أي مستقبل لعدالة الإشهاد التونسية ؟

أي مستقبل لعدالة الإشهاد التونسية ؟

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/05/13

 مهنة  عدالة الإشهاد هي مهنة عريقة  ضاربة  في التاريخ، حيث عرفت هذه المهنة منذ الفتوحات الإسلامية وقام الفقهاء بوضع أسسها وإرساء قواعدها، وبقيت إجراءاتها متوارثة من جيل إلى جيل إلى حدود القرن التاسع عشر أين حاولت السلط  تنظيم المهنة وإدخال إصلاحات جوهرية عليها فتم إصدار الأمر العلي المؤرخ في 08ـ01ـ1875 الذي أعطى أسسا عصرية  لهذا السلك وادخل عليه تغييرات كبيرة.


وبقي الأمر كذلك إلى حين صدور الأمر المؤرخ في 01ـ07ـ1929 الصادر بنظام العدول المسلمين وما تلاه من نصوص.
وفي 24 جوان 1957 صدر الأمر المتعلق بإعادة تنظيم خطة العدالة وأحداث هيئة عدول منفذين وكتبة لهم محلفين , وقد مكن عدول التنفيذ من ممارسة خطة الإشهاد إلى جانب أعمالهم الأصلية المتعلقة بالتنفيذ.
 وفي سنة 1994 وقعت إعادة تنظيم  مهنة عدول الإشهاد وإرساء قواعدها على أسس عصرية متينة وذلك بصدور القانون عدد 64 لسنة 1994 المؤرخ في 23 ماي 1994 المتعلق بتنظيم مهنة عدول الإشهاد.


وتم إصدار القانون عدد 29 لسنة 1995 المؤرخ في 13 مارس 1995 المتعلق بتنظيم مهنة عدول التنفيذ وبذلك تم الفصل نهائيا بين خطتي الإشهاد والتنفيذ  ( 1 ).
وبعد الثورة  وما نتج عنها من تحول ديمقراطي , كان من الضروري التفكير بجدية في تطوير المنظومة القضائية ومراجعة القوانين المنظمة للمهن القانونية والقضائية بما في ذلك  مساعدي القضاء،  فصدر المرسوم عدد 79 لسنة 2011 مؤرخ في 20 أوت 2011 يتعلق بتنظيم مهنة المحاماة .
وصدر قانون أساسي عدد 34 لسنة 2016 مؤرخ في 28 افريل 2016 يتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء .


  كما صدر قانون أساسي عدد 9 لستة 2018 مؤرخ في 30 جانفي 2018 يتعلق بتنظيم مهنة العدول المنفذين  .
أما عدول الإشهاد  ورغم  مرور سنوات عديدة من المفاوضات فإنهم إلى حد الآن لم يتحصلوا على قانون جديد يواكب العصر ويرتقي إلى مستوى المعايير الدولية .
إن  الارتقاء بالمنظومة القضائية  يستوجب   تحقيق الاستقلالية التامة للقضاء وتوفير اعتمادات كافية للمحاكم وتحسين الوضعية المادية للقاضي ليعمل في ظروف طيبة باعتبار وان القضاء سلطة

مستقلة تضمن إقامة العدل وعلوية الدستور وسيادة القانون وحماية الحقوق والحريات ( 2 )  ويتطلب دعم المحاماة باعتبارها مهنة حرة مستقلة  تشارك في إقامة العدل والدفاع عن الحقوق والحريات ( 3 ) ويتطلب تفعيل دور سلك مساعدي القضاء من عدول تنفيذ وعدول إشهاد وغيرهم .
وباعتبار إن عدالة الإشهاد لم يقع تمكينها من قانون جديد إلى حد ألان  وإبقائها رهينة  قانون 1994 الذي تجاوزته الإحداث يجعلنا نطرح الإشكال التالي  : أي مستقبل لعدالة الإشهاد التونسية ؟
 هذا الموضوع يتطلب منا في نظرنا التذكير بوضعية عدالة الإشهاد قبل صدور قانون 1994 ثم التعرض للنقلة التي عرفها القطاع بفضل صدور قانون 1994 والتطرق فيما بعد لازمة عدالة

الإشهاد بسبب إفلاس قانون 1994 وعدم مواكبته  للتطورات التي عرفتها المنظومة القانونية ككل وعدم مواكبته للمكانة التي يحظى بها التوثيق في القانون المقارن بصفة خاصة .
1ـ عدالة الإشهاد ما قبل 1994 
قبل صدور القانون عدد 64 لسنة 1994 كان أغلبية العدول يمارسون هذه المهنة بدون أن يكون لهم شهادة جامعية في العلوم القانونية.
وأغلبهم مارسوا مهنة عدالة الإشهاد في سن متقدمة بعد  حصولهم على التقاعد من وظائفهم الأصلية .


وقد تمكنوا من ممارسة مهنة قانونية (تطلب معرفة قانونية ) باجتهادهم الخاص وبفضل تراكم التجارب.
وقد اتسم عمل العدول القدامى بالجدية  والنزاهة  والأمانة.
ولمدة عقود طويلة ارتسمت في أذهان الناس الصورة التقليدية والنمطية  لعدل الإشهاد، فهو عادة يلبس الجبة ويتموقع  في مكتب أشبه بالدكان ,و يحرر كتائبه  بصياغة وأسلوب يتوارثه جيل بعد جيل  ,و يقع إمضاء الكتائب بما يسمي بالخنفوسة .


وبعد تخرج أجيال متعاقبة من كليات الحقوق أصبح من المحتم  مواكبة العصر وخلق جيل جديد من عدول الإشهاد يمارس مهنته اعتمادا على شهادة علمية جامعية ومعرفة كافية بالعلوم القانونية.
2ـ عدالة الإشهاد ما بعد 1994 
حسب الفصل الأول من القانون عدد 64 لسنة 1994 مؤرخ في 23 ماي 1994 المتعلق بتنظيم مهنته عدول الإشهاد ( 4) فإن لعدل الإشهاد صفه المأمور العمومي وبوصفه  مأمورا عموميا فانه يكسي الأعمال التي يقوم بها في نطاق وظائفه صبغة رسمية  عملا بالفصل 442  من مجلة الالتزامات والعقود ولا يمكن الطعن في العقود التي يحررها  إلا  بدعوى  الزور.
ومن بين الشروط الواجب توفرها في المترشح لمناظرة الترسيم بجدول عدول الإشهاد  ( 5 ) أن يكون متحصلا على الأستاذية في العلوم القانونية من إحدى كليات الحقوق أو شهادة أجنبية معادلة لها, وأن يقضي الناجح في المناظرة فترة تدريب ينظمها المعهد الأعلى للقضاء مدتها 6 أشهر.


ويكمن أن يرسم بدون شرط السن وبدون مناظرة بجدول عدول الإشهاد , القضاء- المحامون المترسمون بالجدول الأصلي – الأعوان العموميون  المحرزون على الأستاذية في العلوم القانونية الذين مارسوا لاحقا نشاطا قانونية أساسيا لمدة لا تقل عن عشرة أعوام.
بفضل قانون 1994 شهدت عدالة الإشهاد  نقلة حقيقية حيث أصبح عدل الإشهاد رجل قانون  بحق ومساعد للقضاء، له دراية  بالعلوم القانونية ويقدم استشارات قانونية سليمة ودقيقة لحرفائه.
فبفضل هذا القانون وبعد تخرج العديد من الأفواج من المعهد الأعلى للقضاء , أصبح عدل الإشهاد  هو المستشار القانوني لحرفائه والخبير المتمكن من تحرير العقود بشتى أنواعها. ويحرر كتائبه بحرفية وبكل أمانة وحياد, فهو الضامن للأمن القانوني والعدالة التعاقدية.


 غير أننا  لاحظنا أن قلة من العدول مازالوا متمسكين بمكاتب شبيهة بدكاكين العدول القدامى ويستعملون نفس الخنفوسة في إمضاء كتابتهم  ,و يتعمدون ارتداء الجبة عند تحريرهم لعقود الزواج . 
والمفروض القطع نهائيا مع مخلفات الماضي وبناء شخصية جديدة لعدل الإشهاد والعمل على التغيير الكلي للصورة النمطية للعدول القدامى.
وحتى فيما يخص تحرير العقود والكتائب لاحظنا تشبث قلة من العدول بالصياغة القديمة واستعمال العبارات والالفاض العتيقة والمفروض أن يقع تحرير العقود والكتائب بصياغة عصرية حديثة.
3-عيوب ونقائص القانون المنظم  لمهنة  عدول الإشهاد 


(في القانون المقارن تتميز بميزتين اثنتين: LE NOTAIREالحجة الرسمية التي يحررها الموثق) 
  - القوة الثبوتية
- والقوة التنفيذية 
والحجة الرسمية التي يحررها عدل الإشهاد في تونس لا تتميز إلا  بالقوة الثبوتية.
وبذلك فهي تعتبر متخلفة عن الحجة الرسمية بالدول المتقدمة وحتى بأغلب الدول العربية ,كما ان الموثق في دول الاتحاد الأوربي، له  اختصاص مطلق في تحرير جميع العقود والكتائب عدى  ما استثناه القانون بنص صريح 
لقد جاء بالفصل 12 من القانون عدد 64 لسنة 1994 ما يلي:
 يتولي عدل الإشهاد :


- تحرير كل ما ترغب السلط أو الأشخاص في إثباته بحجة رسمية من اتفاقات وتصريحات .
- تحرير الفرائض باعتماد حجج  الوفيات.
كما يتولي المهام التي توكلها له قوانين خاصة.
يفهم هذا النص أن عدل الإشهاد  ليس له اختصاص حصري في تحرير العقود والكتائب وإنما يشاركه في عمله  العديد من المتدخلين وهم المحامون وأعوان إدارة الملكية العقارية والدولة والجماعات المحلية والمؤسسات البنكية والمالية وحتى الأفراد يمكنهم أن يبرموا بعض الكتائب بأنفسهم.
في دول الاتحاد الأوربي وحتى اغلب الدول العربية، للحجة الرسمية التي يحررها الموثق مكانة هامة, بينما في تونس نجد أن الكتب الرسمي قد تراجعت أهميته بسبب هيمنة الكتب الخطي رغم أن الضمانات التي يوفرها الكتب الرسمي مفقودة في الكتب الخطي.


ولا يعني هذا وجوب المطالبة بإلغاء الكتب الخطي فهذا يعتبر مطلبا غير واقعي , فتحرير العقود من طرف المحامين مثلا أصبح أمرا واقعا  ويعتبرونه مكسبا لهم لا يمكن المساس به.
وإنما من المفروض توسيع مجال تدخل عدل الإشهاد وومنحه اختصاصات واسعة في تحرير العقود .
4ـ عدالة الإشهاد في حاجة إلى قانون يرتقي إلى مستوى المعايير الدولية


منذ سنوات عديدة وعدول الإشهاد بتونس يطالبون بقانون جديد طبق المعايير الدولية .
ان يكون مطابقا للمعايير الدولية  فهذا يعني ان يقع أكساء الكتب الرسمي بالقوة التنفيذية  وتوفير الحماية اللازمة لعدل الإشهاد  وتوسيع مجال تدخل الحجة العادلة وخلق آليات عمل عصرية .
الآن  قانون 1994 رغم ما جاء به من مكاسب قد تجاوزته الأحداث ولم يعد يليق بعدالة الإشهاد بل أصبح عائقا أمام تطورها والنهوض بها.
عدالة الإشهاد في حاجة إلي قانون يعترف بالقوة التنفيذية للكتب الرسمي ويوفر اختصاصات  إضافية حصرية .
بدون قانون جديد وفق المعايير الدولية لا يمكن لعدالة الإشهاد التونسية أن تستمر ولا يمكن لها أن تعرف أي  نهضة  حقيقية.
أن توسيع اختصاصات عدل الإشهاد أصبحت  ضرورية لسببين علي الأقل :


- أولا :  أن توسيع الاختصاصات يعني تدخل الكتب الرسمي في العديد من المجالات، والنتيجة أن المجتمع بكامله سوف يستفيد من مزايا الكتب الرسمي الذي يوفر اكبر الضمانات للمتعاقدين . 
ويستفيد مما يتمتع به عدل الإشهاد  من أمانة ونزاهة وحياد  وحرفية عالية في تحرير العقود والكتائب .
- ثانيا:  بدون توسيع الاختصاصات لا يمكن للأفواج  الجديدة المتخرجة من المعهد الأعلى للقضاء  أن تجد المداخيل الكافية لتعيش في حد أدنى من الكرامة  ومجابهة مصاريف المكتب.
بل يوجد من بين العدول اليوم المباشرين لعملهم من يعاني من صعوبات اقتصادية كبيرة بسبب النقص الفادح في الاختصاصات.
أن عدالة الإشهاد تعيش مأزقا حقيقيا، فقانون 1994 الذي تقدم بالمهنة خطوة إلي الأمام أصبح عاجزا على تحقيق  طموحات  وأهداف عدالة الإشهاد وعاجزا على النهوض بالمهنة ومكبلا  للكتب الرسمي.


نحن على ثقة بأن السلطة مدركة  لأهمية الكتب الرسمي وبأنها لن  تتوانى  في العمل علي إصدار قانون جديد ومشرف، هذا القانون الجديد  والمشرف الذي ننتظره سوف لن  يكون  مجديا فقط بالنسبة لقطاع عدالة الإشهاد  وإنما سيكون في صالح  المنظومة  القضائية ككل  وللمجتمع التونسي بأسره .
1ـ دليل إجراءات عدل الإشهاد طبعة ثانية 1999
2ـ الفصل 102 من دستور الجمهورية التونسية 2014
3ـ الفصل 105 من دستور الجمهورية التونسية 2014
4ـ الأعمال التحضيرية مداولة مجلس النواب وموافقته بجلسته المنعقدة بتاريخ 17 ماي 1994
5ـ الفصل 6  وما يليه من القانون عدد 64 لسنة 1994

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

كلام خطير ذلك الذي نطق به المرشح منصف المرزوقي على هامش اختتامه حملته الانتخابية أمس في باجة.
20:00 - 2019/09/14
لم أجد أصدق وأدقّ من هذا النحت اللغوي تعبيرا عن حالتي مثل عديد التونسيّين قبل أيّام من الانتخابات
20:00 - 2019/09/14
توشك الحملة الإنتخابية الرئاسية على النهاية، وقرب موعد الاقتراع ليختار المواطنون من سيتولى منصب ر
20:30 - 2019/09/13
يلاحظ المتابع للحوارات مع المترشحين للانتخابات الرئاسية سواء بصفة فردية أو خلال المناظرات الجماعي
20:20 - 2019/09/13
من الصعب أن يُنصت الناس اليوم- ونحن على مشارف انتخابات رئاسيّة- للغة العقل إذ لميولاتهم الإنتخابي
20:20 - 2019/09/13
لم أجد أصدق وأدقّ من هذا النحت اللغوي تعبيرا عن حالتي مثل عديد التونسيّين قبل أيّام من الانتخابات
20:20 - 2019/09/13
أي نعم واللّه خوفا من اعتماد الفساد والاستئناسبالفضيحة في رؤية هلال الانتخابات المليحة في الخمار
20:20 - 2019/09/13
توشك الحملة الانتخابية الرئاسية على النهاية، وقرب موعد الاقتراع ليختار المواطنون من سيتولى منصب ر
20:20 - 2019/09/12