ملف الاسبوع .. موقف الإسلام من عقود التأمين

ملف الاسبوع .. موقف الإسلام من عقود التأمين

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2018/12/07

أثارت مناقشة ميزانية الدولة عددا من المسائل الجدلية التي تحتاج اعطاء الموقف الشرعي في شأنها حتى لا تنصرف الاذهان الى قضايا خلافية يقدم البعض حولها رأيه على اساس انها الموقف الشرعي الوحيد وقد خاض البعض في عقود التأمين ومدى سلامتها من الناحية الشرعية. لذلك ارتأينا ان نفتح ملف هذا الاسبوع حول هذا الموضوع الهام.
التأمين وسيلة للوصول إلى غاية وهي تحقيق الأمن، ويرتكز على ادخار جزء من المال لمواجهة الحوادث والحاجات المستقبلية، سواء تم ذلك على المستوى الشخص الفردي أو تم على المستوى الجماعي، وقد ذهب عدد من العلماء الى انه وفق هذا التصور يمكن أن نؤصل للتأمين إسلامياً على انه نعمة إلهية تظهر في أن الله سبحانه وتعالى امتن بالأمن على عباده ومن المعروف أنه لا يمتن إلا بالنعم، ويستدل على ذلك بقوله تعالى: « فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَءَامَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ» . كما كان الأمن أحد مطلبين في دعاء سيدنا إبراهيم لأهله ولمكة في قوله تعالى: «وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا ءَامِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ « والدعاء لله يكون بطلب الخير والنعم.
اضافة الى كونه حاجة إنسانية، فإن علماء الاقتصاد بناء على الدراسات الإنسانية توصلوا إلى أن الهدف من الاقتصاد هو إشباع الحاجات الإنسانية بالموارد المتاحة، وأنهم قسموا هذه الحاجات إلى نوعين هما: النوع الأول: الحاجات الفسيولوجية (الجسمية) والتي يأتي الطعام على قمتها ثم الشراب والمسكن والملبس، والنوع الثاني: الحاجات السيكولوجية (النفسية) ويأتي على قمتها الحاجة إلى الأمن ثم الانتماء والتقدير، وبدون إشباع هذه الحاجات بنوعيها لا يمكن للإنسان أن يعيش، وهذا ما سبق به القرآن الكريم الذي ذكر في أكثر من موضوع هذه الحاجات .قال تعالى : « وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ» .
وإذا كان الأمن بهذه الأهمية في الإسلام فإن طلبه مشروع، وهذا الطلب يكون عن طريق التأمين، وهو في المجال الاقتصادي والمالي يتم بادخار جزء من المال في حالة السعة لمواجهة حالات الحاجة والعوز التي يمكن أن تقع بانقطاع مصدر الدخل أو لمواجهة زيادة المتطلبات الاقتصادية أو لاستبدال مال هلك، وهذا ما يؤكد عليه الإسلام في مصادره الأصلية فكل الآيات القرآنية العديدة التي تناولت إنفاق المال طالبت بإنفاق بعض المال وليس كله مما يعنى ضرورة ادخار جزء منه كما في قوله تعالى: « وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ» ومن للتبعيض أي المطلوب إنفاق بعض الرزق أو الدخل وادخار الباقي لمواجهة الحاجات المستقبلية، وهذا ما تؤكده الأحاديث النبوية الشريفة صراحة مثل الحديث الجامع لأركان الاقتصاد الثلاثة (الكسب – الإنفاق – الادخار)، والذى رواه ابن النجار عن عائشة رضي الله عنها في قول الرسول «رحم الله امرءاً اكتسب طيباً وأنفق قصداً وقدم فضلاً ليوم فقره وحاجته». والفضل ما فاض من الدخل أو الكسب بعد الإنفاق. وأيضاً حديث رسول الله الذى قال فيه لسعد ابن أبى وقاص حينما أراد أن يتصدق بماله فقال له الرسول «إنك إن تدع وارثك غنياً خيرٌ من أن تدعه فقيراً يتكفف الناس». فهذا توجيه للاحتياط مالياً بالادخار للمستقبل وعدم إنفاق كل المال وهو بالضبط مغزى التأمين.
كما قال الله تعالى : « وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى» والبر هو كل ما فيه خير، وخير الناس أنفعهم للناس، ومن أبواب النفع مدّ يد العون لمن أصابه ضرر في نفسه أو ماله خاصة وأنه قد تطرأ على الإنسان حاجة في مستقبل الأيام لا تكفى مدخراته الشخصية عن مواجهتها وهنا يأتي التعاون بين الناس بتجميع مدخراتهم معاً وتعويض من يتعرض منهم لخطر يصيبه في ماله من هذه المدخرات. وهكذا نجد أن فكرة التأمين لتحقيق الأمن وكونها تتم جماعياً تتفق مع أصول الإسلام وأحكامه وتوجيهاته وهذا ما لا يخالف فيه أحد. وقد انتهى الموقف الفقهي لدى الفقهاء المعاصرين الى الاتفاق على جواز أنواع التأمينات المختلفة الثلاثة (تأمينات الحياة أو الأشخاص – تأمينات الممتلكات أو الأشياء - تأمينات المسؤولية) لأنها جميعاً تقوم على تعويض مالي لخطر متوقع يصيب الإنسان في ماله بانقطاع دخله في حالة التوقف عن العمل للعجز أو الوفاة وانقطاع دخل من كان يعولهم به أو للإنفاق على علاجه في حالة المرض وذلك بالنسبة لتأمينات الحياة، أو لتعويضه عن ماله الذي فقد بحريق أو سرقة في التأمين على الممتلكات، أو لمساعدته في دفع ما هو مسؤول عنه من ضرر يصيب الغير في حالة التأمين على المسؤولية. كما أجازوا التأمين التكافلي سواء البسيط في صورة اتفاق مجموعة على دفع حصص لتعويض من يصيبه ضرر منهم في ماله أو دخله، أو على دفع اشتراكات دورية يعهد بإدارتها إلى صناديق تكافل.

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

إن الشريعة الإسلامية باعتبارها شريعة عامة وشاملة، تقوم على أساس جلب المصالح ودرء المفاسد والحرص ع
20:15 - 2019/03/15
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حسن إسلام المرء: تركُه ما لا
20:15 - 2019/03/15
خلق الله عز وجل الإنسان وفضله على كثير من مخلوقاته بالعقل وزيّنه بالفهم: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَن
20:00 - 2019/03/15
أسئلة متنوعة من قراء جريدة الشروق الأوفياء تهتم بكل مجالات الشريعة الإسلامية السمحة فالرجاء مراسل
20:00 - 2019/03/15
 كثر الحديث خلال الايام الماضية عن المخدرات وانتشارها في البلاد وبلوغ شرها حدا غير مسبوق وصل الى
20:00 - 2019/03/15
ان الانسان لو ترك العوامل كلها ، واقتصر على ان يحيط علمه من هذا العالم فقط بعجائب المعادن ، وان ي
20:15 - 2019/03/08
كثرت الفتاوى الدينية في الفضاءات العامة والخاصة بما اشكل على المسلمين معرفة الصحيح من غيره وهو ما
20:00 - 2019/03/08
اختار الله سبحانه وتعالى الإسلام ليكون آخِر أديانه السماوية وهو دين الناس إلى يوم القيامة قال عزو
20:00 - 2019/03/08