إشراقات..المختصر المفيد

إشراقات..المختصر المفيد

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/05/15

بعض القرّاء يحتقر الكتب الصغيرة الحجم ، وكثير من الجامعيّين يستنكفون منها لتعوّدهم على الأطاريح المضخّمة . وفي مخازن مركز النشر الجامعي وأمثاله في تونس و الخارج أكداس من المطبوعات التي يزهد فيها الجامعيّون أنفسهم رغم أسعارها الزهيدة بالنسبة إليهم بعد التخفيض المشجّع . وفيها ، مع بعض الاستثناءات ، علم كثير صالح للجميع ، ولكن ما من سائل عنها ، للأسف الشديد .
وقد قرأت لكبار الفلاسفة و الأدباء ، من العرب و العجم ، وأخصّ بالذكر من الغرب أعلام التنوير ومشاهير الألمان ، كتبا صغيرة الحجم عظيمة النفع تدوّن  حيوات وتحوي نظريّات . وفي مكتبتي أطروحات تصفّحتها ولم أطالعها . ذلك لأنّ وقتي فيما بقي من العمر في تقلّص ، وجهدي بعد أتعاب السنين في تراجع . منها واحدة أهدانيها صديق الأربع الرائعة في دار المعلّمين العليا في أوائل السبعينات . ها أنا أنظر إليها متوسّطة غيرها ممنّيا النفس بقراءتها ذات يوم ، وقد كبرت عليّ بجزئيها الثقيلين . 


ومن قدماء المؤلّفين من يلخّص كتابه الكبير تسهيلا على طلاّبه أو يتطوّع غيره فليخّصه، ثمّ يأتي من يلخّص التلخيص، ويليه من يشرحه ثمّ من يعلّق عليه . وهكذا تتقدّم المعرفة بالمؤلّفات و المختصرات و الشروح و الهوامش و الحواشي و الأراجيز . وأعظم بها من معرفة شاملة ومشمولة بالنثر و الشعر !  معرفة شاهدة على تطوّر عبر العصور من الشفويّ إلى المدوّن ، ومن الإبداع إلى التقليد وحتّى إلى الاجترار . ولا حرج في ذلك ما ظلّت الكتب مطلوبة ومراكز العلم مقصودة وكلّ واجدا مرغوبه بأيّ شكل يريده ويقدر عليه مجلّدا في أجزاء أو رسالة في صفحات ، من تاريخ الطبري إلى « أيّها الولد» للغزالي ، من جملة عناوين عديدة .

 
وأطروحات الدكتوراه في الآداب ، المشروطة بحوالي ستّمائة صفحة ، تلجئ الطالب إلى ملء قسمها الأوّل بالنقول عن سابقه . وقد دعيت لحضور مناقشة لام فيها رئيس اللجنة المترشّح على المبالغة في مثل هذا قائلا : « بحثك عن التصوّف بإفريقيّة في القرن الثامن الهجري ، وقد ملأت المائة صفحة الأولى بأطروحة غيرك عن الموضوع نفسه في القرن السادس ، والمائة صفحة الثانية بأطروحة زميلك عن الموضوع ذاته في القرن السابع ! أليس

الأفضل لو اكتفيت بالإحالة عليهما مع تلخيص نتائج بحثيهما في ثلاثين صفحة كافية لتنطلق إلى الفترة التي اخترتها لإضافة الجديد و إكمال الصورة ؟ « وإذ نال الشهادة بملاحظة مشرّف جدّا ، كالعادة ، تعذّر عليه نشرها . ولو عمل بنصيحة المناقش بغية الاختصار لخفّت كلفتها على الناشر و خفّ وزنها وسعرها على الشاري . و لا شكّ أنّه بملخّصات الأطروحات تروج  المعرفة أكثر بنشر غير مكلف وسعر غير مجحف في وقت غير مسرف . وتبقى الأصول الكاملة في سحب محدود للمتخصّصين إن شاؤوا اقتنوها من المكتبات التجاريّة ، وإن بخلوا طلبوها من مكتبات الكلّيات و نظائرها كمعهد « إبلا» (IBLA) والمكتبة الوطنيّة.


هذه فكرة مستحدثة من القديم و ملائمة لطبع التونسي عندما يستعجلك إذا طوّلت عليه الكلام بالسؤال : « من الآخر ماذا تحبّ أن تقول ؟ « و الوقت ثمين و العلم كثير ، و الحيلة بالمختصر المفيد ، لا بالتقسيط المملّ . فكرة قد تحلّ جانبا من مشكلة أمّة « اقرأ» عسى أن تقرأ . ولسوف تقرأ . 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

في العادة نستعمل عبارة « تحت الصفر» توصيفا لأتعس الحالات، ولكنّي أجوّز لنفسي بصفة استثنائيّة استع
20:15 - 2019/06/18
هو أعمى لا يرى، فافعل ما شئت حيث شئت ومتى شئت..
20:15 - 2019/06/18
... اذا اتفقنا منذ البداية حول مقولة: «الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى «.
20:00 - 2019/06/18
الكاتب :صلاح الشتيوي
20:30 - 2019/06/17
النفطي حولة: ناشط نقابي وسياسي قومي مستقل التاريخ: 11ماي 2019
20:30 - 2019/06/17
في زمن تعوّد فيه التونسيون على الغرائب والعجائب بعد «الثورة المباركة» ونمو العنف والارهاب والكراه
20:30 - 2019/06/17
عند الامتحان يُكرم المرء أو يُهان،  مقولة  نُردِّدها منذ الصغر،  قبل كل اجتياز لمناظرةٍ أو اختبار
20:30 - 2019/06/17
لأن تونس تحارب أزمتها الرّاهنة على كافة الواجهات ولكن واجهة أخرى تطل على بلادنا بوجهها القبيح وهي
20:30 - 2019/06/17