منبر الجمعة .. الحسد يتعارض مع الايمان

منبر الجمعة .. الحسد يتعارض مع الايمان

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/08/02

الحسد داء عضال، ومرض خطير، وخصلة ذميمة، ابتلي بها كثير من الناس، إنها خصلة مؤذية لعباد الله، بل شرها مستطير، وأذاها مستديم. وهي صفة إبليس اللعين، وهو أول معاصي بني آدم في الأرض، وسبب أول قتل في الأرض، وهي خصلة اليهود المذمومة في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ [النساء: 54]، وقال سبحانه: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم ﴾ [البقرة: 109]، إنه رذيلةٌ من رذائل الأخلاق، وهو تمني الشر للآخرين، والحسد سبب لمشاكل اجتماعية لا تحصى، إنه فساد في القلب، وسبب العداوات والبغضاء.
وهو مرض قلبي خطير، يناقض الإيمان، لذا يقول ﷺ «لا يجتمع في جوف عبد الإيمان والحسد» [رواه النسائي:] وقد جاء النهي عنه في نصوص عديدة، يقول ﷺ «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا» رواه البخاري، ومسلم .
إن الحسد من كبائر الذنوب والكثير منا لا يلقي له بالاً، بل إنه مهلك للحسنات، يقول ﷺ «إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات، كما تأكل النار الحطب» رواه أبو داود  وابن ماجه. والحسد ناتج عن البغضاء، وسبب لها، وهو ينافي أصل الأخوة الإيمانية، وقد قال ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» متفق عليه.
وللحسد دواع عدة منها: بغض المحسود فلا يسر بالنعمة له، ومنها البخل بالنعم والتحسر لرؤيتها لغيره، وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَة رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [سورة الزخرف، آية: 32].
قال الحسن البصري ما خلا جسد من حسد، ولكن المؤمن يربيه الإيمان، ويدفعه بالتقوى. وهذا علاج الحسد خوف الله تعالى، والاعتقاد بأن الحسد من الكبائر الموبقات، ومن أقبح السيئات، وأنه يغضب الرب سبحانه وتعالى، وأنه اعتراض على قضاء الله تعالى، ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [سورة النساء، آية: 54].
ومن علاج الحسد: مقابلته بالضد، وذلك بتمني الخير للمؤمنين والدعاء لهم والإحسان إليهم، ومساعدتهم، ودعاء الله سبحانه وتعالى بأن يجنبنا الحسد ودواعيه، وأن نعلم أن متاع الدنيا زائل، وأن العطاء الحقيقي هو ما في الآخرة وأن خير ما في الدنيا معرفة الله سبحانه وتعالى والتعلق به والتوكل عليه وهو متاح لكل راغب، قال تعالى: ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ [سورة الإسراء، آية: 21] وقال سبحانه ﴿قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى﴾ [سورة النساء، آية: 77]. ومن علاج الحسد: الرضى بقضاء الله وقدره والقناعة بما لديك وأن ما أعطاك الله خير لك، ومن علاج الحسد عدم التطلع إلى ما عند الآخرين من متاع الدنيا، فهو ليس بالضرورة خيراً لهم، يقول سبحانه وتعالى موجهاً نبيه ﷺ ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [سورة طـه، آية: 1312].
الخطبة الثانية
إن الله أمر بالمحبة والإخاء، وحرم الشحناء والبغضاء، يقول ﷺ «تعرض الأعمال كل اثنين وخميس، فيغفر الله عز وجل في ذلك لكل امرئ لا يشرك به شيئاً إلا امرئ كان بينه وبين أخيه شحناء يقول: اتركوا هذين حتى يصطلحا» [رواه مسلم:] بل والأدهى من ذلك أنه أحد موانع قبول الصلاة، يقول ﷺ «ثلاثة لا ترفع صلاتهم فوق رؤوسهم، رجل أم قوما وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وأخوان متضارمان» [رواه ابن ماجه: 1] أي متشاحنان. ومن علاج الحسد: أن يعلم الحاسد أن الحسد ليس فقط جالب لسخط الرب سبحانه وتعالى، ومهلك للحسنات، ومانع من المغفرات، بل إنه مع ذلك لا فائدة له في الدنيا، بل هو مضر بالقلوب، جالب للقلق والهموم، نار تشتعل في قلوب الحاسدين .
ومن أسباب الحسد: عدم تربية الأولاد على الخير ومحبتهم للآخرين، وتمني الخير لهم. ومن دواعي الحسد: عدم المساواة بين الأبناء، فالواجب ألا يقدم أحد على الآخر حتى لو كان باراً بوالديه، فإن ذلك من أسباب العداوة والبغضاء بينهم. يقول النعمان بن بشير رضي الله عنهما: ذهب بي أبي إلى رسول الله ﷺ، وقد ميَّزَني بشيء من القسمة، ليشهد على قسمته، فقال ﷺ: «أفعلت هذا بكل ولدك؟ قال: لا يا رسول الله، قال ﷺ: «فلا تشهدني إذاً، إني لا أشهد على جور» رواه البخاري  ومسلم.
ومن الوقاية من الحسد: كثرة ذكر الله تعالى، وعلى المؤمن إذا أعجبه شيء أن يدعو له بالبركة، كما ثبت في السنة الصحيحة (اللهم بارك عليه) وقول النبي ﷺ لمن حسد أخاه: «ألا باركت عليه» (فتح الباري:) أي: دعوت له بالبركة.
 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

الإيمان بالقدر يشمل أربعة أمور دلَّ عليها كتاب الله عز وجل، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وذكرها
20:45 - 2019/08/16
الكلمةُ الطيبةُ جوازُ سفر إلى القلوب، يهَشُّ لها السمع، وتُسر بها النفسُ، وينشرح لها القلب، فتُبق
20:45 - 2019/08/16
أسئلة متنوعة من قراء جريدة الشروق الأوفياء تهتم بكل مجالات الشريعة الإسلامية السمحة فالرجاء مراسل
20:45 - 2019/08/16
قال الله تَعَالَى:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} الاعراف [187]
20:45 - 2019/08/16
الظن السيئ، اتهام الآخرين، إذاً هو وهم واتهام، ورمي للآخرين بالسوء من غير دليل ولا برهان، فيظن في
20:45 - 2019/08/16
المحبة هي الميل إلى الشيء بشتى انواعه ومنه ما هو مشروع ومنه ما هو مذموم، ومنه الجبلي الفطري، والا
20:30 - 2019/08/09
أسئلة متنوعة من قراء جريدة الشروق الأوفياء تهتم بكل مجالات الشريعة الإسلامية السمحة فالرجاء مراسل
20:30 - 2019/08/09
 إن لكل أمةٍ عيدًا يشتملُ على عقيدتها، ويُوحِّدُ كلمتَها، ويربِطُ بين أمَّتها، ويظهر فيه سُرورُها
20:30 - 2019/08/09