منبر الجمعة ... خير العبادات أدومها

منبر الجمعة ... خير العبادات أدومها

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/10/04

نحن في هذه الحياة نسير إلى ربِّنا، فكل يوم يقرِّبنا من الآخرة، ويبعدنا من الدنيا، والطريق إلى الله مدةُ قطعه العمرُ كله، فما أحوَجَنا في سيرنا إلى ربنا أن نقطع مراحل الطريق في سير متواصل غير منقطع، من غير كلل ولا ملل! ولا يكون ذلك إلا إذا استحضرنا طول الطريق، ولم نستنفد الجهد كله في بعض مراحل الطريق، فاستبقَيْنا جهدنا لبقية الطريق، فالعمل الصالح محبوب إلى الله، وأَحبُّ العمل إلى الله أدومُه وإن قلَّ؛ فلذا كان عمل النبي دِيمَةً، فكان النبي إذا عمل عملاً أثبَتَه، وداوَمَ عليه، فالعمل وإن كان قليلاً دائمًا، خير من الكثير المنقطع، فلنعمل الأعمال الصالحة التي نرى أننا نستطيع أن نداوم عليها، من صلاة، وصيام، وذِكر، وتعلم، وتعليم، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، وبذل الخير للناس، وغير ذلك مما يحبه الله ويرضاه، فالعبادة ليست مخصوصة بوقت دون آخر، وإن كان في بعض الأوقات تستحب مضاعفة العمل؛ لشرف الزمان أو المكان، لكن الأصل أن العمر كله وقت لعبادة لله - عز وجل -: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ [الحجر: 99].
ولو تأملنا واقِعَنَا، لوجدنا بعضنا ينشط في العبادة فترة من الفترات، قد شمر عن ساعد الجد، يُشار إليه بالبنان في الخير، ثم ما يلبث أن يخبو؛ بل ربما فرط في الواجبات، وظهرتْ عليه آثارُ المعاصي.فكم من شمس كانت ساطعة في باب الدعوة إلى الله، والنصح للأمة، ثم ما لبثت أن انكسفت فذهب ضوؤها، كم من شمس كان لها أثر في تربية الشباب وتوجيههم، وردِّ الضالِّ منهم، ثم ذهب ضوؤها، وأظلمت سماؤها، وكم من شمس سطعت في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم آل الأمر بها إلى أن احتاجت هي مَن يحتسب عليها، ويأمرها بالمعروف، وينهاها عن المنكر، وكم من شمس سطعت في باب التعبُّد والتنسك، ثم آل بها الأمر أن قصرت في الواجبات، وكم من شمس سطعت في باب طلب العلم، وأكبت على الكتب بحثًا وحفظًا، ثم تركت الكتب والدروس، واستبدلتْ بها الذي هو أدنى. ولو تأملنا حال أصحاب النبي الذين تربَّوا على يديه، لوجدناهم في ثبات، حتى في أحلك الظروف، حينما يتعرضون للمصائب، ويتسلط الأعداء عليهم، وحينما فُتحت لهم الدنيا، وأينعت ثمارُها، حينما أصبحوا قادة، وتقلَّدوا الولايات، لم يُعرَف عنهم التلوُّنُ والتقلُّب، فهم كما وصفهم ربهم - عز وجل – بقوله: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾ [الأحزاب: 23]، إنما التلون، وعدم الثبات، في طائفتين: طائفة ممن دخلوا في دين الله أفواجًا، راغبين أو راهبين، فلم يتربَّوُا التربية المحمدية، وطائفة تُظهِر الإسلام، وتُبطِن الكفر، فعن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطيبًا بموعظة، فقال: (إنه سيجاء برجال من أمَّتي، فيُؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا ربِّ، أصحابي! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [المائدة: 117، 118]، قال: فيقال لي: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتَهم)؛ رواه البخاري، ومسلم.
إن من لزم ما جاء به النبيُّ، وما سار عليه أصحابه، لا يمكن أن يتلوَّن، أو أن يتبدل، فالطريق واحد،، وما عداه فرق هالكة، متوعَّدة بالنار، فلا عزَّ للمسلمين، ولا نجاة لهم - أفرادًا وجماعات - إلا بسلوك طريق النبي وطريق أصحابه.
الخطبة الثانية
فالثبات على الخير الذي اعتاده الشخص من الطاعات وأعمال البر - له أسباب، والثبات على المنهج الحق، وعدم التلون - له أسباب، فمِن أهم أسباب الثبات الالتجاء إلى الله بالدعاء، والخوف أن يُسلب الشخصُ هذا الخيرَ الذي أنعم الله به عليه، فيحور بعد الكور، فسادةُ العبادِ والمصلحين الأنبياء، كانوا يخافون من التحول من الخير والاستقامة إلى ضدهما، فخليل الرحمن إمام الموحدين يخاف الشرك، ويدعو ربه أن يجنبه إياه: ﴿ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ ﴾ [إبراهيم: 35]. وخليله الآخر سيدُ ولدِ آدمَ، محمدٌ عليه الصلاة والسلام، يخاف من التحول من الخير إلى ضد ذلك، ويسأل ربَّه الثباتَ حتى الممات، فعن أنس قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُكثر أن يقول: (يا مقلِّبَ القلوب، ثبِّت قلبي على دينك)، فقلت: «يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟»، قال: (نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله، يقلِّبها كيف يشاء)؛ رواه الترمذي.
ومن أسباب الثبات إخلاص العمل لله، والتجرد من حظوظ النفس، فيكون العمل كله لله، لا تتشوف النفس فيه لرفعة وثناء، أو تحصيل منفعة دنيوية، أما إذا كانت النفس تتطلع لأمر آخر، فربما طال عليها الأمد في تحصيله، ففترتْ وتركت العملَ، أو غيَّرت الطريق؛ رجاء تحصيله في وسيلة أخرى، وإذا حصلت على ما تريد، فترت عن العمل.
ومن أسباب الثبات أيضا معرفة إلى أي نوع من أنواع الخير تميل النفس، ثم تُحمل عليه، فهذا مظِنة الاستمرار والثبات، فخَلَق الله عبادَه متفاوتين في قدراتهم وميولهم، فمن حمل نفسه على ما لا تميل إليه، ربما انقطع عن العمل بعد حين، وعدم تحميل النفس ما لا تطيق الاستمرار عليه من العمل، سواء كان في باب التعبد المحض، أو إنكار المنكر، أو الدعوة، أو غير ذلك.
 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

العمل هو كلُّ نشاطٍ جسمي أو عقلي يقوم به الإنسان بهدف الإنتاج في مؤسَّسة حكوميَّة كانت أو خاصَّة،
21:00 - 2019/10/18
إنَّ الغَيثَ رَحمة مِنَ اللهِ لا يَقدِرُ علَى إنزالِها إلا اللهُ، وإنما يَرحَمُ اللهُ مِن عِبادِه
21:00 - 2019/10/18
أسئلة متنوعة من قراء جريدة الشروق الأوفياء تهتم بكل مجالات الشريعة الإسلامية السمحة فالرجاء مراسل
21:00 - 2019/10/18
عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أهل الجنة، الجنة، قال الله جل
21:00 - 2019/10/18
«رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّك
21:00 - 2019/10/18
قال سفيان الثوري: «إذا كثرت همومك فأكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا استبطأت الرزق فأكثر من
21:00 - 2019/10/18
قال - صلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللهمَّ أَنْتَ رَب
21:00 - 2019/10/18
انتهت الانتخابات بجميع أدوارها، وبعيدا عن نتائجها فقد شغلت الناس وشدت انتباههم طيلة أسابيع كثيرة
21:00 - 2019/10/18