نقص فادح في الانتاج وارتفاع صاروخي في اسعار المنتجات .. الفلاحة... «الفريضة الغائبة» عن الاقتصاد التونسي

نقص فادح في الانتاج وارتفاع صاروخي في اسعار المنتجات .. الفلاحة... «الفريضة الغائبة» عن الاقتصاد التونسي

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/01/10

«مطمورة روما»... «تونس الخضراء» كلها صفات تؤكد أن تونس بلاد فلاحية بامتياز، وهي حقيقة أكدها التاريخ، كما تؤكدها الجغرافيا... إلا أن واقع الأمر والأرقام تؤكد أن كل ذلك إما ماض غابر عفا عنه الزمن، أو طموحات لم تجد الأرضية الخصبة لتترعرع واقعيا.

 في «مطمورة روما» شح الحليب وافتقد المواطن للبيض... وفي تونس الخضراء صارت اسعار المنتجات الفلاحية من خضر وغلال تمارس رياضة القفز العالي وسياسة التمرد على جيب المواطن ولعل ابلغ دليل على ذلك ما يتندر به التونسيون من انه سابقا كان المفلس يطبخ «عجة» بماتيسر من البيض ومن بعض الخضر اما حاليا فان من ارادان يفلس عليه طبخ تلك «العجة» لان بيض الدجاج صار «يناطح» بيض السمك.
عديد الدراسات  أشارت إلى عمق الأزمة الفلاحيّة في تونس، بدءا بتراجع المساحات المخصّصة لزراعة الحبوب ـ وهي النشاط الفلاحي الأهمّ والأكبر في تونس ـ من مليون و643 ألف هكتار سنة 2004 إلى مليون و100 ألف هكتار في سنة 2017، كما تراجعت مساهمة القطاع الفلاحي في الناتج المحليّ الإجمالي من 17% في تسعينيات القرن الماضي
 إلى 12 % فقط و11% من مجموع صادرات البلاد وفق احصائيات لاسمية صادرة عن سلطة الاشراف متمثلة في وزارة الفلاحة  كما انخفض عدد العاملين في القطاع من 45 % إلى 16 %  .
 الاكتفاء الذاتي... حلم صعب المنال
أمام تراجع الفلاحة بمثل تلك الصورة عجزت تونس عن تحقيق اكتفائها الذاتيّ في العديد من المواد الغذائيّة حتى الضرورية منها، مثل الحبوب التي لا تتوفّر إلا بنسبة 50% من الاحتياجات المحلية، وتصل واردات البلاد من المواد الغذائيّة 1,2 مليار دولار سنوياً، وهو ما ساهم في استفحال الميزان التجاري، ولا شيء في الأفق يوحي بإمكانية تجاوز ذلك العجز لأن التفكير في توفير الحلول يكاد يكون منعدما في ظل عزوف الشبان عن العمل في الفلاحة وتراجع المساحات الزراعية والصعوبات التي يعاني منها الفلاحون واستفحال مديونيتهم ومعاناتهم عند الصابة  وهو ما يجعل أمن تونس الغذائي محل خطر داهم.
مشاكل متراكمة
من الصعب جدا إيجاد التوصيف المناسب للفلاحة التونسية هل هي سقوية أم بعلية؟ لأنه حتى السقوي منها يعاني من شح كبير في المياه... إذ تعاني العديد من مناطق الوسط والجنوب الشرقيّ من اضطرابات على مستوى التوزيع والإمداد، وهو ما أثّر سلبا على الإنتاج الفلاحيّ السقويّ في تلك المناطق، ودفع بالعديد من الفلاحين إلى اعتماد الآبار الارتوازيّة كبديل، وهو ما يسبّب استنزافاً للمائدة المائية، ويهدّد بأزمة عطش مزمنة، بل حتى المناطق التي تعتبر غنية بالماء في الشمال تحديدا تعاني من صعوبات في توفير المياه أمام غياب بنية تحتية ملائمة للتصرف في مياه السدود وإيصالها إلى الأراضي بأيسر الطرق وليس بوسائل تزيد من مصاعب الفلاح وتعمق مديونيته.
من مشاكل الفلاحة أيضا ما يسميه الخبراء بـ»الأميّة الفلاحيّة» إذ تبلغ نسبة الفلاحين غير المواكبين للتطورات التكنولوجية في القطاع 46٪، وهو ما يعني أن نسبة «عصرنة» الفلاحة التونسية ضعيفة مقارنة حتى ببلدان قريبة منا أو بلدان أوضاعها مشابهة لأوضاع بلادنا، وهو ما يحدّ من القدرة التنافسية لمنتجاتنا المعوّل عليها كثيرا في العملية التصديرية  ..
معضلة أخرى للفلاحة التونسية هي من الخطورة بمكان، وهي معضلة عزوف الشبان المتزايد عن ممارسة الأنشطة الفلاحيّة، إذ يمثل الفلاحون الذين تجاوزوا 60 عاما نسبة 43٪، وهي مشكلة تبيّن تأثيرها المباشر على القطاع الفلاحيّ الذي صار يشكو من نقص اليد العاملة على المستوى الكميّ والنوعيّ. والغريب أن الدولة والهياكل المعنية لم تتحرك لمعالجة هذه المعضلة رغم التنامي الكبير لعدد العاطلين عن العمل الذين يمكن استيعاب عدد كبير جدا منهم في القطاع الفلاحي بعد تلقيهم للتكوين اللازم والتمويل الضروري، فتضرب الدولة بذلك عصفورين بحجر واحد، فتنزل نسبة البطالة بصورة ملحوظة، وتضخ دماء جديدة في الفلاحة تطور من أنشطتها وتضاعف من مردوديتها.
المديونية من آفات الفلاحة في تونس، وسببت تراجعا حادا في مردوديّتها؛ لأن التكاليف في ارتفاع متواصل على مستوى اليد العاملة والأسمدة والتجهيزات الفلاحيّة والمحروقات التي ارتفعت أسعارها بشكل متسارع منذ سنة 2011، وهو ما قلّص من هامش الربح ودفع عديد الفلاحين إلى رمي المنديل والسعي إلى التخلص من أراضيهم وتغيير أنشطتهم.
أزمة عند الرخاء وأزمة عند الشدة
من مفارقات الفلاحة التونسية أن العاملين فيها يعانون عند الرخاء وعند الشدة أيضا، فإن انحبست الأمطار وقلّ الإنتاج، فإن سيف البنوك يهددهم، وعند الرخاء وتوفر “الصابة” فإن مشكل الترويج وبيع منتجاتهم يؤرقهم؛ لأن المجامع المختصة في استقبال المنتجات سواء الحبوب أو الألبان أو الطماطم أو غيرها، تعجز عن استقبال الكميات الوافرة أو تماطلهم وتقبل منهم المنتوج بأسعار لا تغطي في أحيان كثيرة تكلفة الإنتاج، وهو ما أجبر الفلاحين في أكثر من مناسبة وأكثر من جهة على التخلص من منتوجاتهم على قارعة الطريق في خطوات احتجاجية للفت النظر إلى معاناتهم، كما أن صغر حجم السوق المحليّة وتسلط الوسطاء وصعوبات مسالك التوزيع تحبط عزائم الفلاحين الذين يجدون صعوبات في التصدير أيضا؛ لغياب اللوجستيك المتمثل في النقل الجوي الضامن لسرعة وصول المنتجات إلى الخارج دون تلف.
تخلّف الصناعات الغذائية
تراجع الفلاحة وتواضع الإنتاج انعكس بالسلب على قطاع مهمّ كان يمكن أن تكون له مردودية اقتصادية واجتماعية مهمة بتوفير عائدات للدولة من خلال التصدير، وللفلاحين بتسهيل ترويج منتجاتهم، وامتصاص نسبة محترمة من البطالة، فالصناعات التحويليّة الغذائيّة في تونس بقيت متخلفة رغم أنها تعتبر اليوم ذات أهميّة كبرى في دعم اقتصاديات الدول لما تحقّقه من تكامل مع القطاع الفلاحي لأنها من محفزات تطويره، كما تحقق بآفاقها التصديرية العالية التوازن للميزان التجاري وتساهم في تغطية الواردات وهو ما دفع الفلاحين امام صم الحكومة وباقي الاطراف المعنية بالمسالة الى تقليص المساحات المزروعة للطماطم او البرتقال وغيرها من المنتجات التي يبتز فيها اصحاب مصانع التحويل الفلاح عارضين عليه ابخس الاسعار للشراء منه فلا هو يتمكن من تغطية كلفة الانتاج ولا يجد ما به يعيش ويعول عائلته ليرفع شعار «حانوت مسكر ولا كرية مشومة» مكرها فيغير زراعاته او يترك اراضيه بورا ترتع فيها الاغنام بلا فائدة.
امام ما تعاينه الفلاحة من صعوبات وهي القطاع الركيزة في الامن الاستراتيجي للبلاد اضافة الى قيمته المضافة العالية من حيث امتصاص البطالة ودفع عجلة النمو فان أهم معركة اليوم هي معركة الأمن الغذائي والتي يتوجب فيها على الحكومة تتطلب الإصغاء للفلاحين والمنتجين لوضع رؤية شاملة للفلاحة التونسية... اذا كانت بالفعل تفكر في الامن الغذائي للبلاد والضغط على الاشعار بما يقي البلاد شر الاحتجاجات ويهيئ تونس للاستقرار الذي ستغنم عائداته على كل المستويات.
 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

أصبح زيت الزيتون التونسي المعلب يحتل المرتبة الأولى في حجم المبيعات في ك
14:38 - 2019/01/19
شهد الناتج البنكي الخام للبنك الوطني الفلاحي تطورا بنسبة 20.7٪ من 444 مليون دينار سنة 2017 الى 53
09:58 - 2019/01/19
أعلنت وزارة التجارة عن بدء موسم التخفيضات الشتوية لسنة 2019 انطلاقا من ي
18:24 - 2019/01/18
كشفت التونسية للأوراق المالية العاملة في مجال الوساطة في البورصة أنها تلقت موافقة مبدئية من البنك
20:00 - 2019/01/16
أعلنت شركة الايجار العربية لتونس العاملة في مجال خدمات الايجار انها تخطط لرفع راس مالها من 25 الى
20:00 - 2019/01/16
أعلنت بورصة تونس للأوراق المالية  ان الوسيط بالبورصة شركة بورصة تونس عرضت للبيع المباشر، خلال حصة
20:00 - 2019/01/16
أفاد خالد بن يحي مدير عام الوكالة التونسية للتكوين المهني خالد بن يحيى في تصريح لاكسبراس اف ام  ب
20:00 - 2019/01/16
أكد وزير السياحة روني الطرابلسي خلال افتتاحه أشغال الملتقى السنوي 47  لممثلي السياحة التونسية بال
20:00 - 2019/01/16