ملف الاسبوع ..موقف الشرع من الاحتفال بالمولد النبوي الشريف

ملف الاسبوع ..موقف الشرع من الاحتفال بالمولد النبوي الشريف

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2018/11/16

المولد النبوي الشريف إطلالة للرحمة الإلهية بالنسبة للتاريخ البشرى جميعه؛ فلقد عبر القرآن الكريم عن وجود النبي صلى الله عليه وسلم بأنه رحمة للعالمين، وهذه الرحمة لم تكن محدودة؛ فهي تشمل تربية البشر وتزكيتهم وتعليمهم وهدايتهم نحو الصراط المستقيم وتقدمهم على صعيد حياتهم المادية والمعنوية، كما أنها لا تقتصر على أهل ذلك الزمان؛ بل تمتد على امتداد التاريخ بأسره ﴿وآخرين منهم لما يلحقوا بهم﴾.
والاحتفال بذكرى مولد سيد الكونين وخاتم الأنبياء والمرسلين نبي الرحمة وغوث الأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من أفضل الأعمال وأعظم القربات؛ لأنها تعبير عن الفرح والحب للنبي صلى الله عليه وسلم ومحبة النبي أصل من أصول الإيمان. وصح عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين»، وقال ابن رجب: محبة النبي من أصول الإيمان، وهى مقارنة لمحبة الله عز وجل، وقد قرنها الله بها، وتوعد من قدم عليهما محبة شيء من الأمور المحببة من الأقارب والأموال والأوطان وغير ذلك، فقال تعالى: ﴿قل أن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره﴾.
ولما قال عمر للنبي: يا رسول الله، لأنت أحب إلى من كل شيء إلا من نفسي، قال النبي: «لا والذي نفسي بيده؛ حتى أكون أحب إليك من نفسك»، فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلى من نفسي، فقال النبي: «الآن يا عمر» رواه البخاري.
والاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم هو الاحتفاء به، والاحتفاء به أمر مقطوع بمشروعيته؛ لأنه أصل الأصول ودعامتها الأولى، فقد علم الله سبحانه وتعالى قدر نبيه، فعرف الوجود بأسره باسمه وبمبعثه وبمقامه وبمكانته، فالكون كله في سرور دائم وفرح مطلق بنور الله ونعمته على العالمين وحجته. وقد درج المسلمون منذ القرن الرابع والخامس على الاحتفال بمولد الرسول الأعظم بإحياء ليلة المولد بشتى أنواع القربات من إطعام الطعام، وتلاوة القرآن، والأذكار، وإنشاد الأشعار والمدائح في رسول الله كما نص على ذلك غير واحد من المؤرخين مثل الحافظين ابن الجوزي وابن كثير، والحافظ ابن دحية الأندلسي، ، وخاتمة الحفاظ جلال الدين السيوطي . ونص جماهير العلماء على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، بل ألف في استحباب ذلك جماعة من العلماء والفقهاء، بينوا بالأدلة الصحيحة استحباب هذا العمل؛ بحيث لا يبقى لمن له عقل وفهم وفكر سليم إنكار ما سلكه الاولون من الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف. إذ المراد من الاحتفال بذكرى المولد النبوي هو تجمع الناس على الذكر، والإنشاد في مدحه والثناء عليه صلى الله عليه وسلم وإطعام الطعام صدقة لله، إعلانا لمحبة سيدنا رسول الله وإعلانا لفرحنا بيوم مجيئه الكريم . ويدخل في ذلك ما اعتاده الناس من مأكولات والتهادي بها ؛ فإن التهادي أمر مطلوب في ذاته، لم يقم دليل على المنع منه أو إباحته في وقت دون وقت، فإذا انضمت إلى ذلك المقاصد الصالحة الأخرى كإدخال السرور على أهل البيت وصلة الأرحام فإنه يصبح مستحبا مندوبا إليه، فإذا كان ذلك تعبيرا عن الفرح بمولد المصطفى صلى الله عليه وسلم كان أشد مشروعية وندبا واستحبابا؛ لأن للوسائل أحكام المقاصد، والقول بتحريمه أو المنع منه حينئذ ضرب من التنطع المذموم. ومما يلتبس على بعضهم دعوى خلو القرون الأولى الفاضلة من أمثال هذه الاحتفالات، ولو سلم هذا فإنه لا يكون مسوغا لمنعها؛ لأنه لا يشك عاقل في فرحهم رضى الله تعالى عنهم به صلى الله عليه وسلم ولكن للفرح أساليب شتى في التعبير عنه وإظهاره، ولا حرج في الأساليب والمسالك؛ لأنها ليست عبادة في ذاتها، فالفرح به صلى الله عليه وسلم عبادة وأي عبادة، والتعبير عن هذا الفرح إنما هو وسيلة مباحة، لكل فيها وجهة هو موليها. وقد سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الشريفة جنس الشكر لله تعالى على ميلاده الشريف، فقد صح أنه كان يصوم يوم الإثنين ويقول: «ذلك يوم ولدت فيه» رواه مسلم . فهو شكر منه عليه الصلاة والسلام على منة الله تعالى عليه وعلى الأمة بذاته الشريفة، فالأولى بالأمة التسنن به صلى الله عليه وسلم بشكر الله تعالى على منته ومنحته بكل أنواع الشكر، ومنها الإطعام والمديح والاجتماع للذكر والصيام والقيام وغير ذلك.

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

مثلت زاوية السيدة منوبية البيت العائلي للوليَة الصالحة السيدة عائشة المنوبية بحي منّوبة، الذي ولد
20:00 - 2019/05/23
كان الرسول صلى الله عليه وسلم سيِّد المؤثرين وقائدهم، بل وصل الحال به صلى الله عليه وسلم أنَّه لم
20:00 - 2019/05/23
ولد علي الورداني بأكودة عام 1860 وتوفي عام 1917، درس في الصادقية وكان من أول خريجيها.
20:00 - 2019/05/23
سأل رجل الحسن البصري فقال: يا أبا سعيد: أمؤمن أنت؟
20:00 - 2019/05/23
عند باب الشرفيّين تبدو الزاوية القادريّة بصومعتها الأنيقة وحديقتها الجميلة علامة على التكامل في ا
20:00 - 2019/05/23
إذا اعتمدنا على ألقاب الحكّام الخراسانيين، نلاحظ أنّهم كانوا في نظر ابن عذاري تابعين للدّولة الحم
20:00 - 2019/05/23
نظراً لعدم الحاجة إلى تدبير الطعام معظم النهار في رمضان  ونظراً للتراخي الذي يبديه البعض عن أداء
20:00 - 2019/05/23
يواصل الشيخ محمد المختار السلامي تفسيره لسورة البقرة في الآيتين 21 و22 فيقول: 
20:00 - 2019/05/23