايات غريبة عن طرق التعامل مع الطفلولة واساليب التربية التي تؤثر
20:00 - 2019/01/11
تعتبر مرحلة الطفولة من أهم مراحل حياة الإنسان ففيها تتحدد شخصية الفرد وتتميز كينونته عن الآخرين ق
20:00 - 2019/01/11