نفحــــــــــــــــــــات .. الإسلام دين إيكولوجي

نفحــــــــــــــــــــات .. الإسلام دين إيكولوجي

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2018/06/14

حاولنا من خلال هذه الحلقات التي اصطحبناكم معها طوال شهر رمضان أن نبيّن أن هناك إسلاما آخر غير الإسلام الذي يفرضه علينا الفقهاء منذ قرون بعيدة، والذي وقع اختزاله في عدد معلوم من العبادات وفي مدوّنة سلوك يقطعها خطّ يتغيّر حسب الظروف والمصالح بين حلال وحرام.
الاسلام الحقيقي أكبر وأعمق وأرحب من ذلك. وهو الذي يجب أن نبحث عنه وفقا للمتطلبات التي وضعها هو نفسه ضمن آيات القرآن الكريم والمرتكزة حول الفكر والعمل والرّوح.
كلنا مطالبون بأن نفكّر ونعمل لإعادة الاسلام إلى جوهره الروحي الأصلي بالاعتماد على إحياء فريضة الاجتهاد التي يلخّصها الذكر الحكيم في هذه الآية : 
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾  (سورة محمد آية 24)
إن هذه الآية تفتح الأفق شاسعا حتى ننظر دائما إلى مستقبل الانسان على هذه الأرض التي استخلفه فيها وقبل هو هذه الأمانة رغم استغراب الملائكة: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً  قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ (البقرة).
لكن اللّه الذي يعلم ما لا تعلمه الملائكة علّم الإنسان الأسماء ـ أي أعطاه مفاتيح العلم ـ فتفوق بذلك على كل المخلوقات.
لقد أرسل اللّه النبي محمدا (صلعم) مثلا للإكتمال الأخلاقي وجعله أسوة للمؤمنين: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ (سورة الأحزاب آية 21) وجعل جوهر رسالته أن يكون رحمة للعالمين. أي كل المخلوقات من حقّها أن تنال هذه الرحمة التي يجسدها الرسول الكريم: الانسان طبعا، وكذلك الحيوان والنبات والجماد أي كل ما يضمّ هذا العالم باعتباره البيئة الحاضنة لكل المخلوقات.
لم يعتن دين بالبيئة مثل اعتناء الاسلام بها. فلقد كان ديننا سبّاقا إلى تثبيت مسؤولية الانسان على المحافظة على البيئة في بعديْها الطبيعي والحضاري، من حيث مجموعة عناصر وموارد ومعطيات حيّة أو غير حيّة، ومن حيث هي كذلك مكتسبات حققها الانسان لتحسين معاش المجموعة من طرقات ومزارع وسدود.
ولقد تعددت الآيات الحاثّة على حماية البيئة والحفاظ عليها، وعلى إدارة موارد الأرض وثرواتها إدارة رشيدة: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ (الأعراف آية 56).
لقد وهبَ اللّه الأرض للإنسان بعد أن استخلفه عليها وجعلها أمانة في عنقه ليحميها ويحافظ عليها لأنه ليس له بديلا عنها، فالسماوات سبع ولكن الأرض واحدة كما جاء ذكر ذلك في أكثر من موضع في القرآن الكريم: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾(الملك 15).
واهتمت السنّة النبوية بالمسألة البيئية وبوأتها مكانة رئيسية حيث تعدّدت الأحاديث النبوية الداعيّة إلى احترام البيئة والحفاظ عليها ورعايتها. ولعلّ من تلك الأحاديث حديث يتميّز بحداثته الكبيرة ويستحق أن يكون نبراسا لأجيالنا الصاعدة. فقد روى البخاري عن أنس بن مالك أن النبي (صلعم) قال: «مَا مِن مُسلم يَغرِسُ غَرْسًا أو يَزرَعُ زَرْعًا فيأكُلُ مِنه طَيرٌ أو إنسَانٌ أو بهيْمَةٌ إلا كان لهُ بهِ صَدقَةٌٌ».
والمتأمل في السيرة النبوية يدرك اهتمام الرسول بالبيئة في ما تحمله من قيمة مستقبلية فلقد عمل الرسول منذ قدومه إلى يثرب على تحسين مستوى عيش المتساكنين ووضع الأسس لتربية بيئة سليمة فحث على النظافة ومنع التبوّل في الطريق وعلى الشجر. وأكد على الاقتصاد في الماء ودعا إلى إبراز مظاهر الجمال وقال (صلعم) في حديث رواه مسلم عن عبد اللّه بن مسعود:  ﴿إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ﴾.
ويمكن القول إن الرسول (صلعم) طرح ما يسميه اليوم المختصّون بـ«البيئة المعيشية» (Le cadre de vie) مع مراعاة ضرورة الاصلاح المستديم حتى في الأوضاع القصوى.
ففي حديث رواه الشيخان في صحيحهما أن النبي (صلعم) قال: «إذا قامت الساعةُ وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها». والفسيلة هي نبتة الشجرة.
إن مسألة البيئة مسألة رئيسية في الإسلام تتصل بخلق الإنسان الذي نفخ اللّه فيه من روحه وجعله خليفة في الأرض. ورغم ما أبدته الملائكة من تشكيك في أهلية الإنسان القيام بمسؤوليته كخليفة للّه في الأرض إلا أن اللّه عز وجل قبل أن يتحمل الإنسان هذه الأمانة ويرث الأرض ويتبوأ منها حيث يشاء. ولا نحتاج إلى القول إن الإنسان يقف اليوم على حدّ دقيق بين إفساد الأرض وإصلاحها. إنها أزمة إنسانية إيكولوجية تنبّأ بها الإسلام ونبّه إليها.
 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

تطرّقت المحكمة العسكرية بتونس يوم 27 أفريل 1921 إلى قضية مساجين معركتي الزلوزة والمغذية وقد ا ستم
20:00 - 2018/06/14
السيدة الصالحة عبيدي اطال الله في عمرها تحتفظ الى يومنا هذا باجواء رمضان زمان التي كانت مطبوعة با
20:00 - 2018/06/14
قيام اللّيل  هو قضاء اللّيل، أو جزءا منه ولو ساعة، في الصلاة وتلاوة القرآن وذكر الله، ونحو ذلك من
20:00 - 2018/06/14
دين الإسلام دين الفطرة الصحيحة، دين يدعو إلى وحدة الصف، لأن أتباعه المؤمنين يُعَدّون أمة واحدة، إ
20:00 - 2018/06/14
على امتداد  شهر رمضان الكريم تنشر جريدة الشروق معارضات في المدائح النبوية، التي كانت على منوال با
20:00 - 2018/06/14
أيها الحبيب الراحل، نحن موقنون بذهابك عنا بأمارة مجيئك إلينا، ولكنَّ ذكرى رحيلك تستدرُّ عيوننا، و
20:00 - 2018/06/14